كل محاولات إيران تنفيذ عمليات ثأر من إسرائيل في السنة الأخيرة فشلت أو صفيت في مهدها. وفي أزمتهم للقيام بالثأر، توجه الإيرانيون إلى القناة الفلسطينية، القريبة من الخاصرة الرخوة لإسرائيل. وذلك انطلاقاً من المعرفة والفهم بأن حماس والجهاد على حد سواء غير قادرتين على العمل اليوم من داخل قطاع غزة بسبب منظومة الدفاع الناجعة التي أقامها الجيش الإسرائيلي أمام القطاع، وكذا بسبب رد حاد وحاسم قد يوقعه على القطاع في كل محاولة كهذه.
من هنا أصبحت الضفة الساحة الإيرانية لتنفيذ أعمال ثأر ضد إسرائيل، وأساساً للاستنزاف وضعضعة الحياة بواسطة حماس والجهاد الإسلامي، وثمة أسباب واضحة لكل عين: أولاً، لمحاذاتها للبلدات والمستوطنات وقلب الدولة. ثانياً، آلاف الفلسطينيين يصلون يومياً إلى البلدات الإسرائيلية ومركز الدولة لغرض العمل والتجارة. إضافة إلى ذلك، فإن مخيمات اللاجئين، مخيم بلاطة في نابلس، وتلك التي في جنين وطولكرم، والعرّوب، والدهيشة، وقلنديا، والفارعة الذي في منطقة طوباس، وفي الجلزون- كلها دفيئات إرهاب مشحونة بالفقر والكراهية لإسرائيل. وهذه أرضية مريحة لتجنيد المخربين من داخلها.
وهناك سبب إضافي، وهو كراهية السلطة الفلسطينية المصابة بالفساد، التي تعيش صراعات قوى داخلية وفقدت مكانتها وقوتها، حين تترك الميدان لنشطاء حماس والجهاد الإسلامي. وهؤلاء يعملون هناك بواسطة ملايين الدولارات التي تضخ من إيران – حزب الله، لتجنيد مخربين مأجورين يتلقون منحاً وعلاوات على النجاحات، وللتزود بالوسائل القتالية.
كما يحاول الإيرانيون استغلال الضائقة الاقتصادية التي تعاظمت منذ بداية كورونا وانعدام الأمل واليأس لدى عشرات آلاف الشبان الفلسطينيين، إلى جانب كراهية متزايدة لإسرائيل بزعم أنها تدنس “الأقصى” والكراهية التي “تحقن” دون توقف في أوردة الشبان الفلسطينيين. ويشكل هؤلاء محفزاً ممتازاً لتجنيد المخربين، وجعلوا الضفة عملياً مركزاً للإرهاب ولتجنيد الشبان لأهداف الإرهاب لقاء المال.
كل هذا خلق على مدى الأشهر الأخيرة، بمعونة رؤساء الخلايا ونشطاء التجنيد الذين يتلقون التوجيهات من غزة، شبكة إرهاب واسعة آخذة في الانتشار كالنار في الهشيم بمعونة الشبكات الاجتماعية. كل ذلك من تحت أنف جهاز الأمن الإسرائيلي ومن خلال المال الإيراني الذي يضخ إلى الضفة إلى جانب تعليمات الإرهاب التي تأتي من غزة.
بالتوازي، يبذل هذا الإرهاب الإيراني جهوداً جبارة بمعونة المراكز في قطاع غزة لتوسيع هذا النشاط باتجاه إسرائيل ولخلق واقع مشابه لذاك الذي في الضفة في تجمعات عرب إسرائيل أيضاً، أي في المدن المختلطة، والمدن والقرى العربية ومطارح البدو في الجنوب والشمال.
يدور الحديث عن أعمال موجهة لتلك الجهات الإجرامية ممن يعملون اليوم في الوسط العربي والمزودين بسلاح كثير ويعرفون كيف يعملون حيال حماة القانون داخل إسرائيل. يدور الحديث عمن يضعضعون الأمن الشخصي لكثيرين في دولة إسرائيل. غير أنه لقاء حفنة دولارات، سيكونون مستعدين وقادرين على تنفيذ أعمال إرهاب في أراضي دولة إسرائيل.
لا شك أن واقعاً جديداً ومقلقاً نشأ أمام ناظرينا هنا لم نشهد له مثيلاً منذ الانتفاضة الثانية. من هنا مثلما كان كفاح الجهاز الصحي في ذروة جائحة كورونا، فإن جهاز الأمن بكل مستوياته ملزم بالوقوف بإلحاح وبكامل القوة لمواجهة شكل الإرهاب الجديد هذا، الذي يأتينا من إيران حسب كل المؤشرات، وذلك من خلال تطعيمات ناجعة وفورية يجب أن تكون بدايتها في قطاع غزة، حيث يأمن ماسكو الخيوط ممن يحاولون زعماً عرض القطاع اليوم كمنطقة نقية من كل شائبة ولا صلة له بما يجري في الضفة.
بالمقابل، واضح أن الجيش الإسرائيلي سيضطر للعمل هنا بكامل قوته حيال إهمال السلطة الفلسطينية تجاه تلك الأشكال الجديدة من الإرهاب التي ولدت مؤخراً، وذلك كون هذا الشكل من الإرهاب ينتشر بشكل سريع. المحاولة الأخيرة لوضع عبوة ناسفة على سكة الحديد في الشمال مؤشر واضح على ما ينتظرنا: إرهاب من اتجاهات جديدة.
بقلم: أفرايم غانور
معاريف 28/9/2022