راشانا تنعم بالمنحوتات المدهشة مع افتتاح محترف جديد
بيروت ـ «القدس العربي»: كان أناشار بصبوص مبتهجاً بداخله وهو يروي كيف صارت له مساحته الخاصة في بلدة البصابصة-راشانا، التي تبدو متحفاً موزعاً في الهواء الطلق كيفما توجه النظر. ثلاثة من آل بصبوص إحترفوا النحت فدخلوا التاريخ وأدخلوا بلدتهم من بين أهم المواقع الجديرة بالزيارة.
أناشار بصبوص عاش دون شك عبئ نجاح الأهل، رغم فرادته منذ صنع عمله الأول في عمر العشر سنوات، متميزاً بالتشقيف والتركيب. في راشانا بات لأناشار مكانه الخاص والدائم، وفيه حوالي 50 منحوتة أنجزها في زمن امتدّ بين 2017 و2022. رغم رحيل أعمال كثيرة له في البحر لتصل إلى طالبيها، ورغم فرادته في تطويع المعادن وتليين حركتها، يشد أناشار مكابحه ولا يوافق السائل على تقدير المكان أو وصفه بالمتحف «يمكن بكير بعد؟» يقول بهدوء الواثق وغير العجول. هو محترف كما يراه.
تلك المساحة العابقة بالفن تستحق تسمية المتحف من دون شك. إنها تنتمي إلى مكان اسمه راشانا سبق وأطلقت عليه منظمة اليونيسكو سنة 1997 «قرية عالمية للنحت في الهواء الطلق». مرّت سنوات قبل انضمام أناشار إلى والده الراحل ميشال، وعميه ألفرد ويوسف بصبوص في إنجاز المنحوتات المنتشرة في القرية. لكنه أدرك ضرورة أن تكون له مساحته الجديدة والخاصة التي تعبّر عنه. فالمساحات المتوافرة امتلأت. والمساحة الخاصة به نادته. حقق أناشار انتصاره الأول متقدماً على هذا الدرب حين كان قد ابتاع قطعة أرض أمام منزله في راشانا، وبمواجهة البحر.
تتميز هذه الأرض بعنصرين، يطبعان القرى اللبنانية بشكل عام. الميزة الأولى تكمن في المساحة المسطّحة والتي كانت تُعرف باسم «البيدر». وفيها كانت تُجمع سنابل القمح استعداداً لدرسها عبر دوسها بالنورج الخشبي. كان الفلاّح أو المزارع يجلس على النورج مشكلاً ثقلاً ضاغطاً، ويجره اثنان من الأبقار أو الدواب. وعلى هذا البيدر كانت تتم حركة دائرية للنورج فيفصل القمح عن القش الذي يتحول إلى علف للحيوانات. تلك المساحة المسطحة مكشوفة وتهب فيها الريح فتتحول لعامل طبيعي مساعد في فصل بذور القمح والشوفان عن القش. أما العنصر الثاني المميّز في تلك الأرض يتمثل بالـ»رجمة». وهي تلة كبيرة تتكون من الحجارة الصغيرة المرصوصة بعضها فوق الآخر. وهي حجارة جمعت من الجلول لتصبح حراثتها وزرعها أكثر يسراً. الانتصار الثاني الذي حققه أناشار بصبوص كان على المصارف اللبنانية، حيث تمكن من استرجاع بعض ماله فيها في بدايات الأزمة بشك مصرفي كان يرضى به التجار بأقل قدر من العمولة. وبهذا المال تمكن من شراء حاجته من الترابة الكثيرة التي استهلكها تشييد البناء. لكنه يعترف بأنه دفع ثمن الحديد غالياً. لكن أعماله المدهشة تنسي المتاعب جميعها.
في محترف أناشار بصبوص كان معه هذا الحوار:
○ كيف توصّلت إلى صيغة هذا المكان وشكله النهائي؟
• بعد حوار ونقاش توصلت مع المهندس المعماري جودت عرنوق إلى فكرة بناء كتلة أسمنتية خام ومتراصة. كتلة مثبّتة على الأرض من جانبها الشرقي. ثم ترتفع من جهتها الغربية المطلة على البحر. يتوزع المبنى إلى ثلاثة أقسام متميزة. إنه السقف الذي بُني ليتشابه مع طريق القرية، ويسهل الوصول إليه من الجانب الشرقي. ويمكن مشاهدة المنحوتات الضخمة في الصالة التي تحتوي على نوافذ كبيرة، كاشفة لجهتي الشمال كون النور هو الأكثر ملاءمة. وكذلك هي كاشفة من جهة الغرب. ومن هذه الزاوية، يمكن رؤية كل من الحديقة و«الرجمة».
○ ما هو التحدي الأصعب الذي واجهته خلال تشييد هذه المساحة؟
• تمثّل الجانب الأصعب بتصميم مساحة تشكل امتدادا لراشانا، على نحو يجعلها متناغمة مع أشجار الزيتون والرجمة والبيدر. وبما ان المنحوتات قد تتأثر سلبا لدى نقلها من مكان إلى آخر بسبب تغيّر عنصري الضوء والفضاء، يبقى الشيء الأكثر أهمية ابتكار مساحة، تنسجم مع بيئتها وتصلح أيضا لتكون مكانا يحتضن منحوتاتي ويقدم لها نقطة تحول.
○ لنتعرّف إلى منحوتاتك ومما صُنعت؟
• في هذا المكان الذي يمتد على 1400 متر مربع حوالي 50 منحوتة سينضمّ إليها لاحقاً منحوتات لميشال بصبوص بحيث تأخذ المكان الأكثر ملاءمة لها. صنعت أعمالي من مواد مختلفة منها الكورتين المقاوم للصدأ والذي تُصنع منه الجسور. وكذلك استعملت الألومينيوم، والرخام، والخشب، والبازلت والإسمنت.
○ تتنوع المواد التي تُصنع منها منحوتاتك ويبقى للمعدن غلبته لماذا؟
• يعتمد عملي على كوني «اُعمِّر» منحوتتي أكثر من كوني أنحتها. ويظهر في عدد من أعمالي ميلي للهندسة كمثل استعمال الموزاييك، والفسيفساء والتركيب.
○ كيف تبني منحوتتك بعد وضوح الفكرة في مخيلتك؟
• بعد تكوين الفكرة تبدأ عملية الخلق والتأليف من خلال رسم صغير، ومن ثم تكوين ماكيت للمنحوتة تمكنني من ضبط عملية التوازن الدقيقة جداً. أعمالي لا تحاكي الإدراك، بل الإحساس. وكافة ما أنجزه من منحوتات يختزن ريتماً موسيقياً. إنها موسيقى نلمسها بالعين وتتسلل إلى الإحساس.
○ تعرف متى يبدأ عملك على المنحوتة فهل تعرف متى تنتهي؟
• بما أني لا أملك ترف العفوية، خصوصا عندما أنكب على العمل على مشاريع مهمة وطموحة، أعتمد دوما آلية شاملة من التخطيط المسبق والدقيق قبل مباشرة العمل على تنفيذ أي قطعة جديدة. وهذا يعود بالدرجة الأولى إلى كوني أمتلك رسالة أريد إيصالها. وفيما أستعّد لمشاركتها، أسمح لنفسي بالإستماع إلى صوتي الداخلي الذي تقول لي «لقد أنجز».
○ كيف أثرت تجاربك في أسلوبك الفني؟
• يستحيل معرفة متى تحديداً يحدث الإلهام وأين. قد ينجم عن جمال الطبيعة وسكونها، عن هدوء طفل نائم، أو الألوان التي تتكثّف عند غروب الشمس. أي تجربة يمكنها أن تشكل مصدر إبداع للفنان. إنما كوني ولدت في راشانا، القرية التي تعجّ بالفن، وعشت وسط عائلة تصنع الفن، فهما عاملان مهمان في نجاحي. يُضاف إلى ذلك ان الأعمال الفنية التي أنتجتها عائلتي، ساهمت في تحفيزي للمضي قدما. إذاً بالنسبة لي، كانت القطع الفنية كالألعاب، يمكنني الاستمتاع بمشاهدتها وإعادة ترتيبها بطرق مختلفة. ولوالدتي أيضا دور مهم في توسيع مصادر الإلهام، إذ انها طّورت في بيتنا مكتبة، تحتوي على مجموعة واسعة من الكتب التي تركز على الجانبين الإبداعي وأشكال الفن المختلفة. ورغم أن والدي كانا القوة الأكثر تأثيرا في حياتي، يبقى الوقت الذي أمضيته في باريس مصدراً مهما في تعزيز الجانبين الإبداعي والعملي في حياتي.
○ ماذا تقول عن الإلهام وكيف يبدأ وميضه لديك؟
• يصعب اختصار الإلهام في عمل فني بعنصر واحد. لكن هناك العديد من العوامل التي تتضافر لتؤثر في الموضوع والأسلوب المعتمدين. أجد الأفكار عبر مراقبة العالم من حولي وخصوصا الطبيعة المليئة بكل تلك التفاصيل الصغيرة، كالمعادن والنباتات والمناظر المفعمة بالأشكال والألوان، والملمس التي تبث روح الإلهام. بالإضافة إلى ذلك، شأني شأن العديد من المبدعين الآخرين، أجد الإلهام في تأمل أعمال لفنانين أحترمهم سواء لدى زيارتي لمعارض، أو عروض أو صالات عرض. كشخص مبتكر، تبقى الطريق الأمثل لتوالد الأفكار هي درس أعمال الآخرين.
○ إلى من تتوجه بأعمالك هذه؟
• أتابع مدرسة ميشال بصبوص وأخويه. وهم كانوا مؤمنين بأن الفن معطى مناسب لكافة فئات الناس. فقد يفاجئني شخص عادي وهو ينظر إلى منحوتة ويقول فيها ما لم يره ناقد. لقد قدّم ميشال بصبوص أعمالاً بهدف تقريب الجمهور منه. وهي تختلف عن أعماله المجرّدة.
○ أين أناشار من أسلوب عمل والده ميشال بصبوص؟
• يختلف أسلوب والدي عن أسلوبي. لقد اشتغلت 10 سنوات متواصلة مع معدن الألومنيوم الصب. سألت نفسي لماذا؟ ومنذ ذلك الحين بدأت التفكير والعمل بالتشقيف وإعادة التركيب. بعد أن «هلكني» أرث الأهل، وجدت نفسي مهتماً أكثر بالتشقيف وإعادة التركيب.
○ لماذا قررت وضع هذه المنحوتة الصغيرة الحجم قريباً من الزاوية المخصصة لوالديك؟
• هذه المنحوتة أنجزتها وأنا بعمر 10 سنوات. إنها قطعة عمادها التشقيف وإعادة التركيب كما هو واضح. إذاً كان هذا الميل الفني المختلف عن أعمال والدي وأخويه موجودا عندي منذ الطفولة. إنه زمن سينوغرافي.
○ ولماذا أخترت هذه المنحوتة البرونزية من أعمال ميشال في الركن المخصص لوالديك؟
• لأنها تمثل ثنائي رجل وإمرأة. وهي منحوتة برونزية تعود للعام 1954.
○ يمكن القول أن المتحف مكون من ثلاث طبقات مع احتساب السطح؟
• كما هي فكرة آل بصبوص في إنشاء متحف مفتوح للجميع في راشانا وبدءاً من الطريق، رغبت بأن يكون السطح معرض منفتح على جميع الناس. إنها المعادلة نفسها التي اعتمدها والدي وأخويه.
○ ماذا تقول وأنت في هذا الركن المضاء من أعلى والذي خصصته لوالديك؟
• أقول بأنهما كائنان وهباني كلّ شيء، صنعاني، والأهم من كل ذلك أحباني بشكل رهيب.
○ هل من عمل في متحفك هذا يبعث فيك السرور أكثر من سواه؟
• لدى مقارنة الأعمال الفنية، يبدو الأمر وكأنك تقارن عاطفتك بالعاطفة التي تبديها لأطفالك. هذه القطع الفنية هي نسلي. فالشيء الذي تبتكره، تماماً كمثل عمل يقدمه أي فنان آخر، يصبح في النهاية طفلك، وأنت المسؤول عنه. لهذا السبب، قد يصعب تصنيف منحوتة لمجرد مقارنتها بأخرى. كل قطعة فنية فريدة، وأعشقها ويجمعني بها ارتباط معين. أما السبب الذي يجعلني دائماً أحب أعمالي الأخيرة وأقدرها فهو أنها تتطلع دوما إلى المستقبل وتحاكي الأعمال الفنية التي سيتم ابتكارها في المستقبل.