كثيرة هي المواقع الأثرية المختلفة داخل قطاع غزة من مساجد وأسواق وقلاع وبيوت أثرية، ولكن غالبية كبيرة من هذه المواقع لا يعرفها المواطنون، نظراً لوجودها في مناطق بعيدة أو في أزقة ضيقة داخل أحياء مدينة غزة. وفي خطوة لتسهيل وصول المواطنين إلى تلك الأماكن، والحفاظ على عراقة هذه الأماكن من الاندثار، بذل الباحث في علم الآثار محمد أبو ركبة جهد في توثيق معالم أثرية عريقة قديمة في مناطق متفرقة من غزة، في دليل إرشادي خاص بالسياحة الداخلية، يضم في ورقاته 40 معلما أثريا من العهد الكنعاني والبيزنطي والروماني والفرعوني.
وتمتلك غزة كنزاً كبيراً من الآثار التاريخية، ولولا الحصار المفروض لجذبت تلك المناطق أعداداً هائلة من السياح، حيث يوجد في القطاع أكثر من 50 موقعاً أثرياً وفق وزارة السياحة والآثار، ولكن وفق تصنيف اليونسكو هناك 300 موقع أثري ضمن سجلات المنظمة، بينها 40 مسجداً و22 مبنى وعدد من المعالم الدينية المسيحية، منها دير القديس هيلاريون الذي يصنف على قائمة التراث العالمي بأنه أول دير في التاريخ المسيحي، وهذه الآثار جميعها تحكي جانباً هاماً من التاريخ، ويضم الدليل الأماكن الأثرية التي تحمل طابعاً تاريخياً للحضارات التي تعاقبت على المدينة، وتركت خلفها بصمات دلت على وجودها في هذه الأرض لفترة من الزمن.
ويفصح الدليل الذي أعده أبو ركبة، عن أسرار المناطق الأثرية المهجورة، والتي تشهد اقبالا ضعيفا من قبل السياح سواء المقيمين أو من الخارج، بفعل غياب التعريف بتلك المناطق العريقة، حيث يفرد الدليل مساحة مفصلة عن تاريخ المواقع الأثرية بشقيها الإسلامي والمسيحي، ويوثق جزءاً من الحضارة الكنعانية والبيزنطية والرومانية.
ويقول الباحث محمد أبو ركبة إن الدليل التي تم إنجازه على مدار شهرين ونصف، تم من خلاله إجراء جولات على المواقع الأثرية وتصويرها بصور واضحة، والتأكد من المعلومات التي تم تجميعها من أصحاب الاختصاص من الخبراء الأكثر دراية بتلك المواقع، لينتقل في نهاية المطاف إلى التصميم والتعديل والطباعة تجهيزاً لنشره.
وأشار لـ«القدس العربي» إلى أن أبرز المعالم الذي ضمها الدليل السياحي، مضى على عمرها أكثر من 500 عام، ومنها حمام السمرا وسوق القيسارية وقصر الباشا والمسجد العمري الكبير ومقبرة الإنكليز ودير القديس هيلاريون، والعديد من البيوت الأثرية العريقة ومنها بيت السقا والوحيدي، وعدد آخر من الكنائس المسيحية المهجورة، وجميعها تقع في غزة القديمة شرق القطاع.
ولفت إلى أن الدليل يحتوي على صور لكل معلم أثري، إلى جانب توضيح بعض المعلومات العامة عنه، كما يبرز تاريخ إنشاء كل معلم أثري وزخارفه ونقوشه، لتشجيع المواطنين على زيارة تلك الأماكن، والاستمتاع بزواياها الخلابة وطريقة تشييدها، إضافة إلى حفظها للأجيال القادمة، كي يكون ركيزة ومرجعية في حال تعرضت بعض هذه الآثار للهدم أو التجريف أو إعادة الترميم.
وحول العمل الشاق الذي قام به أبو ركبة، بين أنه جهد شخصي من دون دعم أو مقابل مادي من أي جهة رسمية أو حكومية، وهذا جاء من حرص الباحث على إبراز المعالم الأثرية الموجودة في غزة، والتي لا تجد من يهتم بها، نتيجة قلة الامكانيات والظروف المعيشية الصعبة.
وأكد خبير التنقيب عن الآثار فضل العطل أن قطاع غزة يمتلك كنزاً كبيراً من الآثار والمواقع الأثرية العريقة، والتي لا يوجد مثيل لها في عالمنا العربي والإسلامي، كون أن فلسطين وبالتحديد غزة تعاقبت عليها الحضارات وتركت آثاراً ثمينة مضى على عمرها مئات السنين، وهناك الكثير من سكان غزة لا يعرفون أن هناك مناطق أثرية عديدة تضم ثروة هائلة من الآثار التاريخية.
وبين لـ«القدس العربي» أن الحروب والأوضاع المعيشية السيئة في غزة انعكست على الواقع سلباً، نتيجة انشغال المواطنين بهمومهم الشخصية، وتركيزهم على فرص الحصول على لقمة العيش، إضافة إلى تقييد إسرائيل السياحة الخارجية لغزة، من خلال منع وصول السياح الأجانب لزيارة المناطق الأثرية داخل القطاع، وهذا بالتأكيد أدى إلى تراجع قيمة هذه المواقع.
وأوضح أن قطاع غزة عبارة عن متحف مكشوف للآثار، فالمواقع تحكي لنا التاريخ وبدونها لا يمكن معرفة أي حدث تاريخي، أو التعرف على الشخصيات التاريخية والحفاظ عليها من الضياع والاندثار، في حين يعتبر إصدار الدليل الأثري، أحد أساليب تعزيز التشبث بهذه الأرض، من خلال نشر الوعي المجتمعي والمعرفي عن غزة وإرثها وقيمها الحضارية، التي تدحض المزاعم الصهيونية وتفشل محاولات الاحتلال لطمس الهوية الفلسطينية، وتثبت أحقية الشعب الفلسطيني بأرضه ومقدساته.
وتحتاج غزة لمن يساعدها في التنقيب عن الآثار فهي متأخرة إلى حد كبير، فالخرائط تؤكد أن غزة مبنية فوق مدن أثرية وكنوز ضخمة، ولكن هناك عدة أمور أدت إلى طمس الكثير من هذه الآثار والمواقع، وأبرزها الزحف العمراني الكبير في غزة والذي يعد من أبرز الأسباب التي أخفت الآثار تحتها.