حدثان سياسيان مهمان وقعا بفارق 5 ساعات الأربعاء من هذا الأسبوع. عني كلاهما –ظاهراً وسطحياً– بمجالات ليست انتخابات، كتل ومقاعد، وقصدا أهدافاً سياسية حزبية واضحة. الأول ساهم مساهمة لا بأس بها في نتائج الانتخابات، والثاني استثمر، لاحقاً، في مرحلة ألعاب التوصيات لدى الرئيس.
وها هو تسلسل الأحداث وفقاً للترتيب الزمني: في ساعات الصباح، حسب توقيت نيويورك، أي وقت اطلاع محرري نشرات الأخبار في إسرائيل بأن لديهم عنواناً ليبدأوا به البرنامج في الثامنة مساء، اجتمع المراسلون السياسيون للإحاطة التقليدية التي يقدمها رئيس الوزراء قبيل خطابه أمام الجمعية العمومية للأمم المتحدة. التقدير الجارف الذي دخل معه الصحافيون إلى الغرفة: الكثير جداً من إيران، السلام الإقليمي ثمرة اتفاقات إبراهيم، وفي مكان ما هناك، بين هذا وذاك – اليد الإسرائيلية الممدودة للجار الفلسطيني.
وعندها جاء يئير لبيد وحطم المبنى، إذ تبين أنه لا يعتزم الاكتفاء بالحدود الضيقة التي يضعها له منصبه كرئيس حكومة انتقالية، بل يقتحم إلى الأمام. “غداً في الخطاب على منصة الجمعية، سيعلن رئيس الوزراء بأن على إسرائيل السير إلى حل الدولتين للشعبين”، قيل للصحافيين. الأنباء الصاخبة شقت طريقها من الولايات المتحدة إلى إسرائيل، وفي غضون دقائق، أثارت جلبة عظيمة في المعسكرين.
بالنسبة لأحزاب اليسار، شكل قرار لبيد إلقاء كل الاستراتيجيات إلى البحر، إشارة واضحة أن رئيس “يوجد مستقبل” اتخذ قراراً سياسياً استراتيجياً. وهذه أنباء سيئة لميراف ميخائيلي وزهافا غلئون.
بعد أن فشل في محاولة إقناع زعيمتي اليسار بالتنافس في قائمة موحدة، انتقل لبيد إلى الخطة “ب”. بالنسبة له، الإعلان السياسي من منصة الأمم المتحدة عن تطلعه لإقامة دولة فلسطينية سيادية هو بذات القدر الإعلان السياسي عن تطلعه للوقوف على رأس حزب الوسط – اليسار الأكبر والأقوى في الكتلة. بما في ذلك على حساب خراب تلك الكتلة الهشة، وبما في ذلك الذهاب المحتمل إلى المعارضة، أو بثمن تحطم أحد حزبي الكتلة الصغيرين. لبيد يبني نفسه كزعيم وسط – يسار، حتى لو كان الثمن انتقاله من رئاسة الوزراء إلى رئاسة المعارضة.
النظرية التي اعتبرت حتى مساء الأربعاء مؤامرة ضعيفة على حدود خانعة، أصبحت في لحظة نظرة متصدر. يفضل لبيد السير إلى المعارضة بصفته زعيم بديل يقف على رأس الحزب الثاني في حجمه في الدولة على ألعاب التوصيات التي يفترض أن تأتي بعد الانتخابات.
ادعت بعض الشخصيات السياسية القديمة على مسمع كل من كان مستعداً للسماع (دون أن يأتي بالبراهين)، بأن الاستطلاعات الداخلية التي رفعت للبيد في الأسبوع الأخير تظهر بالقطع بأن نتنياهو يوشك الحصول على 61 مقعداً، وربما أكثر بقليل. “عندما يكون الحسم واضحاً بما يكفي، من الأفضل الاستثمار في المستقبل وليس في التخمينات المعلقة في الهواء”، ادعى أولئك الذين يؤمنون بأن رئيس “يوجد مستقبل” تخلى عن نية محاولة تشكيل حكومة بعد الانتخابات.
لبيد نفسه، كما هو معروف، يدعي خلاف ذلك. كل الكثيرين والطيبين الذين سألوه “كيف ستشكل حكومة بعد الانتخابات إذا لم يكن هناك حسم واضح؟”، سمعوا منه الإجابة إياها بالضبط: “لا تحاولوا إقناعي بأن ليس لي حكومة. إذا ما وعندما نصل إلى هذا، سنعرف كيف نقيمها”.
إن الإعلان عن الولاء لحل الدولتين قد يصمم لبيد كزعيم وسط – يسار بلا جدال، ويشطب مفهوم ثلاثي الرأس للمعسكر الرسمي، عن جدول الأعمال، لكنه لا يساهم في ترسيم حدود حكومة لبيد التالية. وثمة نظرية أخرى تدعي بأن الأمور معاكسة، وأن رسالة الدولتين جزء من جهد لبيد الهائل لإيقاظ الوسط العربي الذي حتى اليوم سأل نفسه “ما الفرق بين نتنياهو ولبيد في منصب رئيس الوزراء؟”.
لبيد، كما زعم، يحاول أن يأتي بالحد الأقصى من المقاعد لـ”المشتركة” و”الموحدة”، وعندها أن يحاول إقامة حكومة أقلية بدعم من المشتركة من الخارج. ثم سيتوجه إلى الحريديين وإلى رجال الليكود ويقول: “في أيديكم إقامة حكومة واسعة ليست متعلقة بأحمد الطيبي وأيمن عودة – تعالوا”.
يشار إلى أن الأنباء الواردة من نيويورك أثارت لدى الليكود وباقي أحزاب اليمين انفجارات هائلة من الفرح، لم يسجل مثلها منذ فترة بعيدة. فما الذي لم يفعله رجال الليكود كي يجلبوا المصوتين الذين بقوا في البيت في الانتخابات السابقة؟ في الوقت الذي حطموا فيه الرأس بحثاً عن المحفز المظفر الذي سيدفعهم إلى الاستيقاظ، جاء رئيس الوزراء وقدم لليمين هذا المحفز على طبق من فضة.
ما نجح لنتنياهو في 1996، قبل ذرى مخيفة في الانتفاضة الثانية، سينجح في العام 2022 مع خلفية وذاكرة جماعية. بينما أجرى لبيد مراجعات أخيرة قبيل خطابه، كان الليكود يعمل بكل القوة على الصيغة المحدثة لحملة “بيرس يقسم القدس” موديل 2022، هذه المرة بنجومية لبيد.
بقلم: آنا برسكي
معاريف 23/9/2022