فشل جهود المصالحة سيحرم الفلسطينيين من استخراج غاز غزة

إسماعيل عبدالهادي
حجم الخط
0

أعاد التهافت العالمي على الغاز كمصدر للطاقة في أعقاب الحرب الروسية الأوكرانية، ملف غاز غزة إلى الواجهة من جديد، في ظل الرفض الإسرائيلي لمنح الفلسطينيين حقهم باستخراج الغاز والاستفادة منه، وتزامناً مع التوتر القائم بين لبنان وإسرائيل على خلفية إعلان إسرائيل بدء مد خط أنابيب نقل غاز كاريش وتهديد حزب الله بضرب الحقل، وتفتحت عيون الفلسطينيين على الحقول المطلة على ساحل غزة، التي ترفض إسرائيل السماح لهم بالاستثمار فيها، ما دفع حماس إلى تنظيم حراك شعبي واسع تطالب بحقوقها في الغاز وبالقوة، وسط مخاوف إسرائيلية من نشوب حرب مقبلة من أجل استعادة الغاز المسروق.
ونجحت مصر بعد جهود حثيثة بذلتها مع إسرائيل، في الحصول على موافقة تسمح للسلطة الفلسطينية باستخراج الغاز من حقل غاز مارين، الواقع قبالة سواحل قطاع غزة والمقدر بأكثر من تريليون قدم مكعب، حيث يقضي الاتفاق بقيام صندوق الاستثمار الفلسطيني بمنح الشركة المصرية القابضة «إيغاس» التي تقوم بتطوير حقل غاز غزة مارين، في حين يملك صندوق الاستثمار الفلسطيني حصة تبلغ 27.5 في المئة من الحقل، وشركة اتحاد المقاولين نفس الحصة، بينما الحصة المتبقية البالغة 45 في المئة ستكون للشركة المشغلة.
وكانت حركة حماس بمشاركة الفصائل الفلسطينية قد نظمت قبل أكثر من شهر، حراكا بحريا في ميناء غزة طالبت بضرورة إنشاء ممر مائي يربط غزة بالعالم الخارجي، كما طالبت بحق الفلسطينيين بالثروات الطبيعية من الغاز، وهذا دليل على رغبتها بأن تكون لها حصة من مبيعات غاز غزة حال استخراجه مستقبلاً، حيث أكدت حماس تمسكها بحق شعبنا في ثرواته الطبيعية التي يسرقها الاحتلال الإسرائيلي، وخاصة الغاز الطبيعي في بحر قطاع غزة.
ويمتلك الفلسطينيون على مقربة من شواطئ غزة حقلان من الغاز، وأطلق على الحقل الأول اسم «غزة مارين» ويقع كلياً ضمن المياه الإقليمية الفلسطينية قبالة غزة، أما الحقل الثاني فهو «مارين 2» ويقع ضمن المنطقة الحدودية البحرية بين غزة وإسرائيل، والحقلان اكتشافا عام 1999 لكن إسرائيل لم تعط الفلسطينيين حقهم في استخراج الغاز والاستفادة منه، وأجمعت أبحاث عديدة حول وضع غاز غزة على أن عدد آبار غزة وحجم الكميات فيها أكبر بكثير من الكميات التي أُعلن عنها رسمياً، فالأمر لا يقتصر على البئرين اللذين تم تطويرهما من شركة بريتش غاز، ومن المحتمل وجود العديد من الآبار الأخرى، لكن المشكلة أنه لا يمكن استكشاف المنطقة الآن بسبب ضيق المساحة البحرية التي تسمح إسرائيل للفلسطينيين بالتحرك فيها، إضافة إلى أن مؤسسة سومو المختصة في شؤون البيئة والطاقة، قد أصدرت تقريراً عام 2017 وثقت فيه سرقة إسرائيل للغاز الفلسطيني، من خلال عمليات استخراجه بطرق غير قانونية على الحدود البحرية مع القطاع.
ومنحت السلطة الفلسطينية شركة بريتش غاز عام 1999 مسحاً لاكتشاف آبار الغاز لتطوير حقول الغاز الفلسطينية في بحر قطاع غزة، دون طرح ذلك في مناقصات دولية تفتح الباب للتنافس والحصول على أفضل العروض لصالح الفلسطينيين، لذلك طرح استخراج الغاز والتعاقد حصراً مع شركات معروفة بعلاقات مع الاحتلال الإسرائيلي الكثير من علامات الاستفهام، في المقابل عرقلت إسرائيل بكل ما تملك من سيطرة على البحر ومن علاقات إقليمية، استخراج الغاز في القطاع الذي يواجه أزمات شبه متواصلة في إمدادات الطاقة بسبب الحصار.
من جهته أكد الكاتب والمحلل السياسي عصمت منصور أن قضية الغاز وإن كانت إسرائيل صادقة في نواياها بمنح الفلسطينيين حق التنقيب والحصول عليه، فإن ذلك سيجبر الأطراف الفلسطينية المتنازعة على التوصل إلى اتفاق مصالحة، لأن ذلك سيخدم جميع الأطراف اقتصادياً، وبالتأكيد سيكون لمصر دور كبير في اتمام المصالحة، كونها الجهة المشرفة على التنقيب والتي ستقوم أيضاً ببيعه.
وأوضح لـ«القدس العربي»: أن موافقة إسرائيل تأتي في ظل مخاوفها المتزايدة من تعرض منصات الغاز الإسرائيلية قبالة سواحل غزة للهجوم بطائرات مسيرة وقذائف صاروخية خلال جولات التصعيد الأخيرة، لذلك تريد منح الفلسطينيين جزءاً من حقهم مقابل تحييد ملف الغاز في أي معركة مستقبلاً.
وأضاف أن السلطة هي الجهة الشرعية الوحيدة المفوضة للاتفاق حول موضوع الغاز، في المقابل تسيطر حماس من جهتها على المناطق الساحلية لغزة، لذلك باعتقادي أي اتفاق حتى وإن تمت المصالحة الحالية بين حماس وفتح، سيترتب عليه تقسيم عادل لعائدات الغاز، وأي خلل في ذلك سيعرقل عملية استخراجه، وربما يجعل ذلك إسرائيل تتراجع عن القرار.
في سياق ذلك يقول المختص في الشأن الإسرائيلي عليان الهندي إن مسألة الغاز تعتبر من القضايا المهمة بالنسبة للفلسطينيين، خاصة وأنهم بحاجة إلى موارد طبيعية توفر دخلا لخزينة الحكومة وسد العجز الحاصل في كميات الغاز التي يتم استيرادها سواء من الجانب الإسرائيلي أو المصري بأسعار مرتفعة.
وأشار لـ«القدس العربي» إلى أن أزمة الطاقة العالمية والمترتبة على التوتر القائم بين روسيا وأوكرانيا وشح كميات الغاز الموردة لأوروبا، فجرتا ملف الغاز في الشرق الأوسط، فإسرائيل تستغل حالة الصمت والتخاذل الدولي، وتضع يدها على كل الحقول التي تجاور فلسطين من البحر، مثل حقل «ماري بي» الذي جففته إسرائيل عام 2012 بعد أن استنفدت جميع الكميات فيه، وكان يحتوي على 1.5 تريليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي، وهي كمية تكفي الفلسطينيين لتزويدهم بالغاز لمدة 15 عاماً على الأقل.
ولفت إلى أن عملية التوافق على استخراج الغاز من حقل مارين قبالة غزة، تستوجب إجماعا وتوافقا فلسطينيا شاملا، لذلك إنهاء الانقسام الفلسطيني في الوقت الحالي أمر ضروري، فلن يكون هناك استخراج للغاز من حقل غزة ما لم يتم توافق فلسطيني شامل حول تقسيم عائداته، وإعادة إحياء الواقع الاقتصادي المتردي وبالتحديد في قطاع غزة.
يشار إلى أن بحر قطاع غزة يضم حقولا للغاز الطبيعي جرى اكتشافها في السنوات الأولى التي أعقبت اتفاق أوسلو، وأهم هذه الحقول حقل «مارين» الذي يعتبر أولى الاكتشافات في شرق المتوسط والذي دشنه الرئيس الراحل ياسر عرفات، وتقدر احتياطاته بنحو 32مليار متر مكعب وتبلغ تكلفة تطويره 1.2مليار دولار، وبإمكانه سد احتياجات الشعب الفلسطيني من الطاقة لمدة 25 عاماً بما فيها توفير الطاقة الكهربائية، ويدر دخلاً سنوياً على خزينة السلطة بنحو 150 مليون دولار.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية