مخلوقات التونسي عدنان الحاج ساسي العجيبة

أقول وأنا أكتشف عالم عدنان الحاج ساسي الرسام والجامعي التونسي، وقد وسم معرضه بـ»التجلي»، حيث الزوج القائم في كل لوحة، قد لا يكون أكثر من جدلية العين واليد، إن هذا هو عالم الشعر أيضا. مع أن لكل من الشعر والرسم لغته، ولكل عالمه المميز. فكيف لهما إذن أن ينضما ويندمجا؟ فإذا سوغنا أن هذا بإمكانهما، فأين موقعه: عمل الشاعر أم عمل الرسام؟ بل هل يمكن أن نعقد حوارا بين هذين الفنين؟ وهذا عالم جديد حيث الفن (بألف التاج) ليس سوى كيانٍ واحد لا يتجزأ.
يبني عدنان الصورة وهو يستخدم «الدخلة» ويحفز ذاكرة اليد، والعين المشحونة بالصور، في نوع من مزج الألوان وتخليطها، صانعا منها لونه هو أي» لون اللون»؛ حتى ليقعن في الظن أنه يفعل ذلك قاصدا متقصدا. على أنه كما أسر لي، يحكم التمييز بين الصدفة والاعتباطية، وبين التصوير والرسم؛ ويجعل من النسيج مادة، وهو ينطبع على اليد «الخالقة» أو «الصانعة». في لوحاته لا مبادرة إلا لليد، اليد التي تنظر وتتكلم وتسمع. لأقل هي «يدُ اليد» أي محصلة «جارحة» أخرى غير تلك التي يستخدمها الرسام في واقعه أو مجتمعه. فثمة مسافة بينه وبين لوحته، أو لأقل إن اللوحة هي التي تأتيه؛ أو هو في حالة حلم فاعل، إذ يترك للمتخيل أن يفعل فعله في المادة التي تعالجها الذات، وهي وجوه وأجسام، بشر وحيوان تتدافع وتتجاذب، أو هي تنفي ذاتها في فعل خلقها؛ أو تتكلم على إثر ما تقوله اللغة بصوت خفيض أو بصمت أقل. لكأني وأنا أتملى لوحاته أتملى الميناء في ساعات الصباح الأولى. أرى مراكب وزوارق صغيرة بألوان رمادية مبلولة. أقول هي «هنا» مثلما هي «هناك» مثلما هي «هنالك». أعني إذا استنرْتُ بلغة المعاصرين «وجودها في الكون» و»وجودها في كونها الخاص». ذلك هو بيت الرسم الذي تسكن فيه الشعرية، وتسكن إليه. لكأني أنظر إلى صورتي في المرآة وأتملاها وهي تنظر إليّ ولا تراني. مزيج من شفيف العين وعتمتها، وحركة اليد وفكرها. وليس المقصود بهذا أن يبلغ الرسام بالصورة شكلا من التماثل، أو المحاكاة وإنما العثور على منطقة تتجاور فيها الأشياء أو يتلبس بعضها ببعض.

أقول إن اللوحة عنده سيرورة، أي هي على غرابتها محط في محاط الرسم في تونس؛ وليست انقطاعا في سيرورته. ومثلما لا تتجلى الأبدية إلا ضمن الصيرورة – بعبارة أهل الفلسفة – ولا يتبدى مشهد طبيعي، إلا ضمن الحركة، فإن اللوحة عنده لا تتجلى إلا في علاقتها بسابقتها ولاحقتها في سياق سردية أو حكائية لا تخطئها العين. وهي من ثمة أشبه ما تكون بـ»النبتة في البذرة». ولنلاحظ جيدا كيف أن غير المألوف لنا يغدو مألوفا في تجربة هذا الفنان المبدع المثقف، وكيف أن المألوف يغدو غير مألوف لنا. لعلها سيريالية من نوع خاص أو من أثر ثقافة الرسام في لعبة تشكيل الفضاء والأشكال، حيث سيرورة اللوحة لا تملي على المادة المعيش شكلا بعينه؛ يتكرر في كل صورة من هذه الصور «العجيبة» بل هي أشكال عديمة الملامح أو هي أشكال سحرية، بل إن كل لوحة تنطوي على تركيبة انفلات تجعلها تتوارى حتى على تشكلها الخاص. وليس لنا من تفسير لهذه السيرورة – الصيرورة، سوى لعبة المادة واللطخة، كما هو الشأن عند هنري ميشو؛ أو ربما هو الشغف بالوجوه؛ وما كان الرسام يخافه ويخشاه ويفزعه وهو طفل؛ كما أسر لي. وهذا ما أسميه إيقاع الرسم، وتحديدا إيقاع الصورة من حيث هو حادث يقع في الأثر وبه، وليس محاكاة، ولا هو زمن مجسّدُ موضعٍ أو متحيز منحصر في موضع من اللوحة بعينه، حتى يمكن القول إنه يتكرر أو يتعاود؛ ومن ثم يتسنى لنا إدراكه، بل لعل الأصوب أن نقول إنه ينضوي إلى إحساس يسبق فعل الإدراك، ومن هذا المأتى ذهب بعض المعاصرين إلى أن «الفن هو حقيقة المحسوس، لأن الإيقاع هو حقيقة الإحساس».
أقول إن الحوار في هذه اللوحات ليس إلا الحوار المعقود بين الشاعر والرسام، حيث الثاني «يجري بعض الضوء» في لوحته؛ والأول يماثله بـ»حقيقة» ما. والأمر هنا أقرب إلى نوع من التمثل ينهض به الفكر كشفا عن التشابه القائم بين الظواهر المتماثلة، أو الانتقال من المختلف إلى المشابه، وإذْ أسأله «كيف تفعل عدنان؟» يجيب الرسام «باللمس» وهو طريقة رسم اللون المقصود على اللوحة. وبواسطة الريشة تنبثق الحقيقة من الملموس. ولكن الشاعر في (كما تعلمت من رونيه شار) منصرف إلى ناحية أخرى، إلى نكهة العمل الفني؛ وهو يدرك أن الدوافع تستثير العين التي ترصدها، وهي تقهرها في الآن ذاته. ومع ذلك تستبد بي الرغبة في أن أفهم كيف يخلق الرسام وينشئ هذا الشيء الحي الحقيقي، والغريب أو العجيب في آن. وربما لا جواب سوى التطلع إلى ظلمة الأشياء السحيقة، واستثارة رغبتها في الضوء، وفي استطلاع الظل. وقد تكون هذه العبارات ذات شعرية عالية، ولكننا نتقبلها، فالمقام في السياق الذي أنا فيه، مقام اتحاد بين القصيدة واللوحة، بين الشاعر والرسام؛ أو أن هذا ذاك، وذاك هذا؛ أو هي خبرة ذاتية، أو هي صورة أخرى لما قاله بول كلي في زيارته إلى القيروان عام 1914 وكان مأخوذا بألوانها: «أنا واللون شيء واحد، أنا رسام». فليس بالمستغرب إذن أن تتسرب لغة الشاعر إلى كلام الرسام، وتتلبس به. يفعل عدنان ما يفعله الرسام الحديث، وهو يعقد حبا جديدا، مصدره كائنات لا تزال حتى الآن مختلفة. وهذا مسعى الشاعر مثلما هو مسعى الرسام، حيث التنافذ بينهما أو التأثير المتبادل يتم من غير تصنع، وأن كل شيء يمتثل سَلِسا للرسام وكأنه ينصاع لوحي الوجدان؛ ويتقبل كل ما يقوله. ومع ذلك فإن الرسام يضع كل شيء موضعا محكما؛ أو هو أن عمله إفراط محسوب من جهة وحسن تدبير من جهة أخرى، ولعبة أضواء وخطوط وظلال، وإحساس مرهف، بل «فادح» بنسيج الورقة، و«الثيمة» أو الغرض الذي يتغير حسب حالات الرسام ومزاجه، والأدوات التي هي مصدر إلهامه أو «صنعته» و»أقنعته»؛ وهو الذي لا يتردد في استخدام ريشتين في آن.

أقول إن الحرية هي التي تتجلى في كل موضع من لوحاته.. «الحرية هي الدليل الأصلي لكل فن أو هي «أم الفنون»، وأن الشاعر هو الذي يرسم ويصور، بيد هذا الرسام؛ أو هو يعير الرسام يده. وقد نستخلص من ذلك أن للاثنين رؤية متجانسة للعالم، أو أن لهما الهدف نفسه، خاصة أن كلا منهما يسمع في الآخر رجع صداه، في ما يشبه الترديد في الموسيقى. وليس بالمستغرب أن نلحق الرسم بالشعر، والعين بالصوت؛ وهما اللذان يتحدران من أرومة واحدة هي الكتابة (الخط)، بل يمكن القول إنهما ينضويان إلى جنس واحد، ويومئان إلى ارتباط متين بين الكلمة والعين. ومع ذلك يبقى السؤال قائما، فإذا كانت الأعمال الفنية من شعر ورسم، تتمثل الشيء نفسه؛ أفلا يعني ذلك أن كلا منهما يتمخض عن قرينه، وأن بميسورنا أن نستخدم أيا منهما لتفسير الآخر؟ ومن ثمة نتعلم شيئا فشيئا اللغة المشتركة التي ابتكراها. لأقل بلسان رونيه شار إنه ليس ثمة سر بين الحياة الحقيقية والأشياء التي تكونها. إنما هناك أكثر من غياب طبيعي، ومن رفض، ومن سر؛ نحن لا ندرك للوهلة الأولى، ما ينطوي عليه من فكر ثاقب. فليس بالمستغرب إذن أن نرى في القصيدة صورة من «حجرِ رشيد»، إذ هي تفسر لوحات الرسام؛ والعكس بالعكس، أو أن نرى في هذه وفي تلك ما ينقص الأخضر ليكون شجرة؛ حيث الحياة محكومة بحرية لا حد لها ولا راد. وكانت مجلة «كراسات الفن» عام 1951 خير من تمثل هذا الاتحاد بين الرسم والشعر، حتى أن شار لم يجد بدا من الاعتذار لبراك، ويقول له: «عزيزي براك أعتذر لك، لأني بلا شك أسأت سرقتك، أو سرقتك بشطط. آثارك كل مكتمل، وما يوافقني أمامها، هو الفرحة، والانفعال أو بعبارة أدق صمت الابتهاج الداخلي؛ ذاك الذي تؤاخذه العيون خفية. ولكن في اختتامي لها، انبثق لي صوت الفصال (أداة تفصل بين قسمين)… لوحة الشاعر، هي ذي كلمات، وسطور هي لها بالمناسبة. على أنك تتحمل بعض المسؤولية، لوحة الرسام، تغدو لوحة الشاعر». بل نحن نحار إزاء هذا الاتحاد الوثيق، فهل القصيدة هي التي تدور حول لوحة الرسام، أم هل هي آثار الرسام تدور حول قصيدة الشاعر؟

‏كاتب وشاعر تونسي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية