التشكيلي العراقي علي آل تاجر: الفن في حدوده المعرفية

تدعونا المعرفة الجمالية أن نتوقف عند منجز الفنان علي آل تاجر فقد أخذ بالفن إلى حدود معرفة الوظيفة الحية للتراث، وقدم تصورا فنيا بعيدا عن التلاعب بالمتخيل الغرائبي وتشكلت أغلب لوحاته على أسس موضوعية تخص بنية المجتمع العراقي، حاملا بذرة التاريخ والتراث والموروث في أهم حقائقه ومحاولاته في عدم الضياع والانصياع إلى حداثة من شأنها أن تلغي الهوية لهذا الفنان.
ومن يتمتع برؤية أعماله سيتوقف عند محاولات بنائية في المنطق المختلف لخصائص التكوين الفني، وهو من ضرورات مركزية عمله وتصوره الذهني، فليس من الغريب أن نجد أطروحته (مكانية) فمحاولته في الرسم تتجه للتعريف (بهويته وبيئته) وفق طاقة التشكيل والإثارة، التي يحملها العمل، وليس غريبا أن تتكشف براعته وفقا لإملاءات تستهدف الجذب الرمزي وإحيائه في العمل ومخاطبة الذات الإنسانية، وهذا ما يحصل في نوع من السردية داخل التكوين الفني، هذا الاستثمار لم يكن نتاجا لفاعلية حسية ولا لذاكرة حية تلهب حماس هذا الفنان، إنما هرع لتمثيل فترة زمنية من تاريخ العراق كنوع من مصدر القوة والحفاظ على الثراء الروحي للموروث، وفي اتجاه كل ذلك نجد مبدأ الموضوع وحساسيته وهو لغز جمالي يثيره كلما تمعنّا في تعبيراته وانتقالاته الفنية.

وهذا يؤشر إلى انتقائية أسلوبية تبدو حرجة وتتطلب مهارة في ذلك، وهنا يكمن سر هذا التحول الجمالي في أعمال علي آل تاجر، ففن كهذا لا يتنصل عن النشاط الذهني أولا، ولا عن منطق رؤية الاشتغال على موضوع الخطاب الفني، إننا إذن أمام خيارات متعددة أراها تتناسق بشكل لافت كلما أمعنا كمتلقين لأعماله، وفي المقابل هناك سرد يؤدي وظيفته كواجهة تخضع لمنظومة هذا الفنان بمعنى أن إرادة علي التاجر في الفن وسرد المشاهد بصيغ أقرب للواقع الاجتماعي تجعلنا أمام نوع من الجذب المنظم، وهو جذب يتجه نحو الرمزي ومطابق لضرورة المجتمع، وعليه ليس الفن هنا سلعة للتذكير في وقائع، إنما عملية إدراك لتاريخ معاصر له مسبباته ومبرراته وأهميته وما يحيط بكل عمل فني له هو استرجاع واستثمار لطاقة حقيقية، وليس تأكيدا للوهم القابع في الذاكرة.

هذا الفن يكشف عن توازن بين النفس، وخطاب الجمال فكل أشكاله لا تلجأ إلى الضغط الأيديولوجي أو إخفاق القناعة في تبرير ذلك، إنما تتخذ طابعا لجذر موضوعي حساس ليس بالضرورة أن يكون (حمّال أوجه) إذ نجد ما يبرر رسالته التعبيرية، فنجد مغزى سياسيا، وهناك طابع اجتماعي يتوفر على شعور من مساحة مضاعفة لتوظيف (الحياتية في العمل الفني ) لكنها حياتية زاخرة بالتراث والعودة إليه وحتى الإغواء في بعده التعبيري، وهكذا تبدو متواليات الرسم عنده دائما في مغامرة شكلية تحافظ على رسالتها وما تحمله من مدلول وأسلوب كل ذلك يقع في تأسيس الالتزام بين الذاتي والموضوعي وهكذا تتوازن اشتغالاته بين المعرفة ورصانة التكوين، بالإضافة إلى أناقة الشكل وتقنيات الفعل الفني، فلا نجد له انقطاعا عن التمثيل اليومي والمكاني معا، والأمر يمثل تصورا لمشروع شامل يفرض نفسه على المتلقي، ضمن مفاهيم تخص هذا الفنان، أحيانا تتخذ شكلا تعبيريا، وأحيانا تهيمن عليه الواقعية وتنفتح أعماله على التأويل المرتبط بالتاريخ المعاصر، إذن نحن أمام مواجهة ومخاطبة تمثل تنوعا في نتائج جمالية وفق قراءة خاصة أقرب لنزعة بنائية تخصه من زوايا معينة.

شخصيا أدرك أهمية هذا الولع بالعودة إلى الأصول في فن علي التاجر وتصاهر مواقفه، وأهمية نتائج ما يصبو إليه في لوحاته وأدرك أن رؤيته الجمالية هي جزء حي من ثقافة بصرية تدرب عليها، سواء في الذاكرة أو المخيلة فينبغي أن لا يكون محايدا أمام موجة الجمال الذي يجاري أعماله الفنية، إنه يثرينا بمشاهد لها شيفرات ونزعة من العلاماتية التي ستتضح يوما ما لتكون وثيقة على أسلوبيته ونزعة اكتماله مع الفن.
كيف يفهم المتلقي أعمال علي آل تاجر؟
مثل هذا التساؤل ستشترك فيه الذائقة والنظرة التأملية للمتلقي في ما يشير إليه موضوع اللوحة، فهل يستكمل بناؤها العام (شكلا ومضمونا) في مظاهر لعبة خالصة من التعبيرية؟ أم الهدف منها أن تحيي موضوعا يتفق مع المتلقي وينتظر التعبير عنه، الصورة التي يرسمها لنا هذا الفنان في الحقيقة، لا نجد صعوبة في الحديث عنها، إنها نتاج مساهمة لفعل حياتي، لكن المختلف هنا طريقة التعبير الفني ومدى ألفته وإنجاز طرازه في الخطاب الفني، وهناك وشائج متعلقة بين اللوحة والمتلقي يأخذها الإيقاع النفسي أولا إلى مساحة من تأمل خاص ومتفرد، وتجعل من إيحاءات العمل ثوابت للتأثير في المتلقي ليس من نوع التراجيديا مثلا. مثلما تحدث في باقي الفنون البصرية، إنما هناك تحول بصري يثير فينا أن نتخاطب معه وفق حدس معين، أو ميل ذاتي يظهر بواطن فن آل تاجر للمتلقي كأنه استثمار وتأصيل معين، ومع هذا يبقى التساؤل كيف نفهم لوحاته ووفق أي قراءة؟ نفهم لوحاته على أنها انعكاس يصورها وعيه وخياله، وهي امتداد لفهم الواقع ومهادنته أو الانتساب إليه، إنه يحاصرنا بتخطيط يجعل من الفن رسالة لمعنى وجودنا.

كاتب عراقي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية