غابت ملكة بريطانيا إليزابيث الثانية عن المشهد في المملكة المتحدة بعد انتهاء مراسم جنازتها يوم الإثنين 19 أيلول/سبتمبر 2022 وطوت معها صفحة سبعين عاما متواصلة من توليها العرش الملكي في العام1952 .
غياب الملكة يقابله حضور مؤثر لاستحقاقات داهمة تواجهها بريطانيا سواء على صعيد مستقبل الملكية أو معالجة الأزمات المعيشية والتغيرات الدولية على مسرح الصراع بين القوى العالمية الكبرى وأبرز وجوهه الحرب الروسية في أوكرانيا والتي تلقي بثقلها على أوروبا والعالم.
الانتقال الوراثي للعرش الملكي البريطاني حصل بتلقائية وسلاسة بعدما أوصت الملكة بتولي ابنها الأكبر تشارلز لهذا المنصب فحمل الملك الجديد لقب تشارلز الثالث.
وبالتوازي كانت حكومة حزب المحافظين تشكلت للتو قبل يومين من وفاة الملكة التي باركت انتخاب ليز تراس زعيمة لحزب المحافظين ورئيسة للحكومة الجديدة التي خلفت حكومة بوريس جونسون.
وهكذا صار لبريطانيا ملك جديد يبلغ من العمر 73 عاما هو أكبر الملوك سنا حين تسلمه العرش البريطاني، وتقف معه رئيسة حكومة جديدة تجاهر حاليا بالدعوة إلى أن يحفظ الله الملك، لكنها كانت تؤيد سابقا خلال حياتها الجامعية النظام الجمهوري وتنتقد النظام الملكي، لكن الشغل الشاغل لدى الرأي العام البريطاني هو انتظار انطلاقة الإجراءات العملية لحل الأزمات المعيشية.
أبرز وجوه تلك الأزمة لخصتها ليز تراس رئيسة الحكومة البريطانية بمواجهة أزمة التضحم وارتفاع أسعار الطاقة بفعل تداعيات الحرب الروسية ضد أوكرانيا، ولذلك أعلنت تراس عن جملة خطوات سريعة بينها تخفيض الضرائب ووضع سقف لأسعار الطاقة وذلك في محاولة لإعادة عجلة النمو إلى الاقتصاد البريطاني بعدما فاقت نسبة التضخم 10 في المئة وهي مرشحة لبلوغ معدلات قياسية في بداية العام 2023 لتصل حسب التوقعات إلى أكثر من 18 في المئة إذا لم تبادر الحكومة إلى اتخاذ إجراءات عملية لوقف التدهور الذي يفرضه التضخم.
لكن أولى الإشارات لم تكن إيجابية، حيث واصل سعر الجنيه الإسترليني هبوطه حتى وصل إلى أدنى مستوى له مقابل الدولار الأمريكي منذ 37 عاما حيث انخفض إلى ما دون 1.08 مقابل الدولار وهو ما رفع كلفة الاقتراض وأثار حالة من الخوف في الأسواق.
هذه الحالة من الاضطراب الاقتصادي يشعر بها كل من يعيش في بريطانيا وسط مخاوف من تفاقم الأمر مع حلول فصل الشتاء حيث تتردد مقولة «بأن ملايين المواطنين والمقيمين سيختارون المفاضلة بين طهي الطعام أو التدفئة بالاستناد إلى قدرتهم المالية لشراء الغاز المرتفعة أسعاره».
وتحكي بعض الإحصائيات عن وجود ما يقارب 45 مليون شخص سيكابدون ليتمكنوا من دفع فواتير المعيشة،
وهناك أيضا معضلة الاستشفاء وما تعانيه خدمة القطاع الصحي الوطني من أزمات حتى غدت غير قادرة على استيعاب الأعداد الكبيرة من المرضى الذين ينتظرون تلقي العلاج اللازم ويبلغ عددهم أكثر من تسعة ملايين مريض، حتى أن بعض المرضى فارقوا الحياة بينما كانوا على قائمة الانتظار حيث كان يعاني بعضهم من أمراض مستعصية كالسرطان.
ويضاف إلى ذلك أيضا مشكلة الإضرابات المتكررة بين الحين والآخر والتي تشل في كثير من الأحيان قطاعات حيوية بينها قطاع النقل الذي يطالب العاملون فيه بزيادة أجورهم لمواجهة ازدياد ضغط الأعباء المعيشية، لكن الحكومة المحافظة كانت ترفض تلك المطالب وتتذرع بالخوف من زيادة نسبة التضخم إذا قامت بزيادة الأجور والانفاق.
وفي المشهد الداخلي أيضا يترصد حزب العمال بزعامة كير ستارمر للايقاع بحكومة المحافظين وهو سيقدم رؤيته لحل مشاكل بريطانيا خلال مؤتمره السنوي المقرر عقده هذا الأسبوع، وهناك مطالبات للحزب بأخذ المبادرة وطرح برنامج عمل طموح يكون قادرا على استمالة الناخبين وكسب ثقتهم للفوز في الانتخابات العامة المقررة بعد عامين وإنهاء حقبة حكم حزب المحافظين التي استمرت على مدى 12 عاما على التوالي .
ويدعو البعض حزب العمال إلى اغتنام الفرصة للاستفادة من الاهتزاز الذي أصاب المحافظين خلال عهد رئيس الحكومة السابق بوريس جونسون وأدى إلى دفع الحزب نحو إجبار جونسون على الاستقالة بعد صراع داخلي مرير داخل حزبه أدى إلى استقالة عدد كبير من الوزراء ومن مساعدي جونسون حتى اقتنع بالاستقالة التي تبعها لاحقا انتخاب المحافظين لتراس كرئيسة للحكومة.
تلك الأزمة لا تغيب أيضا عن بال ليز تراس مثلما لا يغيب عنها ترصد العمال لحكومتها.
وتحضر في المشهد البريطاني عناوين أخرى تتسم بحساسية بالغة ولا بد للملك تشارلز الثالث أن يوليها أهمية قصوى لأنها تتعلق بوحدة المملكة المتحدة الداخلية، وقيادتها لمجموعة دول الكومنولث على الصعيد الخارجي بما يحفظ نفوذها على الساحة الدولية.
عند هذ النقطة لا تتورع صحيفة «الغارديان» البريطانية عن القول إن المستقبل لاستمرار مجموعة الكومنولث غير مضمون في عهد الملك تشارلز الثالث.
وتعيد الصحيفة التذكير بالماضي الاستعماري لبريطانيا حيث تم استغلال المستعمرات بقسوة على مدى عقود ما دفعها إلى الاستقلال ولا يوجد اليوم إلا خمسة عشر كيانا (تتبع للتاج البريطاني) بعد أن كانت سبعين إقليما عند تولي الملكة إليزابيث العرش عام 1952 .
ذاك الماضي ما زال حاضرا في أذهان الكثير من الشعوب رغم الاعتراف الملكي بالأضرار التي ألحقتها سياسة العبودية وتجارة الرقيق، لكن ذلك الاعتراف لم يصل إلى حد الاعتذار خوفا – على الأرجح – من فتح باب التعويضات كما تقول «الغارديان».
وعلى الصعيد الداخلي فإن وحدة المملكة المتحدة ما تزال على المحك وخاصة مع إصرار اسكتلندا على الانفصال عبر تشبثها بالدعوة إلى تنظيم استفتاء جديد للانفصال، وهناك دعوى قضائية بهذا الصدد ستنظر فيها المحكمة العليا في بريطانيا وقد تسمح من خلالها للبرلمان الاسكتلندي بإصدار تشريع يتيح إجراء الاستفتاء على الانفصال.
وتم أيضا تسجيل معارضة متنامية في أوساط الجيل الجديد للنظام الملكي وفقا لاستطلاع رأي تم نشره نهاية العام 2021 أظهر تراجع الذين يرون ضرورة أن يكون هناك نظام ملكي في البلاد من 70 في المئة خلال العقود الماضية إلى 55 في المئة، أما في أوساط الشباب (الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و34 عاما) فقد تراجعت هذه النسبة إلى 14 في المئة كما تقول هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي».
وهناك أيضا حركة متنامية تطلق على نقسها اسم الجمهورية وتدعو لإلغاء نظام الملكية.
وزادت قوة تلك الدعوة بعد ظهور مشاكل داخل العائلة المالكة خلال العقود الثلاثة المنصرمة ومنها على سبيل المثال لا الحصر قضية طلاق تشارلز – حينما كان أميرا – من زوجته الأميرة ديانا في تسعينيات القرن الماضي.
كما يدور نقاش في أوساط بريطانية عديدة عن الامتيازات المالية السنوية التي تخصص للعائلة المالكة من الضرائب، وهي تعرف بإسم المنحة السيادية وبلغت 99 مليون و800 ألف دولار للفترة ما بين العام 2021 و2022 كما تقول هيئة الإذاعة البريطانية.
وكان الملك تشارلز قال في مناسبات سابقة إنه يرغب في أن يكون لديه نظام ملكي أقل حجما .
أما على الصعيد الخارجي فيبرز دور وموقف بريطانيا الداعم لأوكرانيا في مواجهة الحرب الروسية عليها ومحاولة منع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين من تحقيق أهدافه المعلنة في تلك الحرب.
ولا يبدو أن لندن ستغير موقفها في وقت تتصاعد فيه حدة التصريحات والمعارك العسكرية في أوكرانيا وترتفع معها لغة التهديد الروسية وصولا إلى التلويح المباشر باستخدام الأسلحة النووية.
وتجدر الإشارة هنا أن ليز تراس كانت أعلنت خلال حملتها الانتخابية لمنصب رئاسة الحكومة أنها ستكون جاهزة للضغط على الزر النووي إذا تعرضت بلادها للخطر.
وتنتظر الحكومة البريطانية ملفات خارجية أخرى تتسم بالحساسية ومنها ما يتعلق بنتائج انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي ومطالبة لندن بتعديل البرتوكول الذي ينظم انتقال البضائع منها إلى أيرلندا الشمالية (ضمن المملكة المتحدة) المحاذية لجمهورية أيرلندا العضو في الاتحاد الأوروبي، وضرورة التعامل مع هذا الأمر بدقة بالغة بما يمنع إعادة فرض حدود جمركية بين الجانبين (أيرلندا الشمالية وجمهورية أيرلندا) لما يحتويه من إمكانية إعادة التوتر والاقتتال الذي كان انتهى باتفاق الجمعة العظيمة، وهذه النقطة تحظى باهتمام بالغ لدى الإدارة الأمريكية أيضا والتي من المرجح أن تربط نجاح التوصل إلى أي اتفاق تجاري لها مع الحكومة البريطانية بالحفاظ على الوضع المستقر عند الحدود بين أيرلندا الشمالية وجمهورية أيرلندا.