بيروت – «القدس العربي» : في «بيت الصورة» في الجميزة في بيروت تلامس النظر مع مشاهد خلاّبة من حركة الأمواج العاتية تحت سطح المياه. لوحات وألوان مبهرة تستحثّ الرغبة لمعرفة المزيد عن هذا العالم المجهول لأكثرية الناس، والمعلوم لدى قلة من عشّاق المغامرات. إنها مجموعة الصور التي وضعها خضر شرّي بمتناول الباحثين عن كل جميل وجديد في عالم الصورة.
اختار خضر شري عنوان «الحركة والسكون» لمجموعته التي التقطها في بحار أستراليا. أرسلها إلى وطنه الأم وحيدة. فهو يقيم في الولايات المتحدة منذ 35 سنة، وحال التزامه المهني دون قدومه إلى لبنان. في هذه المجموعة التي يتكون منها المعرض نجد الإنسان، وحركة الطبيعة، والحيوانات البحرية بألونها وأشكالها البديعة.
ظهرت ألواح ركوب الأمواج مربوطة بالغطاسين. وإلى جانب بعضهم بدا غضب البحر، وكأن انفجاراً وقع للتو فرسم بحراً من أشكال، وأطلق كماً من الألوان التي قد تعجز الريشة عن خلطها ووضعها بمتناول النظر. مزيج من ألوان ما تحت الماء، الأخضر مع الأزرق، والأزرق مع الأسود، وفي أحيان يتطاير الأبيض من هنا وهناك. إنها تدرجات ألوان فائقة الجمال. ألوان سببتها حركة الامواج العاتية، ونجح رصد الكاميرا باقتناص اللحظة.
جمال الحيوانات البحرية وألوانها كما أظهرتها صور خضر شري تدفع من فاته سبر أغوار البحر يحسد من فعلها. شرّي أطلق على صوره اسماء كمثل «أرقص معي». في تلك الصورة رسم انفجار الأمواج ثوباً واسعاً وطويلاً بالأزرق الغامض، ضاق النصف العلوي منه ليظهر وكأن ذراعاً تلتف على فراغ. تدرّج اللون الأزرق وتداخل مع الأخضر الغامق، وتوجته نتف من اللون الأبيض. وفي صورة أخرى لغضب البحر الداخلي كان انفجار الموج مختلفاً، وخفف من عنفه مزيج الألوان التي يعجز النظر عن التصديق أنها من فعل الطبيعة. هو موج ألوان متداخل من أخضر وأصفر وأبيض وأزرق وأسود في غاية الجمال.
مع صاحب معرض الحركة والسكون خضر شرّي كان هذا الحوار بين بيروت ولوس أنجليس:
□ صوّرت البحر فمن أين أتيت له بالسكون؟
■ عندما نكون في أعماق البحر نعيش مع حركة قوية جداً للأمواج، ومن خلال الصورة تمكنت من جعل تلك الحركة هادئة. ومن هنا أتى العنوان، وقبله تصوري للموضوع الذي كنت بصدده، أي التخفيف من قوة حركة
البحر أو تجميدها، وكأن أحدهم حيال رسم لوحة.
□ ما هي تقنيات التصوير التي استخدمتها والتي أنتجت تلك الألوان الأخاذة؟
■ منذ ثلاثين عاماً أحترف التصوير ومن بينه التصوير تحت الماء. أرغب بأن تحمل صورتي رسالة ما، وأن تعني من ينظر إليها. ورداً على السؤال فأنا استعمل افلاماً للتصوير تحت الماء، وليس الكاميرا الرقمية. بدأت العمل بالأفلام وما زلت استعملها رغم اتقاني لكافة التقنيات المستحدثة. وأنا استاذ يعطي الطلاب في احدى جامعات لوس أنجلوس تقنيات تظهير الأفلام في الغرفة السوداء. ثمة افلاماً تعطي ألواناً أعجز من وصفها. طبعت الصور التي شكلت مادة المعرض في لوس أنجلوس، على ورق خاص، وبعضها الآخر على ألواح ألومينيوم. اُنجزت هذه المرحلة من التحضير للمعرض بوجودي، فالصور جزءاً مني، وتربطني بها علاقة روحانية.
□ كم لعبت الصدفة دوراً في التقاط صورة «أرقصي معي»؟
■ التقطت تلك الصور في بحر أستراليا. تتشابه لحظة الصورة مع لحظات الرسم التي يقوم بها الفنان حيث تأتيه الأفكار فيعبّر عنها بالحركة واللون. الألوان بحد ذاتها تحرّك المشاعر والأحاسيس. حضور الشمس وزاوية التقاط الصورة هي التي تنتج الألوان في الصورة داخل البحر. لا يمكنني التسليم بأنها الصدفة، بل هناك عوامل متعددة لعبت دوراً. منها الأفلام التي استعملتها، ولحظة التصوير، والإحساس حيال الصورة.
نعرف أن الفيلم العادي يتضمّن 36 صورة، والصورة بشكل اساسي هي وليدة اللحظة. بطريقة فلسفية أجاب أحد المصورين المشهورين في الولايات المتحدة حين سئل: «كيف تعرف أن هذه الصورة يجب التقاطها»؟ فأجاب: «شعرت بطعمها». إنه الإحساس الذي يبدأ من القلب والعنين فيحدث هذا التواصل بينهما، وبالتالي الاندماج أحدهما بالآخر. في عصر الديجيتال يتم التقاط آلاف الصور وصولاً لاختيار صورة واحدة، مع الفيلم العادي أنسى نفسي تحت الماء وأنا بانتظار اللحظة المناسبة، والتي لن تتعد الثواني. الصورة تستدعي الصبر. تعرّضت لخطر الغرق أكثر من مرّة بعد نفاذ كمية الأوكسيجين التي أحملها. وأدين بحياتي لإحدى المنقذات حين اتت في لحظة حاسمة وأخذتني إلى الشاطئ. وعندما استعدت وعي عرفت خطورة ما حدث لي.
□ هل يتقارب عنف الموج تحت البحر مع جماله؟
■ صحيح. صورت بعمق عشرين متراً تحت سطح الماء فقط، فضوء الشمس يلعب دوراً في تكوين الصورة. كذلك استعمل ضوء الكاميرا، وعندها نكون مع صورة لها انعكاسات جميلة جداً.
□ هل تستحق الصورة أن تتكبد لأجلها كل تلك المخاطر؟
■ بكل تأكيد. لكن إن سألتني عن تكرار الأمر فالجواب أني أصبحت أباً وسأفكر ملياً قبل القرار. الشغف يُكبح لكن ليس على الدوام. للحظة تحت الماء احساسها الجذاب، إنها مرحلة انعدام الوزن تماماً كما على سطح القمر، إنها لحظات الهدوء العميق والموسيقى.