في ديوانه «شجرة في قلب ذئب» ينطلق كمال أبو النور لتأسيس حالة من حالات استعادة الانسجام القديم ومحاولة العودة إليه مرة أخرى، سواء أكان ذلك في منحاه الفلسفي العام، أو في منحاه الواقعي العادي حيث يرتبط الانسجام بعلاقات الأفراد، فتطلّ اللحظات الماضية بوصفها لحظات انسجام متأصلة في القدم، يعاد تشكيلها ويعاد النظر إليها ومقاربتها مع كل محاولة أو مواجهة شبيهة بها في الواقع والحياة. ومع استمرار هذه المحاولات لا تظل الذات على شكلها القديم، فيصيبها الكثير من التغير والتبدل، وفي كل تغيراتها وتبدلها تبقى مشدودة بخيط ما إلى الإنساني الرهيف الذي يتجلى في جزئيات غائرة شديدة التعقيد، تلتقطها الذات ارتباطا ببراءة منسية قديمة.
الحركة في قصائد الديوان مشدودة إلى قسيمين، الأول منهما المثالي المتعالي، والأخير الواقع الذي نعاينه بالنزال والمراودة، ولهذا تكتنف قصائد الديوان معاني ودلالات التيه والغربة والتبعثر في مساحات التلاقي بين البشر، فهناك اقتراب واتصال شكليّان، لا يستطيعان النفاذ إلى الروح الغائرة التي لا تجد وسيلة في تجسيد خيبتها إلا من خلال اتجاه مضاد يرتبط بسلوك الذئاب المشدود والمملوء بالشدة والغلظة والحركة واللهاث، فالتواصل بين الرجل والمرأة – النواة الأساسية لنصوص الديوان وجماع قسماته المؤطرة للحركة – تواصل سطحي لا نفاذ فيه إلى روح كليهما، فحركة المعنى في نصوص الديوان تكشف عن أرواح مشروخة مبعثرة متشظية، لتعلقها بنموذج مثالي قديم، ويمارس حضوره وتأثيره في تأطير طبيعة الحركة، فهي أرواح ليست قادرة على الالتحام بالمثالي القديم، ولم تفقد إيمانها بوجوده في تعاملها مع معترك الحياة، فتتحرك مقسمة ومجزأة، وليس هناك وسيلة ناجعة لضمّ هذا الجزئيات داخل إطار وحيد يكفل لها اتزانها.
فالمثال – في نصوص الديوان – يطلّ على نصاعته، لا تؤثر فيه السنوات، وذلك من خلال هالات التقديس التي تبدو واضحة جلية في نفي المشابهة، فمع المثال الأنثوي الذي يبدو وجوده لافتا بالرغم من الغياب ليس هناك أثر للزمن، وما يتجاوب مع مروره من ظواهر، لأنه تحوّل إلى فكرة تزدان بالحياة مع كل إعادة مقاربة أو تذكر، وتؤثر بحضورها في جعل الواقع بتجلياته العديدة قلقا وبائسا، فمع هيمنة سلطة النموذج أو المثال القديم يتعرى المتاح الواقعي، لأن السارد الفعلي في النصوص لا يتعامل مع المتاح الواقعي برهافة المثال أو بمنطق الشجرة التي تأتي بوصفها معادلا للظل والهدوء والانسجام، وإنما بمنطق الذئب بغلظته وقوته، وكذلك تأتي الغابة متساوقة مع حدود هذا التصور، ففي نصّه (سأقود السيارة بنفسي) يقول: (أنقر على الأبواب بخفة ساحر/ يذكرني بأنني ما زلت إنسانا/ يحاول الهرب من الغابة التي تلاحقه).
الانسجام: جدل الحضور والغياب
هناك تعالق وارتباط بين الانسجام القديم قبل السقوط، والانسجام الذي يصنعه الإنسان مع نموذجه الأنثوي الذي يفرّ ويتعاظم على التحقق، وهذا التعالق يجعل السمات الخاصة بالانسجام القديم وثيقة الصلة بهذا الانسجام الواقعي المبتور غير المكتمل مع النموذج الأنثوي، فيستعير من سمات العالم إطارا مزدانا بالتعالي والقداسة، ضد كل ما هو لحظي ومنته وذاهب للتلاشي في منطق النص الشعري. ففي نص (استراحة قليلة للعالم) يبدأ النص استراتيجيته الاسترجاعية من لحظة المساءلة الرمادية المشدودة لسكون وانغلاق الآني بكل جزئياته، بداية من تعبيرات دالة مثل (الكوب الفارغ)، و(وسقوط أسنان القلب) التي تشير إلى الوخزات القديمة التي تطلّ لحظة المساءلة، ومرورا (بانكسار العالم)، و(الفجيعة والألم الصامت)، و(حداد المقاهي)، و(النوافذ القديمة).
يؤسس النص الشعري بنيته الدالة – أمام هذا السيل الخاص بالذكريات والارتدادات انطلاقا من انطفاء الآني – في إطار ثنائية حيث تشكل واحدة منهما فرادة في التكوين، وفرادة في إسدال الانسجام القديم حتى لو كان انسجاما جزئيا، وتتمثل الفرادة في هذا الجانب بداية من الصفات المسدلة التي تعبّر عن قداسة ما مثل (الصوت المحفوف بأيدي الملائكة)، و(ضبط عقارب القلب) للإشارة إلى استعادة الانسجام، أو (مثل شجرة الموز التي يتعلّق بها طفل غريق).
الانسجام في الأساس ناتج عن مشاركة الروح والجسد، واستحضار احتياجات كل منهما، للوصول للحن، ومع غياب الروح وحضور الجسد فاعلا تتغضّن الروح، لأنها لم تتساوق مع الرائحة أو الموسيقى التي تبحث عنها، وتعودت عليه، ونتيجة لذلك تتشكل التعقيدات الداخلية الباطنية التي لا نجيد التعبير عنها إلا في سرود نصوص مبتورة، يقول الشاعر: (كل شيء يتجه إلى الظلّ – لم نكن منصفين لأجسادنا – أطعمناها لحوما نيئة – ولأننا أخطأنا في فهم رغباتنا – تآكلت أرواحنا ببطء – وخرجت من قلوبنا ذئاب عمياء – لم تشبع إلا بنحر أبنائها – تموت أجسادنا في الغالب – دون أن تتعرّف على رائحة تتشابك معها).
في انتقاء كمال أبو النور لرموزه الكاشفة والمعبرة عن تلك الحالة الإنسانية الوجودية يستند إلى رمز له هالته وحضوره ومحاولة انفلاته وجموحه في صخبه الداخلي واستسلامه في الآن ذاته، فالبحر في نصه (ما عاد البحر طيبا) بحر يستسلم لقدره المشدود لواقعه وسياقه وارتباطه بالشاطئ، فقد أصبح رمزا لكل من يحاول التعاظم على قدره، لكن ليس لديه قدرة على التفلت من ارتهاناته الوجودية، ينتقي النص الشعري من تلازمات وجوده الشاطئ والأسماك، وفي ظل ذلك تلحّ الثنائية الخاصة بالحرية والعبودية، بالقيد والتحرّر من القيد، خاصة في ظل استحضار المماثلات الشعبية الزوج/ البحر، والزوجة / الشاطئ.
تتشكل حدود الحرية في مجرد الأمنيات التي تحاول التغلب على الرتابة التي تتحول إلى قيد أبدي. ويمكن تطبيق المنحى ذاته في تحريك الدلالة إلى دلالة متباينة مع السائد مع الأسماك فالنص الشعري ينتزعها من سياق أقرب إلى التقديس ليخلقها في سياق يحتّم انتهازيتها فتغادر طبيعتها لتصبح مشيرة إلى مخلوقات في حالة النقل والتحوير تدفع للانضواء داخل حدود النمط، والانصياع لحدوده، وإن كان ذلك الانصياع لا يخلو من التبرم والصخب، يقول الشاعر: (ماذا فعل البحر حين كان رحيما – كل يوم تسقط قطعة من قلبه – تأكلها الأسماك وترحل – تاركة وراءها ابتسامة دمية شريرة – إنه يرتق قلبه بلا توقف – وكلما أثمرت الحياة في رئتيه – أسرعت أسماكه لقطفها).
ويتوازى مع مديح العتمة أو الظلمة – في تأسيس الكيان الباطني الخاص – مديح العزلة، فالعزلة إطار مغلق لا يترك مساحة للتواصل مع الاخر، فاختيار العزلة اختيار للذات وتكوينها الباطني شديد التعقيد الذي لا يعرف حدوده أحد، فلا أحد سواها يعرف طبيعة التوجهات والخيارات والخسارات والهزائم. فالتواصل مع الاخرين في منطق النص الشعري يصبح نوعا من التعري أو التكشف، هي محاولة للهروب من تاريخ وذاكرة الذات ومشاركة همومها وإحباطاتها مع الآخرين، يقول النص الشعري (لا أريد لأحد في هذا العالم- أن يرتدي ثيابي ويتركني عاريا- لا أريد أن أنقش سعادتي كوشم- على أفواه العائلة- ثم أتسوّل السعادة كضيف ثقيل). تلح العزلة إطارا يمنع التعري والكشف من خلال سردها وإعادة السرد بأفواه الاخرين، وبناء ذاتيا يرتّب خساراته وانحناءات الهزائم، وتصبح والحال تلك نوعا من ادخارات الروح التي تعود إليها وتحتمي بها في لحظات المساءلة الرمادية.
المثالي المتجدد والواقعي المتلاشي
في نصوص كمال أبو النور هناك تأسيس وحضور مستمران للمثال الذي يتشكل بوصفه لحظة ماضية، تعيد تجديد حضورها بفعل الارتكان والعودة إليها لتتشكل حياة خاصة لا تنفصل عن حالة الاكتمال الأولى، وفي هروبه من نسقه وتشظيه في الحياة أو الواقع يأتي الوجود الفعلي كأنه (مرايا الغابة). ويبقى هذا التصور فاعلا في نصوص الديوان الشعرية في محاولتها الإنصات إلى الروح والتخلص من (القوة)، كما في نص (عالقة عند تخوم السماء)، أو تبديل ملمس الشوك في ظهر القنفذ إلى ملمس الشيفون، أو في وجود روحين هاربين في النص ذاته، وفي إطار ذلك تبقى المحبة أو الحب متعاليا، يتحقق في شكل جزئيات أو تجليات بسيطة تعيد الإحساس بالإحساس القديم، ففي هذا النص يقول (المحبة الخام لن تصل إلى الأرض- ستظل هناك عالقة عند تخوم السماء- كل ما يصلنا منها رذاذ- يقي البشرية من الإبادة).
لا يتحقق المثالي الأنثوي، لكنه يظل مرتفعا عاليا، وربما تكمن أسطورته وقيمته وصورته الاستثنائية من خلال هذا العلو والارتفاع والبعد عن النزال والانغماس في الحياة، والذات الشعرية الساردة في النصوص لها استراتيجيات في البناء أو الإبقاء أو الاستحضار الخاص بهذا االنموذج، وأهمها استراتيجية التغيير أو التبديل التي تمارسها ضد الواقعي حتى يقترب من المثالي، على نحو ما يمكن أن نرى في قصيدة (سأقود السيارة بنفسي)، حيث يقول: (سأستعير منك بضع ضحكات – أرفع بها وجه امرأة – أستبدل نهديك بنهديها – ساقيك بساقيها – لكنني عاجز عن استبدال رائحة الموت – برائحة غناء العصافير- عاجز عن استبدال قطران قلبها – بسحابة بيضاء لا تفارق قلبك).
النمط المتداول في الحركة والانتقال يتجاوب معه ومع آلية ورتابة التحرك نحوه، فقد للقيم كما تجلى في النص الشعري، وفي ذلك تعرية وكشف لهذا النمط من السعادة، لأن النص الشعري في كل جزئية من الجزئيات السابقة يضعنا وجها لوجه مع سمات وإشارات مقابلة تقوّض وجود السعادة، وتهشّم مشروعيتها، بداية من كونه شحاذا، وكون أولاده شحّاذين، ومرورا بالتعري في وجود الملابس، وتحوّل المنازل إلى مقابر، وقتل الأخوة، وهم هنا ليسوا الأخوة المعهودين، لكنها الكائنات ذات التجليات المثالية التي ظهر جانب منها في الإهداء( كم مرة قتلت توأمك من أجل أن تحيا)، فالاستجابة لمنطق الحياة قتل للشعر والشاعر. وفي كل ذلك يعري النص كل مقرر وكل مؤسس.
وإذا كانت النصوص الشعرية قدمت رؤية مغايرة للأفكار المجردة مثل السعادة، فإن هناك نصوصا أخرى مارست دورها في التشكيك في الجمال البراق وفق رؤية الآخرين، ليصل من خلال ذلك إلى رؤية نافذة تستطيع أن تدرك مساحات مباينة بعيدا عن المحسوس والمدرك، وذلك لاتكائه على الحضور الخاص للمثال، يقول في نص (قناع من الثلج): (كل الذين يتملقون وجهك أغبياء – يجهلون أنه قناع من الثلج – يحتاج إلى مغامرة مستحيلة – للوصول إلى المياه الدافئة – يبدو أننا أرواح مشروخة – غير قابلة للالتئام مرة أخرى).
كمال أبو النور: «شجرة في قلب ذئب»
الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة 2022
136 صفحة.