الناصرة- “القدس العربي”: بعد وساطة أمريكية دامت سنوات، أعلنت اسرائيل رسميا التوصل إلى اتفاق مع لبنان بشأن الحدود البحرية بين الجانبين وحقل الغاز قانا، واعتبر كل منهما الاتفاق تاريخيا لبى احتياجاته ومطالبه. ويرى مراقبون أن ثناء الطرفين اللبناني والإسرائيلي على مسودة الاتفاق يعكس رغبة الطرفين به، خاصة أن الحسابات السياسية الداخلية تلعب دورا بذلك، في ظل وجود حكومتي تصريف أعمال في الجانبين، وأن حديث كل منهما عن الاستجابة لكل مطالبه يعني أن هناك تسوية حل وسط يربح منها الطرفان، علما أن مسودة الاتفاق تتحدث عن منح إسرائيل 17% من عائدات حقل قانا، بينما يبقى حقل كاريش بشكل حصري لإسرائيل كونه يقع قانونيا ودوليا ضمن ما يعرف بالمياه الاقتصادية التابعة لها.
وفي سياق مفاخرته بإحراز الاتفاق قال رئيس حكومة الاحتلال يائير لبيد إن الحديث يجري عن إنجاز تاريخي سيعزز أمن إسرائيل، وسيدخل المليارات لخزينة الدولة، ويضمن الاستقرار على الحدود الشمالية. ومن المتوقع أن يلتئم، اليوم الأربعاء، المجلس الوزاري المصغر للشؤون السياسية والأمنية، ثم الحكومة، للمصادقة على مسودة الاتفاق مع لبنان، تمهيدا لطرحه على الكنيست. في المقابل أعلنت الرئاسة اللبنانية أن الصيغة النهائية لمسودة ترسيم الحدود البحرية مع إسرائيل “مرضية” للبنان، ونقلت وكالة رويترز أن “حزب الله” أعطى الضوء الأخضر للاتفاق. وقال بيان صادر عن مكتب رئيس حكومة الاحتلال إن “إسرائيل ولبنان توصلا إلى اتفاق تاريخي حول الحدود البحرية، وإن لبيد سيعقد اجتماعا للمجلس الوزاري المصغر للشؤون السياسية والأمنية (الكابينيت)، وسيليه اجتماع خاص للحكومة، وبعد ذلك سيُنقل إلى الكنيست “ويدخل حيز التنفيذ بعد أسبوعين. موضحاً أن “مسودة الاتفاق تستوفي بشكل كامل المبادئ التي قدمتها إسرائيل، سواء في المجال الأمني أو في المجال الاقتصادي. وقال لبيد في البيان إن “هذا إنجاز تاريخي سيعزز أمن إسرائيل، ويدخل المليارات للاقتصاد الإسرائيلي ويضمن استقراراً عند الحدود الشمالية”. ويتوقع ألا يستخدم رئيس الحكومة البديل، نفتالي بينيت، حقه باستخدام فيتو حول طرح الاتفاق للتصويت، وسيقرر بينيت شكل تصويته لاحقا بعد أن يطلع على الاتفاق النهائي ويستمع إلى ملاحظات جهاز الأمن.
من جهتها، قالت وزيرة الطاقة الإسرائيلية كارين الحرار إن “تشدد إسرائيل في مواقفها لبى كل متطلباتنا وتراجع لبنان، فيما أكد رئيس مجلس الأمن القومي الإسرائيلي إيال حولاتا أن إسرائيل في طريقها لإبرام اتفاق “تاريخي” مع لبنان بشأن ترسيم الحدود البحرية. وقال حولاتا، معبراً عن موقف كل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، إن جميع التعديلات التي طلبتها إسرائيل على بنود الاتفاق قد تمت، وأضاف: “حافظنا على مصالح إسرائيل الأمنية ونحن في طريقنا إلى اتفاق تاريخي. ولم يعلن بعد النص الكامل لمسودة الاتفاق بينن لبنان وإسرائيل وما نشر عن بنوده وقع ضمن تسريبات من الطرفين وفي غضون ذلك، قالت صحيفة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية إنه وفق الترتيبات مع الإدارة الأمريكية، سيقوم لبنان أولا بالتصديق على اتفاق ترسيم الحدود البحرية، وبعد ذلك إسرائيل. ومن المستبعد أن تتمكن الحكومة الإسرائيلية من التوقيع رسميا على الاتفاق قبل موعد الانتخابات المقبلة في إسرائيل، في الأول من نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، رغم رغبتها الشديدة بذلك، لضيق الوقت، وبسبب الوقت الذي تستغرقه الإجراءات الدستورية، علاوة على معارضة شرسة للاتفاق من المعارضة، وعلى التماسات متوقعة ضد الاتفاق سترفع للمحكمة العليا، إحداها للنائب الصهيوني العنصري ايتمار بن غفير، الذي أعلن أنه سيرفع التماسا لمنع المصادقة على الاتفاق مع لبنان كون حكومة لبيد حكومة تصريف أعمال مؤقتة.
وتؤكد “حكومة التغيير” أن الاتفاق مكسب مهم لإسرائيل من الناحية الاقتصادية لأنه سيدر المليارات في خزينة إسرائيل، وكذلك من الناحية الإستراتيجية الأمنية، وبذلك تقصد الاستقرار الأمني في الجبهة الشمالية، الذي يعني إطالة شبح حرب مع حزب الله مدمرة وموجعة للطرفين. هذا إضافة لتقديرات إسرائيل بأن منافع لبنان من الاتفاق ستجعله أكثر تمسكا بالهدوء وستنتج ضغطا داخليا من قبل الشعب اللبناني على “حزب الله” لأن الدولة اللبنانية موجودة بحالة يائسة، ويأتي هذا الاتفاق بمثابة وجبة أوكسجين بالنسبه لها. وتعتبر إسرائيل أن ذلك حيوي لمصالحها لأن امتلاك لبنان موارد طبيعية ثمينة من شأنه أن يجعله يخشى خسارتها، وبالتالي “فرملة” “حزب الله” ومنعه من التصعيد الأمني وفق التقديرات الإسرائيلية، علاوة على كونه نوعاً من التطبيع، رغم أن لبنان ينفي وجود اتفاق رسمي دولي معترف به لترسيم كل الحدود، بما فيها الحدود البرية مع إسرائيل، ويشير لبقاء نقاط خروج منه، ولكونه تفاهما ينتظر الاتفاق على ترسيم الحدود البرية، وتسوية نقاط خلاف عالقة حول المياه الاقتصادية المختلف عليها. في المقابل جددّت المعارضة في إسرائيل حملاتها على حكومة التغيير و”استسلامها” للبنان و”حزب الله”، وهذه المرة ركّز رئيسها بنيامين نتنياهو الذخائر الدعائية على شخص يائير لبيد، واعتبره ضعيفا ومستسلما معتبراً الاتفاق مع لبنان سيء لإسرائيل.
يشار إلى أن نتنياهو كان قد صرح، في الأسبوع الماضي، أن الاتفاق مع لبنان غير ملزم، وأن حكومة برئاسته ستكون في حّل منه، مما دفع المؤسسة الأمنية الإسرائيلية للتحفظ في تصريحاتها لحد مهاجمتها، وقد اعتبرتها بعض الأوساط خلطا للأوراق الإستراتيجية مع السياسة الحزبية الشخصية على حساب أمن إسرائيل. وقال بعض خريجي المؤسسة الأمنية الإسرائيلية إن أي حرب مستقبلية مع لبنان سيكون سببها نتنياهو وفقاً لما سيؤكده لبنان. وشن النائب عن الليكود يواف كطيش حملة شعواء على الاتفاق مع لبنان واعتبره خنوعا كاملا له مؤكدا أنه ينطوي على 100% استسلام وعلى صفر مكاسب. ومن المتوقع أن تؤدي معارضة الاتفاق في إسرائيل إلى تأخير المصادقة عليه إلى ما بعد الانتخابات البرلمانية في إسرائيل، خاصة أن التداول في التماسات للمحكمة العليا يستغرق وقتاً طويلاً.
وتأتي هذه التطورات بعدما كان لبنان وإسرائيل قد أبديا ملاحظات على مسودة اتفاق سابقة أرسلها الوسيط الأمريكي إلى الطرفين مطلع أكتوبر/تشرين الأول الجاري. وأعلنت الرئاسة اللبنانية حينها أن ملاحظات بيروت على مسودة الاتفاق تضمن حقوقها في التنقيب عن النفط والغاز الطبيعي. وفي المقابل، رفض رئيس الوزراء الإسرائيلي يائير لبيد الملاحظات اللبنانية على مسودة اتفاق الحدود البحرية. وبناء على ملاحظات الجانبين، أجرى الوسيط الأمريكي اتصالات مع الأطراف المعنية، خلال الأيام الماضية، في محاولة للتوصل إلى اتفاق نهائي.
ويتنازع لبنان وإسرائيل على منطقة بحرية غنية بالنفط والغاز في البحر المتوسط، تبلغ مساحتها 860 كيلومتر مربع مقابل رأس الناقورة وجبل المشقح، وهو الفاصل الجغرافي التاريخي بين لبنان وفلسطين.
وفي الساعات الأخيرة، يتفاقم جدل إسرائيلي داخلي، فلبيد يرى أن المصادقة على الاتفاق مع لبنان تتم من خلال الحكومة فقط، بينما توصي مستشارتها القضائية بضرورة مصادقة البرلمان الإسرائيلي عليها، وهذا ما يراه لبيد زائداً كون الحديث يدور عن تفاهم لا عن اتفاق دولي يأتي في ظل وقت حرج حيث تنتهي ولاية الرئيس اللبناني قريبا، ولا مجال للانتظار أكثر.
كذلك تشير بعض الأوساط الإسرائيلية إلى أن الحقول الغازية تعني مليارات الدولارات، خاصة في ظل طلب متزايد عليه في العالم عقب الحرب في أوكرانيا، واحتكار روسيا لأسواق الطاقة، ولكن في المقابل تنبه أوساط إسرائيلية أخرى أن الحديث يدور عن “كنز” محتمل سيستفاد منه بعد سنوات فقط لا في الشهور القادمة، محذرين من احتمالات أن تكون كميات الغاز المتوقعة في بطن البحر المتوسط أقل مما يجري الحديث اليوم.