«أسفار النسيان» رواية المصري عمرو شعراوي: سرد الذاكرة وخطاب التشكيك والتأويل

عادل ضرغام
حجم الخط
0

في روايته «أسفار النسيان» يستند عمرو شعراوي إلى منطلقات علمية ترتبط بفقدان الذاكرة وإعادة اكتسابها بعد مؤثر خارجي يتعلق بحادثة أو اعتداء يمكن أن يؤدي إلى الغيبوبة أو العمه، لكي يقارب مناحي فكرية لها وجودها في بعض الإبداعات الأجنبية. هذه المناحي مشدودة إلى طبيعة الذاكرة ومدى صدقها وارتباطها بالواقع، والتحامها في ظل اعتمادها على التحبيك الآني لحظة الانبثاق والتشكيل على الحقيقي والزائف.
الرواية باستنادها على بناء الذاكرة بعد فقدها تنتهج تأويلا أو إعادة قراءة للسياق أو للسياقات، تتجلى من خلاله مجمل التناقضات الخاصة بكل سياق حضاري فاعل، لأن فعل التذكر في حدود تلك الآلية السردية الخاص بمتابعة الحوادث بعد اكتمالها وظهور نتائجها، في شكل أحداث قائمة على التداعي الحر ليس إلا محاولة لمعاينة الحالة الإجمالية للوطن بمتغيراته السياسية والاجتماعية والثقافية، ومن هنا يأتي فعل الغيبوبة إشارة لحالة عامة كانت مشحونة بآمال وطموحات في نموذجها المثالي، لكنها انتهت إلى واقع جهم يفقدها مشروعية الوجود، ويحيل الشخصية الرئيسة في العمل الروائي إلى شخصية تكتفي بأن تلمح الآمال في أسى شفيف يقرّبها بوح الأغاني المختزنة للحالة الممتدة.
يقدم الروائي من خلال هذه الآلية رصدا يقوم على النقد والمراجعة للتاريخ المصري السياسي والاجتماعي في عقدي الستينيات والسبعينيات، وبالتحديد من النكسة إلى معاهدة السلام وهبوط السادات في إسرائيل، وظهور فاعلية الأيديولوجيات الدينية بسبب تحوّل السياق، والتغيّر في التوجه العام، من خلال التحبيكات المتوالية لبعض الشخصيات، والإشارة إلى تغيرها وتبدلها من سياق إلى سياق، بالإضافة إلى حجاب ونقاب الفتيات الصغيرات بوصف ذلك إشارة لموقف سياسي، وليس إشارة لموقف ديني.

استعادة الذاكرة والموسوعة السردية

تتماس رواية «أسفار النسيان» مع رواية «الشعلة الغامضة للملكة لوانا» لأمبرتو إيكو، في كون البطلين محل الاهتمام يتعرضان لغيبوبة، ويحاول كل واحد منهما استعادة ذاكرته بطريقته، ففي الرواية الأولى يستعيد البطل فهمي ذاكرته من خلال فعل الكتابة، بينما يستعيد بطل إيكو ذاكرته من خلال فعل القراءة. يشيّد إيكو عالمه الروائي من خلال شخص أصيب في سن الستين بالغيبوبة، يخرج من المستشفى فاقدا للذاكرة، لا يعرف نفسه أو زوجته أو أولاده، وفي سبيل معرفته لذاته، ولاستعادة ذاكرته، يعود إلى منزلهم الريفي القديم، وفي غرفة السطوح يستعيد ذاكرته من خلال قراءة مجلات وكتب الطفولة، لأنه لا يتذكر إلا ما يقرأ.
آلية الانتقاء في استعادة الذاكرة تشكل فعل قراءة ومراجعة لبناء تاريخ جدلي، يعتمد على الذاكرة المنطوية على فكرة التقييم والتقويم، وكأن ذلك فعل من أفعال التعرية من خلال الإشارة إلى التناقضات الخاصة بكل مرحلة، فيعري الخطاب السائد والمهيمن، ويعري الأنساق المصاحبة المولّدة له، فالرواية في ظل ارتدادها ترصد التاريخ الخاص بالمصريين، وطبيعة التحولات، وظهور الأيديولوجيات الدينية بداية من التلميحات الخاصة بشخصية أدهم، ومرورا ببعض الإشارات الخاصة بحجاب ونقاب الفتيات الصغيرات، بوصفه تدينا شكليا كاشفا عن توجه سياسي.
في مكان الإقامة الذي يتشكل في ظلّ شقة الجدة – حيث تصبح إشارة للقيم الموروثة التي تتحلل بالتدريج – هناك تنوع وتعدّد، فهناك الخال وزوجته إحسان والخالات، والأم والأشقاء والشقيقات، وهذا يجعل استعادة الذاكرة نوعا من بناء ممتد لكل القطاعات والتشكلات التي يمكن أن يضمها مجتمع ما، فهذا التعدد أتاح له نظرة شبه شمولية في رصد الأنساق المتباينة ووجهات النظر المتعارضة، من خلال مراجعة تكشف عن مراقبة ورصد لأثر وجود كل التكوينات المذهبية المكوّنة للمجتمع المصري. فأدهم – ابن خال السارد – يتوزّع إلى أكثر من تبدّل وتوجه، مما جعله نموذجا لتبدلات الشخصية من طور إلى طور، نظرا لطبيعة الانتماء وحدود المصلحة الضيقة، فهو- في منطق الرواية- عابث في سنواته الأولى، يتحوّل إلى التدين في طور لاحق لارتباطه بسياق التوجه العام.
تغطي الارتدادات المتجلية من خلال بناء الذاكرة أو استعادة جزئياتها حدود سياقين يتنافران، أحدهما في طريقه للتلاشي والذوبان بنسق وعلاقات أفراده وأخلاقياته، والآخر يتغوّل بالتدريج ليصبح مهيمنا، الأول ينطلق من معاينة الفرد والذات داخل مجموع يستقوي به، ويتحرك من خلاله واضعا في الاعتبار المصلحة العامة، والأخير مشدود لهمّ الذات، وانتهازية الفرد وخلاصه أو نجاته الفردية، في ظل سياق تتلاشى فيه القيم المعهودة والمؤسسة. ففريدة – شقيقة السارد فهمي – ويوسف يمثلان سياقا سابقا في طريقه للتلاشي، من خلال الإيمان بمبادئ اليسار، لكن لا يزال لديهما إيمان بالقدرة على الوجود، والقدرة على التغيير، لأوضاع وسياقات لا يمكن تعديلها أو تغييرها. فالارتداد في جزئية سقوط الطائرة الورقية لا يكفّ عن الإحالة إلى ضرب طائراتنا وتدميرها، أو الإحساس بالقوة الزائفة في لعبة الشطرنج، وما يتجاوب مع ذلك الإحساس من التقليل من قوة المنافس أو الخصم مما يؤدي إلى الهزيمة في الإطارين. فالتفكير في مثل هذه الترابطات القائمة على التجاوب – بالإضافة إلى انفتاح الرواية على استقصاء جوانب عديدة – يحيل الرواية إلى موسوعة سردية، لا تتوجه نحو الحدث بقدر توجهها نحو المتبقي الدائم في الذهن أو العقل الجمعي، بوصفها جزئيات دالة عن المرحلة وتحولاتها، فهناك جزئيات توجهت إليها الرواية بالرغم من النمط البنائي الخاص بها توجها مقصودا. فالتوجه نحو الأيديولوجية الدينية بحدتها يُحدث خلخلة لفكرة الوطن المرتبط بالوحدة في إطار التعدد، ومن ثمّ تتوجه الرواية من خلال نتف بعض الشخصيات لمعاينة الآثار السلبية لذلك، مثل حدث مقتل الشيخ الذهبي، واختلاف الآراء حسب كل توجه لهذا الحدث.
في ذلك السياق يمكن أن نضع جزئيات لافتة تمّ اختيارها لتفعيل وتبئير جانب مهم من جوانب هذه الموسوعة، منها ما يتصل بحدث فاعلية حركة الطلاب داخل الجامعة، وتصويرها بشكل لافت في حدود انبثاقات الذاكرة مع شقيقة السارد فريدة، أو مع شقيقه يحيي للإشارة إلى انقطاع وغياب آني، ومنها ما يتصل بمكان العمل (في الحي المرتبط بتراخيص البناء)، للإشارة إلى إضافة تتعلق بتفشي أخلاق وقوانين السبعينات، وسيادة عمارة القبح من خلال عمليات غير قانونية. بالإضافة إلى استيلاد جانب مهم يكمل جزئيات هذه الموسوعة السردية من خلال اختراع شخصية ثناء موظفة المكتبة العامة التي تفتح الإطار السردي من خلال النتف الخاصة بها على مسار جمالي وثقافي يرتبط بالسينما والموسيقى والكتب والانفتاح على منجز الآخر المباين، وقد جعلت الرواية ذلك النزوح مبررا، في ظل حاجة الإنسان إلى قسيمي الروح والجسد، وغياب نادية بالانتحار التي شكلت المثال على مدى صفحات الرواية، فجاء التوجه نحو ثناء إطارا للروح يكمل مع وجود أحلام – الجسد المبذول – وسبيلا للانسجام الإنساني.
فالمزاوجة أو التوازي بين ما يحدث في السرية، وما يحدث في الخارج، سواء في الجامعة أو في لقاءات الحب بين البطل ونادية، يكشف عن أن الرواية تقدم محاولة إعادة قراءة للسياق العام وأنظمة الحكم، فالنكسة أو الهزيمة لم تكن سوى مظهر من مظاهر إدارة الحكم، ويمكن أن يلحّ في ذلك الإطار نص أمل دنقل (لبكاء بين يدي زرقاء اليمامة) الذي جاء مقتبس منه ليتصدر الرواية، فيصبح خطابا موازيا يؤطر الرواية في إطار خاص كاشف عن التأويل وعن المعرفة المفقودة.

خطابا السرد: الحقيقي والزائف

تكشف الرواية في بنائها عن ازدواجية الخطاب في متن الرواية، فهناك خطاب استعادة الذاكرة الخاص بفهمي الريدي، وانفتاحه على مجمل القضايا مما يشكل في النهاية موسوعة سردية، وهناك خطاب الطبيب المعالج الذي يمثل محاولة الوصول إلى المعرفة أو الحقيقة، خاصة إذا أدركنا أن هذا الخطاب بكل أقسامه يرتبط بعام 1977، وما له من دلالة في التاريخ المصري في التصالح مع الآخر، وهنا يصبح فعل الغيبوبة فعلا من أفعال الاعتراض، أو يصبح حالة تحتاج إلى تفسير أو تأويل، بل ويأخذ مدى أوسع فيما يشير إليه داخل الإطار العام، فكأن هذا الحدث أوجد خلخلة لكل القيم والمفاهيم المعروفة والمرتبطة بالوطن والعدو والدماء، ومن ثمّ كانت هذه العودة للتفسير والتأويل، والبحث عن الأسباب من خلال معاينة السياقات، ومقاربة الارتدادات واستعادة الذاكرة الفردية والجمعية في آن.
يعاين القارئ خطابين يتعارضان في أشياء عديدة، فعناوين خطاب الطبيب المعالج نبيل العليمي – شقيق نادية محبوبة السارد في الإطار الآخر ونموذجه المثالي – ثابتة في كل الجزئيات والفصول الموجودة بالتناوب مع خطاب استعادة الذاكرة، وتحمل عنوان الرواية «أسفار النسيان» موزعا على شهور عام 1977، ليصبح هذا العام، وما به من حدث جوهري يشكل انعطافة ومرتكزا أساسيا للشك في القيم المؤسسة التي تربت عليها وتشكلت في إطارها الذات المصرية.
يتجلى هذا المنحى المعرفي حين نعاين عناوين مثل (أنشد اليقين فأعيد صياغة الحكايات)، أو (نحن بلا شك نتدثّر بما ينسجه خيالنا من أوهام)، أو (يصقل الإنسان مرآته بالأوهام حتى ينعم براحة البال). وهذه العناوين وغيرها تصنع في السياق الدلالي للرواية مناحي أخرى لا تقلّ أهمية عن المنحى الموسوعي السردي، تتعلق بتشكيل هذا الإطار الاستعادي اللاهث نحو الهباء، وهو منحى يجعلنا نعيد النظر في مفاهيم مثل الحقيقي والزائف أو الواقعي والمتخيل، ويفتح الباب لهدم الجدار الفاصل بين كل قسيم منهما، فوجود أحدهما يستدعي الآخر، ولا نعرف على نحو دقيق-  طالما الأمر يرتبط بالاستعادة أو محاولة الإمساك بالماضي وليس بالمعايشة أو المرور بالحدث – متى يبدأ أو ينتهي طرفا كل ثنائية.
فالحقيقة في ظل ذلك التوجه ليست نسخة وحيدة، ولا تتشكل من الحدث الواقعي، وإنما تتشكّل-بالإضافة إلى الواقع- من خيالاتنا وأوهامنا، يؤيد ذلك أن المحاولات التي قام بها الطبيب من خلال الاستقصاء أو السؤال أو المقابلات للوصول إلى ما حدث فعلا، كلها محاولات لم تفض إلى نتيجة مؤكدة، بل ظلت متأرجحة محافظة على وهجها بالذوبان والتلاشي والتوزع، لتصبح الحقيقة في كل الأحوال فردية وذاتية، بل ومصنوعة في كل حالة من حالات البناء والإدراك.
الذاكرة في كل ذلك خطاب إدراكي وارتباط وتواصل مع العالم، وحين يتمّ الارتداد إليها تصبح بناء منفتحا للحذف والإضافة والتحبيك، فهي في معرض دائم للنمو أو للتلاشي، وكل ذلك يجعل محاولة الوصول إلى الماضي أو للحقيقة محاولة محكوما عليها بالفشل، ولا يتبقى شيء سوى هذه الذاكرة الفردية أو الجمعية التي تتعاظم على التراتب الزمني وطريقة تجليه.
عمرو شعراوي:
«أسفار النسيان»
دار العين للنشر، القاهرة 2022
619 صفحة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية