«تأويلات» الفنان المغربي سلمان الزموري: زواج الرسم بالضوء والريشة لوجوه عابرة تحفر ملامحها في ذاكرة المحبة والتسامح

عبد العزيز بنعبو
حجم الخط
0

الرباط ـ «القدس العربي»:  «تأويلاتي» هو العنوان اللافت الذي اختاره الفنان الفوتوغرافي والتشكيلي المغربي الهولندي، سلمان الزموري، لمعرضه الجديد المقام حاليا برواق «ضفاف» في الرباط والذي يتواصل إلى غاية 15 من تشرين الأول/أكتوبر.

المعرض المنظم من طرف مؤسسة الحسن الثاني للمغاربة المقيمين بالخارج، جرى افتتاحه في 15 من أيلول/سبتمبر، وحضرته أسماء وازنة من عالم الفن والثقافة، ويضم 28 لوحة توزعت بين «فكرة فقط» و«تغير المناخ» و«كورونا، وحريتنا» و«رقصة الحب» و«تمدن» و«وجهك في المرآة» و«أشخاص في طوكيو» وعناوين أخرى انتقاها الفنان بعناية للتعبير عن عمق أعماله التي مزجت بين الفوتوغرافيا والتشكيل.
هو زواج الرسم بالضوء والرسم بالريشة، ويبدو أن سلمان الزموري كان موفقا في إقامة حفل زفاف فني ناجح لهذا الارتباط بين العدسة والصباغة، أثمر في النهاية مواليد عبارة عن لوحات غاية في الإبهار والجمال أيضا.
المعرض كل يوم يستقبل زوارا، ويفتح أبوابه أمام عشاق الفن التشكيلي، كما أن الفنان سلمان حاضر بدوام الإبداع في كل اللحظات التي يقترب فيها زائر يلامس عن قرب ما أنتجته سنوات طويلة من الاشتغال الجاد والجدي.
وكما لم يبخل سلمان الزموري على متلقي أعماله بكل ما لديه من جهد فكري وإبداعي، فإن هذا المتلقي استقبل لوحاته بكثير من العناية، وكان لنساء ورجال الإعلام المغاربة أيضا نصيب في هذه الحفاوة، حين خصصوا لمعرضه أخبارا بارزة ضمن يومياتهم المهنية.
من جهتها مؤسسة الحسن الثاني للمغاربة المقيمين بالخارج، لم تبخل على المعرض باحتفاء يليق بريشة مغربي من مغاربة العالم، وخصصت له كتيبا جميلا ضم لوحاته وسيرته الذاتية إضافة إلى تقديم بقلم الأستاذ الجامعي والباحث في الفوتوغرافيا، جعفر عقيل، تحت عنوان «سلمان الزموري ولسعة اللون».

احتفاء باللون… احتفاء بالحياة

يقول عقيل في مستهل تقديمه: «يقدم معرض سلمان الزموري المعنون بـ (تأويلاتي) ملونة من الفوتوغرافيات قاسمها المشترك هو الاحتفاء باللون، فالمشاهد حين يبصر فوتوغرافياته ويتحسس عدته الفنية ويتعرف على عوالمه التخييلية وأكوانه الثقافية، يشعر بأنه أمام تمثلات ونتف فنية مشحونة بأحاسيس وأفكار ومعادلات بصرية يحاول من خلالها هذا الفوتوغرافي الناسك، الرهان على مكون اللون، التعبير عن التحولات الرهيبة التي يمر منها/ بها عالمنا الراهن».
ويضيف «أن الدرس الذي تلقنه هذه الفوتوغرافيات لمشاهديها هو ما معنى الاحتفاء، في زمننا الراهن، باللون ونورانيته وحرقته ولمعانه، أي الاحتفاء بالحياة وإشراقاتها. وتلك هي الحكايات التي تحكيها لنا هذه الفوتوغرافيات بصمت عنيف وزهد قوي وشهوة عارمة».
بهذا التقديم العميق، يغوص عقيل بالمتلقي في تجربة تستحق الوقوف عندها مطولا، أولا في جانب الفوتوغرافيا التي أبدع وبرز فيها سلمان الزموري كواحد من العيون اللاقطة لمشاهد غير متوقعة، أو كفنان يمسك الريشة ويبحر في الصباغة ويبتكر اللون وينتهي به المطاف إلى أشكال متعددة لكنها كلها تفيد الحياة.
ومن ثم، يأتي معرض «تأويلاتي» ليؤكد أن سلمان الزموري هذا الفنان المتجول والمسافر، صاحب الأسلوب العالمي الذي تزدهر إبداعاته من خلال تشبعه بالحب والتفاؤل اللذين يعدان حقيقة مطلقة بالنسبة إليه، احتفظ بالضوء من التصوير الفوتوغرافي، ودمجه مع الرسم والألوان.
بطل هذه القصة الإبداعية، هو سلمان الزموري مغربي حامل للجنسية الهولندية، ودائم الارتباط بالوطن، تابع دراساته في التصوير الفوتوغرافي في جامعة التصوير التطبيقي في أبلدورن بهولندا، ثم تدرب على تقنيات الرسم في أوتريخت بهولندا.
هذا الفنان المرتحل منذ سنة 1987 قدم أكثر من 400 معرض في عدة دول: هولندا، المغرب، بلجيكا، الدنمارك، كوريا الجنوبية، أستراليا، تركيا، إسبانيا، العراق، سوريا، ألمانيا، بولندا، فرنسا، أيسلندا، البوسنة والهرسك.
البحث عن التخلص من قيود اليومي، قد يكون هو شعار سلمان الزموري الذي يكون سباقا باستمرار إلى أفكار مغايرة لما هو متداول، حيث إنه في عز جائحة فيروس كورونا المستجد وعز الإغلاق والحجر، افتتح مطلع أيلول/سبتمبر من عام 2020 معرضا في الهواء الطلق احتضنته طبيعة مدينة إيدي الواقعة وسط هولندا، وبذلك يكون قد كسر رتابة تلك الأيام العجفاء والمرعبة التي غطت العالم بسحابة داكنة، فكان أن قاومها بألوان زاهية من أعماله وصوره.
بالنسبة للتواصل، فهو يحرص عليه خاصة مع عشاق أعماله ومختلف وسائل الإعلام، وله في ذلك علاقات طويلة مع صحافيين متخصصين في المجال الفني، يزودهم بجديده ليصل إلى الجمهور الواسع. كما أنه دائم العناية بمراسلاته، ويختار لها أبهى وأجمل الأشكال والأغلفة، ذلك نوع من العناية بمتلقيه، فالرسالة تظهر من عنوانها، أو كما يقول الأشقاء في مصر «الجواب باين من عنوانو».
في تصريح لفتيحة أملوك، المكلفة بقطب الفن والثقافة والاتصال بمؤسسة الحسن الثاني للمغاربة المقيمين بالخارج، قالت عن معرض «تأويلاتي» إنه يمزج بين الفن الفوتوغرافي والرسم والألوان وبذلك فهو يقترح إبداعا مختلفا.
وحسب فتيحة أملوك، فإن الفنان الزموري يحتفي بقيم المحبة والتسامح في اشتغاله على مواضيع عديدة، ويجسد الإقبال على الحياة بتفاؤل من خلال أعماله.
أملوك أضافت متحدثة لـ«القدس العربي» أن الزموري يجسد ترحاله وحبه للناس من خلال أعماله المعروضة حاليا في «ضفاف» هذا الرواق الذي يحتفي بالفنانين المغاربة المقيمين بالخارج والذي تسعى من خلاله مؤسسة الحسن الثاني أن يكون نقطة ضوء وجسرا لوصول إبداعات مغاربة العالم إلى أبناء وطنهم.
وتبرز المتحدثة أن المعرض الحالي لسلمان الزموري هو رسالة محبة وتسامح بالأساس، ويحضر فيها العديد من الأشخاص الذين التقاهم خلال ترحاله عبر العالم.
من جهته، وفي لقاء معه أثناء زيارة معرضه في الرباط، توقفت «القدس العربي» مع سلمان الزموري عند مسألة النزوح نحو اللون والريشة، وما موقع التصوير في هذه الهجرة، فكان جوابه بسيطا حين قال «أهتم بالفن منذ الصغر» وهو ما يدفع عنه صفة اعتناق الريشة والصباغة لأول مرة، لأن البدايات كانت مزدوجة بين التصوير الفوتوغرافي والتشكيل أيضا.

الفنان الرحالة

ويقول الفنان الزموري إنه يبحث عن هويته، لكنه يتساءل في الوقت نفسه «لكن، ماذا تعني الهوية؟» وهي إحالة على الكوني لدى الإنسان بشكل عام والفنان المبدع بشكل خاص.
صاحب «تأويلاتي» يقول إنه اكتشف التصوير الفوتوغرافي والرسم في هولندا، وهنا يوضح أن البحث عن طريقة للتواصل مع هذا المجتمع الجديد هي التي قادته إلى التصوير الفوتوغرافي بعد أن أدرك أنه «لغة عالمية لن تحتاج إلى الترجمة للتواصل مع الناس».
ويؤكد سلمان أنه واصل رحلته، وهنا يعترف قائلا «لدرجة أنني أصبحت غريبًا على التصوير الفوتوغرافي» وهو ما جعله يجمع «بين التصوير والرسم في لوحة واحدة، زواج مؤقت من أجل المتعة أم زواج دائم؟ حاليًا، أعمل مع الضوء والألوان وأواصل بحثي».
وبما أن الترحال صفة تلازمه، سألناه هل هو ملهم له في أعماله، فكان جوابه يقينيا، حين قال «يلهمني المشي والسفر كثيرًا لإنجاز أعمال فنية جديدة ومختلفة، المشي والسفر يفجران رغبتي في الإبداع».
وكبطاقة هوية فنية، أكد الزموري في معرض جوابه عن سؤال التصوير والرسم، أنه ليس «مصورا بالمعنى التقليدي» ويوضح أكثر، «حاليًا، أستخدم الكاميرا فقط لالتقاط موضوعات عابرة».
ويختم بأنه «لأكثر من 10 سنوات، كنت أقوم بدمج الضوء لتحسين الرسم والألوان» وبالنسبة إليه فإنها «تجربة فنية رائعة، من خلال الألوان أضيف البهجة والسعادة إلى لوحاتي، تعطيني الألوان شعورًا بالتفاؤل والحماس».

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية