السفر عبر الزمن في أعمال حبيب سروري

بفضل التلسكوب الجديد الأكبر والأحدث: جيمس ويب، تصلنا يوميا صور مذهلة من عمق أعماق الكون، ومن أبعد مناطقه. يحملها لنا الضوء في رحلةٍ طويلة قام بها، دامت، قبل أن تصلنا، أكثر من 13 مليار سنة. نرى في هذه الصور لحظات طفولة الكون الأولى بعد الانفجار الكوني الكبير (بيغ بونغ، قبل 13.8 مليار سنة).
هكذا يتحقق، بفضلها، عبورٌ عكسي لخط الزمن: سفرٌ إلى الماضي الأبعد، طالما راود أحلام وشغف الإنسان.
قبل أن نحاول هنا استعراض وتحليل هذا الشغف، شديد الحضور في الأعمال الأدبية لحبيب سروري (كمحاربٍ ثقافي وروحي، وكجندي معرفة، في مجمل كتاباته) يلزمنا إجلاء بعض الركائز الفكرية في كتاباته الفكرية والأدبية التي تكشف النقاب عما وراء هذا الشغف.
يرى حبيب سروري، في الجوهر، أن «من ينجح بفرض رؤيته إلى التاريخ، ينجح في قيادة الحاضر وتوجيه بوصلة المستقبل» (من روايته «وحي»)؛ وأن الإنسان غارق، في الأساس، في محيط من الوهم والأكذوبات، متعددة المصادر، تتوارثها الثقافات السائدة من دهورٍ غابرة، أو يحتاجها الإنسان للاحتيال والمراوغة والتضليل لفرض هيمنته، أو بسبب لعبة المظاهر وأخطاء رؤية وتقديرات الحواس لدى الإنسان… الذي يحتاج للعقلية النقدية، ولأنوار العلم الكاشفة، لمقاومة أمواج هذا المحيط المتلاطمة. لذلك فإن أحد أسلحة الحرب الثقافية والروحية ضد الظلمات، ومن أجل التنوير والحرية، تكمن في زعزعة صورة الماضي وصيغة التاريخ كما تقدمه الرؤى السائدة، الآتية غالبا من مسلمات التفكير السحري والخرافات؛ وفي تقديم صورة الماضي حسب نتائج التاريخ العلمي (الذي يختلف جوهريا عن التاريخ الديني) ومن منظور الحقيقة العلمية المستندة إلى مختبرات ووسائل العلم الحديث. كما أن سروري يرى أن الرؤى والقيم الجديدة تفرض نفسها بالجدل والتمرد الهادئ، وليس بالضجيج والصدمات. لا تخلو كتبه «لا إمام سوى العقل» و»لنتعلم كيف نتعلم» من مقالات فكرية متنوعة عن التاريخ البيولوجي التطوري للكائن الحي، عن الأصل الإنساني للكتب «السماوية» وغيرها. وطالما لاحظ فيها أن الماضي الذي يعتمده الإنسان العربي هو الآتي، غالبا، من التاريخ الديني، الذي يدعو سروري إلى قراءته كمجاز وعِبَر وأساطير، كي لا يؤثر في معرفتنا للحقيقة. أما التاريخ العلمي المبرهن بالحفريات والمخطوطات، وبالكثير من الوسائل العلمية الأخرى، فهو الذي يجب الاعتماد عليه فقط. فالعلم وحده يمكنه أن يجيب عن أسئلة الإنسان حول قوانين الطبيعة والحياة، ويفكك أسرارهما، وحول حقيقة التاريخ أيضا.

الكون فسيفساء ألوانه أنيقة غامرة أزهى من ألوان ريش طاووس، أنقى من جناح فراشة، أمتع من حوض زجاجي لأسماك ملونة».

أما في الجانب الأدبي فيتجه سروري غالبا نحو الهدف نفسه، بوسائل فنية وأدبية محضة، مثل مفهوم «السفر عبر الزمن» الذي طالما شغل الفيزياء والفلسفة والسينما والأدب (لا سيما التخييل العلمي) الذي يختلف منحى سروري فيه عن السفر عبر مفهوم «آلة الزمن» الخيالية التي برزت سابقا في أكثر من فيلم ورواية، إذ يلجأ سروري في أكثر من رواية لتقنيات «تجارب ذهنية» تخييلية مختلفة، تنتمي لروح نتائج واكتشافات العلم الحديث، تشبه رحلات البحث عن صور الماضي التي يحملها لنا تلسكوب جيمس ويب. يمكننا استعراض وتصنيف الارتحال عبر الزمن في أعمال حبيب سروري، إلى أكثر من نوع، أهمها:
1) البحث عن حقيقة الماضي ورؤيته من خلال استدعاء شخصية كالمعري للقيام برحلة معاكسة لرحلة ابن القارح في «رسالة الغفران» من (السماء إلى الأرض) لكتابة تقرير عن حال كوكب الأرض الذي يهرول نحو المجهول. نجد المعري يصف لنا، بتلسكوب وميكروسكوب عينيه العبقريتين، الكونَ بألوانه الأنيقة والزاهية، بمجراته وسدمه ونجومه وثقوبه السوداء، ويروي تاريخ الكون والحياة منذ البيغ بونغ، كما برهنه العلم. يقول الراوي، حفيد أبي العلاء الثالث والثلاثين، في «تقرير الهدهد: «يحلق حكيم المعرة مجيلًا ناظريه في كل الاتجاهات، الكون بكل مجراته و(ثقوبه السوداء) ومذنباته وسدمه كرنفال ألوان يغمر الفضاء، لكل نجم أو كوكب أو سديم لونه الخاص. الكون فسيفساء ألوانه أنيقة غامرة أزهى من ألوان ريش طاووس، أنقى من جناح فراشة، أمتع من حوض زجاجي لأسماك ملونة». «يشاهد أبو النزول قربه نجما شائخا في نهاية حياته يوشك أن ينهار، يرثي نجما آخر أمام ناظريه، يشفطه ثقب أسود ويحوله إلى عدم في لمحة برق». ويقول حكيم المعرة قبيل رحلته الزمكانية: «أريد أن أخترق جدار الزمن أن أعبره بالاتجاه المعاكس كي أشهد ما دار، كما دار… ألم أحلم أن أستطيع الطيران بأسرع من سرعة الضوء؟ أريد أن أبحث في ركامها عن الأشعة التي انعكست على وجه المتنبي قبل مماته.. أريد قبل هذا أو ذاك، البدء من البداية، رؤية اللحظة الكبرى، جذر اللحظات، سِفر التكوين: الانفجار الكوني الكبير (بيغ بونغ) قبل أكثر من 13 مليار سنة».

من جانب آخر، ظهرت رغبة سروري في رؤية الحياة في مخاضها الأول من رحم الأبدية، ورغبته في التحليق في أرجاء الزمان والمكان، والتقاط صور الماضي (كما يفعل تلسكوب جيمس ويب وهو يقوم بتحليل الأشعة تحت الحمراء) في روايته «عرق الآلهة» (2008) في فصل «السفر بسرعة الضوء» وهو يتحدث، على لسان الراوي شمسان، عن رغبته في معرفة الحقائق كما حدثت بالفعل لا كما وصلت إلينا.
2) النوع الثاني هو السفر نحو الماضي، الذي يتجاوز مبتغاه، كما نراه في القصة القصيرة الأولى «باقة من أغصان المجرات» من مجموعته القصصية «همسات حرى من مملكة الموتى» (2000). تسرد هذه القصة حكاية ضياء، وهيامه بحب جارته سناء التي «تحصي عدد عشاقها بحبات مسبحة أمها الزرقاء». ولأنه أراد أن يكون مختلفا عن بقية عشاقها، قرر أن يرحل عمودياً نحو المجرات، ليحضر لها باقة من أزهارها. فاخترق لذلك السدم والمجرات، وسار بسرعة كان يضاعفها باستمرار ليصطاد أشعة مقبلة من الماضي السحيق: صور ولادة معشوقته وولادة أسلافها، وأسلاف أسلافها؛ موت المتنبي؛ الانفجار الكوني الكبير.. حيث استغرق في رحلته (التي تشبه رحلة أبي العلاء) وقتا أرضيا طويلا، متناسيا «نسبية الزمن» حسب نظرية أينشتاين: كون البطل يهرع بسرعة ضوئية خارقة، فزمنه مختلف عن زمن حبيبته التي تعيش في الأرض: ساعته التي قضاها هائما بسرعة الضوء تساوي قرنا من زمن كوكب الأرض! فعندما عاد أدراجه بعد ساعة كاملة حاملاً معه أغنى باقة، فتش عن سنائه في أنقاض منزلها المتهاوي. عبثا! فقد حبيبته قبل دهر من وصوله!

إحدى غايات سروري في كتاباته دائما إرساء العقلية العلمية النقدية، والدعوة إلى الاهتداء بنور العقل، الذي لا إمام سواه، بغية ألا يقع الإنسان في فخ الحقائق المزيفة.

هكذا يبدو جليا أن العودة إلى الماضي هوسٌ حاضرٌ في أعمال سروري، بأشكال مختلفة، أهمها شغف رؤية التاريخ كما حدث، لا كما يحدثوننا عنه، بناءً على ما قاله مخترع التلسكوب والميكروسكوب، غاليلو: «كل ما عدا الحقيقة المبرهنة فرضيات لا غير، أو ميثولوجيا وتخييل» («وحي»). كل ذلك ليس بغريب على من شيد بمخيلته الفذة عالم المايا في روايته «وحي» (وجعلها مدينة طوباوية، قام بإلغاء الحدود فيها بين الماضي والمستقبل، حيث يمكن السفر إلى مستقبلِ المستقبل أو إلى ماضي الزمان قبل ان تتفجر الحياة على كوكبنا) وعلى من شيد مدينة «أطلس» الكوكبية في «جزيرة المطففين» التي حاول فيها ضم كل هموم وتعقيدات عالمنا المعاصر، مازجا فيها الماضي بالحاضر بالمستقبل، وحررها من قيود الجغرافيا.. وليس بغريب عن صاحب الرؤية التنويرية الهادفة إلى إبعاد العقل عن الغرق في الضباب، وتحجيم دوره.
لنلاحظ ختاما: السفر نحو الماضي في أعمال حبيب سروري جزء من فكرة «السفر» المحورية الكبرى، حيث يعتبره وسيلةً جوهرية للاكتشاف والبحث عن الذات والمعرفة، وتفكيك تعقيدات الحياة. (في مقابلة أجريتها معه، في صحيفة «القدس العربي» بتاريخ 15 أغسطس/آب 2020، شرح أسباب ازدياد الحاجة إلى هذا التفكيك في الرواية الاستباقية الحديثة). أما كون السفر نحو الماضي حالةً خاصة من فكرة السفر عموما، فيتبلور لنا في الانتقال من سفر كوني إلى سفر أرضي في «تقرير الهدهد». فبعد رحلته السماوية بسرعة الضوء، وهبوطه إلى الأرض، قابل أبو العلاء حفيده الـ33، آخر أحفاده، مواصلا كتابة تقريره، لكن هذه المرة بسرعة البشر الأرضيين، وبمعيتهم. هدفه الأسمى في ذلك: البحث عن حقيقة التاريخ الإنساني المعاصر، بأم عينيه، دون راوٍ أو وسيط.
خلاصة القول: إحدى غايات سروري في كتاباته دائما إرساء العقلية العلمية النقدية، والدعوة إلى الاهتداء بنور العقل، الذي لا إمام سواه، بغية ألا يقع الإنسان في فخ الحقائق المزيفة. فبمساندة نور العقل يستطيع الإنسان أن يجد الحقيقة. إذ، كما يقول، «لا هدف للثورة والعلم أقدس وأهم وألذ من إعادة كتابة الماضي بريشة ضوء نقي دافق يتسلل داخل الأسوار المغلقة، يكنس كل دهاليزها وأنفاقها المظلمة الخفية».

كاتبة لبنانية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية