سلام أحمد إدريسو
لعل في اختيار الشاعر سلام أحمد إدريسو، النص الذي يستغرق الكتاب بأكمله، في ديوانه الموسوم بـ»طير خِماص»، ما يشي برغبة هذا الرجل، في اجتراح أفق شعري جديد، يضعُ هذه التجربة في سياق شرطها الحداثي. هذا التوقُّدُ والتوهجُ، سيتكاثرُ باطّراد ملحوظ، في إضمامته الأخيرة التي جاءت تحت عنوان «أسميه حجرا غير أليف».
ثمة أفقٌ شعري جديد، يتبدّى عند هذا الشاعر؛ وعطفا على ذلك، ثمة رغبةٌ قوية لديه، تغتنم فرصة الانتماء إلى الكتابة، كواحدةٍ من أهم اشتراطات الحداثة، بدءا بميثاق التجنيس، إذ نلفيه لا يتردد في كتابة كلمتيْ: «نص ثم نصوص» على غلاف المجموعتين، بدل قصائد أو ديوان… وذلك بقصد ماكر ـ في ما أعتقد ـ مُنبثق من مشروع الكتابة، كما تصوره الفرنسي فيليب سوليرز، في كتابه الرائد «الكتابة وتجربة الحدود».
وإذن ثمة، في هذين العملين، نداءاتٌ تُحفز اليد الكاتبة، من خارج الوعي الشفاهي لقصيدة الطلل، تلك التي دأبت الشعرية العربية على تحصينها وتقديسها. نداءاتٌ تزج بالجسد الكاتبِ، خارج أسوار الألفة والعادة، اتجاه المجهول، حيث يحيا الشعر في أديم زمنه الخاص، كما لوح بذلك الشاعر الفرنسي رامبو ذات مرة، ومن ثم، فإن الشعر في خزانة الشاعر سلام أحمد إدريسو، أخذ يعني المعنى نفسه الذي تبناه رينيه شار حين اعتبر الكتابة الشعرية كشفا دائما «عن عالم يظل أبدا في حاجة إلى الكشف».
أعرف جيدا، قراءةً ومتابعةً، أن سلام أحمد إدريسو، يكتب شعرا مختلفا، أو على الأقل يسعى إلى ذلك؛ وأعرف كذلك، أنه يأبى إلا أن يكتب بالمعرفة شعره، لكأني به يطمح إلى تأسيس تجربة مختلفة عما هو متداول بين أقرانه من الشعراء، على الرغم من أنه ظل حبيس شعرية القصيد، لكن ما أدهشني حقا، هو وعيُه الكبير بالصفحة وما تمنحه من دوال لم تكن مدرجة في سياق عادات شعرية المعيار.. دوال قادرة على خلق حوار صامت وصائت في ما بينها.
التفكير تخييليا
إن التفكير بالشعر هو اختراقٌ لحقول المعرفة، وإنتاجٌ للقلق المعرفي إزاء كل الأشياء المحيطة بنا. والشعر، في هذه الحالة، هو تخييلي «لا بمعنى أنه يصدر عن الخيال الحسي ـ النفسي، بل بالمعنى الصوفي كما يتجلى، خصوصا، في النص النفري». (أدونيس) والشاعر سلام أحمد إدريسو، لا يتحرّج في تبنِّي هذا المذهب، إذ يذهبُ في طروحاته وتصوراته للشعر ـ في كتبه التأملية – إلى تقويض المسافة بين الشعرية والفكر، في أفق التنظير لشعرية حدودية، قد تبدو للقارئ البسيط مزعجةً، لكنها تضمن للشعر عظمته. إن الشعر، بالنسبة لهذا الشاعر، سياحةٌ في المسافات والملكوت المُقاسةُ بمدى قدرتها على استيلاد الممكن والمستحيل.. لم لا.. لأن هذا المارد الغامض ـ أقصد الشعر ـ هو «ما يسمح للشاعر بالسياحة في النائيات» كما يقول في كتابه «وردة التأويل»، لكن كيف السبيل إلى هذا السلسبيل؟
يُجيبُنا سلام أحمد إدريسو قائلا: «القصيدةُ التي أفكر فيها لا تكتمل بطبيعتها لأنها تظل صامدة بطعم المستقبل». ثم يضيف «القصيدة شخصية معنوية احتمالية التكوين. ولهذا يعتبرها أهل العلم بالشعر مصدرا من مصادر المعرفة، لأن القصيدة كالفيلسوف يمارس تفكيره الخاص والمغاير في أشياء العالم وعلاقاته. «لكن وجب التنبيه هنا إلى أن الشاعر سلام إدريسو سقط، بشكل غير مفهوم، في فخ «شعرية القصيد» التي هي شعرية معيار بامتياز، وهذا عطب من شأنه أن يفسد الطموح الذي يسعى إليه. وإننا نعتبر كتاب «وردة التأويل»، لهذا الشاعر والناقد، خصوصا في قسمه الأول، محاولة نحو تأسيس نظرية مغايرة في الشعر.. نظرية تجد سندها في مشروع الكتابة كما تجلى عند فيليب سوليرز وموريس بلانشو، وكذا في النقد الأدبي المستقوي بنظريات ما بعد الحداثة.
وبالعودة إلى التصورات السالفة، بخصوص الشعر، فإننا نقول: إنه على الرُّغم من أن سلام أحمد إدريسو، يبدو متقدما جدا، من جهة دفعِهِ بالشعر نحو المضايق، بتعبير أبي نواس، وإلى حدوده وتخومه، حيث أراضي الشعر تنْعمُ بعذريتها، إلا أنه ظلّ حريصا على مصطلح «القصيدة»، كما أشرت سابقا. وحينما أردد عبارة «شعرية القصيد» فأنا أقصد بها شعرية المعيار، أصل الفداحة التي جعلت الشعرية العربية رهينة مطبّاتها. قد يكون لمصطلح التسمية هذا، خلفيةٌ من خلفيات التقيّة، ربما؛ لكن هذا ليس مبررا معقولا خصوصا وأن الشاعر يريد فتح أفق شعري مغاير.
في ديوانه الأخير «أسميه حجرا غير أليف»، لا يواجه الشاعر سلام أحمد إدريسو صفحته تحت هاجس المغايرة، وباعتبارها كذلك شرطا للحداثة الكتابية.
في استراتيجية النص الممتد
بديهيٌّ جدا، أن يكون للنص الممتد شعريتُهُ الخاصة، ما يجعله مقروءاً، بالاعتماد على قرائن خاصة، على الرُّغم منْ نَفَسِهِ الفحولي، واستطراداته المُتعبة، التي قد تبدو للبعض، غيرَ ذات أهمية؛ فقط لأنه كُتِب بوعيِ مكين بشرطه الشعري. والامتدادُ هذا، ليس من شك، أنه يوازيه امتدادٌ آخرَ، رؤياويٌ هذه المرة وتصويريٌّ كذلك، يتماديان في السياق العلائقي للنص بأكمله، المرتهنِ بعلائقَ تفاعلية بين عناصر النص، في نسق واحدٍ ومنسجمٍ، يشي بمدى التضافرٍ الكلي للعمل. ولعل القارئ لنص/ ديوان «طيرٌ خِماصٌ»، سيستشعر هذا التلذُّذ أثناء القراءة، لأن النص، أصلا، كُتب بتلذذ أيضا. ثمة في هذا الديوان، وعيٌ بالكتابة، إن على المستوى الرؤياوي، أو على المستوى النصي، أو على مستوى الصفحة. إن الرؤيا المتفاعلة في الطبقات السفلى لهذا الديوان/النص، تنمو بكثير من الاحتيال على الذاكرة، من أجل ترميم كينونة مضاعفة، كينونةٍ مُنبثقة من خطاب سير ذاتي شعري، آثرت وسمه بـ«تخييلٍ ذاتي»، وهو لحسن الحظ ما يخفف من غنائية «شعرية القصيد».
في مسألة التجنيس
إن في اختيار عبارة (نص)، على ظهر غلاف ديوان «طير خماص»، ولفظ (نصوص) على ظهر غلاف «أسميه، حجرا غير أليف»، ينبئُ باستراتيجية كتابية غير أليفة، يتبناها الشاعر، وتتمثل في إيمانه بأن حصر الشعر في مجردِ ما تهندمتْ به الشعرية العربية، من هندام العرف الطللي، أقصد القصيدة الجاهلية، لم يعد يعنيه، وأن الشعر هو مقترحات وممكنات لا حصر ولا حدَّ لها، وأن الكتابة الآن، وقد أضحت رهْن اشتعال تخومها، لم تعُدْ تعبأُ بالحدود بين الأجناس الأدبية المتعارف عليها، إذ لم يعد هناك كتابٌ ينتمي إلى جنسٍ محدد.
والحق أن سلام أحمد إدريسو، من خلال تنصيصه على هذا الميثاق، منذ صفحة الغلاف، قد سعى مبكرا إلى خلخلة أفق انتظار القارئ، من أجل تهييئه نفسيا، لمواجهة آثام الكتابة ومثالِبِها بين دفتي هذين العملين. لكن هذا الميثاق، للأسف، لا تبدو له مصداقية أو قيمة فنية، خصوصا عندما نجد الشاعر ينطلق من وعي شعري معياري، هو وعي القصيدة الطللية التي تحكمت قرونا طويلة في الشعرية العربية.
بين شعرية الحبر ودينامية الصفحة
في ديوانه الأخير «أسميه حجرا غير أليف»، لا يواجه الشاعر سلام أحمد إدريسو صفحته تحت هاجس المغايرة، وباعتبارها كذلك شرطا للحداثة الكتابية. يدٌ مرتعشة تزج بجسد الصفحة في مغامرة قول ما لا ينقال، فكل صفحة في الديوان، هي عبارة عن كلمات منذورة لنداء الشعر.. نداء الوجود. فمن شعرية الامتلاء، إلى شعرية البياض والفراغات بتعبير «إيزر»، وإلى ما يمكن تسميته بشعرية التقطيع العمودي، ثم الكتابة القرآنية، وشعرية الغرافيك، وموتيفات علامات الترقيم، وغيرها من الدوال الخطية التي ترتسمُ النص في الديوان، وتحدد مصيره، لكن هل كل هذا يكفي لتأسيس وعي شعري جديد أو ما سميته في العنوان بنداء الشعر؟
شاعر وناقد مغربي