بتأثير الغيبوبة التي تحوّلت إلى آلية لقراءة مجمل السياقات المحيطة بالإنسان دون بناء ظاهري محدد، تعيد شيرين فتحي في روايتها «خيوط ليلى» سرد قصص مجموعة من النساء في إطاراتها الرتيبة والمتشابهة، والمحمية والمقموعة بنسق عام، وتعاين محاولات الخروج عن الخط المرسوم، وتصل إلى نتيجة غالبا ما تتجلى مقهورة بالفشل وبالوقوف والاستمرار داخل نسق قدري محدد لا يتجاوزنه. فمن خلال حالة الغيبوبة الخاصة بالبطلة ليلى نتيجة لحادث لم يتمّ الكشف عنه إلا في آخر ورقة في الرواية وإشارة بسيطة جدا في منتصفها، تؤسس الكاتبة توجها لجرح الرتابة، والخروج من النسق الجاهز من خلال اقتراح قصص مغايرة، أو الإشارة إلى إمكانية خلق تمددات أو مسارات مختلفة كان يمكن أن تحدث، أو تتجلى مطروحة للتحقيق.
في ظل وجود ليلى الشخصية الخيالية التي يخلقها رشيد – قبل الوصول إلى صفحة النهاية، وإدراك أن العمل الروائي يقوم على فعل استعادة الذاكرة، وما يحدثه من إزاحة وزلزلة بين الخالق والمخلوق أو بين الواقعي والمتخيل، وإحلال كل واحد منهما مكان الآخر – تتمحور الرواية حول رغبة ليلى الشخصية المتخيلة في الخروج من العالم الروائي المرسوم لها من قبل المؤلف رشيد، والتحرك وفق مسار آخر يباين طبيعة (المرأة الملاك) المرصودة والمشكلة من أزمنة سحيقة، لتؤسس وجودها في الجانب الآخر، من خلال رغبتها في أن يغيّر رشيد حكايتها، أو على الأقل يستبدلها بشخصيات أخرى تقف مستقرة على الجانب الآخر.
والرواية من خلال اعتمادها على فعل استعادة الذاكرة أو خلقها، تثير الكثير من التشتت في تلقي العمل، لأن هناك دخولا أثناء السرد لأصوات عديدة، وتحتاج إلى انتباه شديد للتعرف عليها، ومعرفة الواقعي من الخيالي، هذه المعرفة التي سوف تظلّ مجروحة وناقصة إلى النهاية، فما نعدّه واقعيا وحقيقيا مثل المؤلف رشيد، وزوجته رقية يتحول إلى خيال، من خلال الذاكرة المصنوعة، وما نتيقن من طبيعته الخيالية المصنوعة من الكتابة مثل ليلى، أو زوجها سامح يتحوّل في الأخير إلى شخصيات واقعية، وهذا يؤشر إلى فكرة خاصة تتعلق بالتداخل بين الواقعي والخيالي.
التمرّد وفاعلية النسق
تمرّد الشخصية في النص الروائي ومحاولتها الخروج من حدود الدور المرسوم لها، يتمثل في خروجها عن المنحى الفكري للكاتب، بالتماسها خيارا من الخيارات العديدة المتاحة للحركة والتمدد، وهذا التمرد على خطط الكاتب يحمل في الوقت ذاته تمردا على الواقع والسياق. وهذا يعني أن الشخصية تطلّ حية بعيدا عن المؤلف، حيث تتحرّك في سياقات تخلقها وتعيش فيها، وكأنها تعدّل وتضيف في ذاكرتها لخلق مسار جديد، فتتحرر من سلطة التنميط السابقة المتمثلة في المؤلف الإله، وكأنها تقدم خطابا تكميليا أو نقديا للنص الذي يكتبه. يتوغل نصها بالتدريج في الإضافات داخل الخطوط العريضة للمؤلف.
ولكن المشكلة تتمثل في كيفية حدوث التمرد في ظلّ وجود سطوة وقدرة مهيمنة وخالقة للمؤلف، حتى في وجود المسارات العديدة للحركة، والخيارات العديدة لتحبيك أي حكاية وتشكيل أي شخصية. فالتمرد هنا يتولّد من سياقين: سياق المؤلف الذي يرتبط بالصمت والبعد عن الكتابة، وذلك ليقينه أن هناك توزّعا بين توجهين، توجّه مرسوم ودقيق ومتأصل، وتوجه تولّد من الانحراف دون قصد بفعل مشهد أربك اختياره، وأربك الشخصية من داخلها فلم تعد قانعة بالخط والتنميط المرسوم. أما السياق الآخر فهو سياق يتعلّق بالشخصية حين يدخلها المؤلف مشهدا لا يتوافق مع تحديدات الثبات، فتشعر من خلال هذا المشهد والتحبيك ببداية ولادة حال مغايرة. فالشخصية في لحظة التشكيل- أو في بداية تكوينها على الأقل- أقرب للسيولة التي تتنازعها مناح عديدة، فيحدث أن يدخلها المؤلف مشهدا يتولد من خلاله مسار جديد للحركة والتكوّن، تفقد من خلاله انسجامها السابق.
والمتأمل للشخصية الرئيسة والشخصيات الأخرى المصاحبة التي جاءت معها لتأكيد توجهها، أو لإضافة دلالة أو تلازم محدد في إطار الفكرة الكبرى، مثل شخصية ناهلة المريضة بالسرطان، أو شخصية سارة التي تبحث عن رائحة حبيبها المفقود ونموذجها مع كل رجل تقابله، يدرك أن ليلى هي الشخصية الوحيدة التي تنجح في تسوّر النمط، أو الهروب والخروج من النص الروائي، وذلك من خلال توقف المؤلف أو صمته لمدة عامين، فناهلة المريضة بعد محاولة الانطلاق أو الهروب في التفكير في الطلاق والسكن بعيدا عن المشفى تعود منضوية داخل سلطة المؤلف في الفصل التالي، فلم تستطع تمزيق أوراق المؤلف وإعادة القص من جديد.
فاعلية تكرار النسق وثباته لا تتوقف عند حدود الجمل البسيطة المتشابهة التي تسدل واقعا منضويا داخل حدود النسق، مع كل نموذج أنثوي، بل يأخذ هذا التكرار مدى أوسع. فمن خلال فقد الجدة لجزء من ذاكرتها – وهي آلية حاضرة مع نساء الراوية الجدة والأم والبطلة – واستيلاد ذاكرة جديدة، كانت تتقمص في كل نوبة دور شخص، تقول الرواية في وصف واحدة من هذه النوبات: (في إحدى المرات تقمصت دور إحدى العرائس الخشبية، ربطت يديها ورقبتها بالخيوط، وبدأت تتحرّك كالعرائس، ولكن أحد الخيوط التف حول رقبتها وخنقها).
تتجاوب مع الآليات السابقة حالة الانزواء، أو حركة الانزواء إلى الداخل وصناعة حياة مملوءة بالخصوصية، مثل اختيار الركن، واختيار الكنبة والحائط أو الجدار، بوصفها جزئيات عالم يخصها. فهذه الأشياء بما توجده من خصوصية لا تفرض إطارا من الخصوصية فقط، فهي في تأكيد هذه الخصوصية تصنع عالما فريدا يرتبط بالانزواء، والانعزال عن الآخر والشريك طالما هناك فقد للإيقاع، لا يمكنهما من صياغة لحن موحّد، وجزئية الانزواء قد توحي بالضعف، لكنّ بها جانبا من جوانب المقاومة يتمثل في الاستغناء، لأن البعد عن المشاركة يصبح في حدّ ذاته نوعا من القوة، فأحلام اليقظة أو الأحلام بشكل عام بقدر ما تحقق السعادة في جانب، تصنع حاجزا يحدّ من معاينة الواقع والارتباط به، تقول الرواية في وصف الصلة الخاصة بالجدار الذي تكتب عليه حكايتها: (كان الجدار طيبا يربت على كتفي ويراضيني، تحوّل هذا الركن بمرور الوقت إلى بيتي صرت أقضي فيه طيلة النهار وكثيرا من الليل أيضا… انقطعت عن النوم بجوار سامح… وتعلمت أن أحضن الجدار بعيني وأنام… أصبح الجدار بمرور الوقت رجلي الذي أتحامى به من عصبية سامح، وأهرب إليه من طلبات الطفلين).
البناء والتماهي
بين الخيالي والواقعي
القارئ للرواية يدرك أن هناك إشارات لافتة لإسدال حالة من التوحد بين رقية – في الإيهام بوجودها الواقعي طوال صفحات الرواية – وليلى من جانب، وبين سامح ورشيد من جانب آخر، وكأن الكتابة النمطية يحددها الكاتب الخالق والزوج الذي يتخيل نفسه أنه إله، وفي إطار ذلك تأتي محاولة الهروب من الحكاية والتمرد والكتابة البديلة للحكاية على الجدار، وكأنها كتابة تعدّل وتحوّر هذه الكتابة المشدودة للسياق النمطي الموروث. ومن هنا يحدث الصراع بين المؤلف والزوج، فكلاهما شبيه بالإله الخالق، والشخصيات لها اختياراتها الأخرى المغايرة لخيارات المؤلف الذي يشكل النسق.
بناء الرواية يتوافق مع حالة الغيبوبة التي تمرّ بها البطلة ليلى، من خلال حضور أصوات عديدة بشكل متلاحم ودون فاصل، بداية من المفتتح، حيث يسرد لنا حوارا متخيلا أو حلما بين رقية ورشيد) وتتأسس قيمة المفتتح في توليد قيمة أساسية في الرواية، تتمثل في زحزحة الفاعلية من المؤلف المفترض/الإله رشيد إلى الشخصية المتخيلة في النص الروائي، فهذه الشخصية تمارس تأثيرا في المؤلف، وفي واقعه المحيط، من خلال التأثير في حركة زوجته الفعلية.
في بعض الفصول – الفصل العاشر على سبيل المثال – نجد أن هناك توزعا بين صوت رقية، والحوار من خلال صوتي رشيد وليلى، ويختم بصوت رشيد للتعبير عن حالة التمرد التي طالته والزوج اللذين لا تكف الرواية عن الإشارة إلى توحدهما للإيهام بمساحات التداخل بين الواقعي والخيالي. وربما يكون من المجدي في عملية التأويل الوقوف عند دلالة سارة، إحدى البطلات التي جاء ذكرها بشكل جانبي في إطار الحكاية الأساسية الخاصة بشخصية (ليلى)، فمن خلال التحبيك الخاص أعطى الكاتب لشخصية ليلى قدرة خاصة، فلها عينان تنفذان بين الأوراق والأدراج، وتنفذ حتى من الغرف المغلقة الموصدة، مما جعلها على وعي تام بالبطلات السابقات لعالم المؤلِّف الروائي.
تفيد الحكاية الجانبية الخاصة بشخصية سارة في توجيه المتلقي إلى جزئيات تتعلق بالبطلة ليلى وبالكاتب رشيد، لأن وجوده – على هذا النحو في قصة البطلة ليلى التي تتجلى واقعيتها في النهاية في مقابل التكوين الخيالي لرشيد – يحتاج إلى تبرير، من خلال وجود مقموع يطل في لحظة الغيبوبة أو غياب الإطار الذهني المتحكم. ربما يتشكل التبرير من خلال الانتباه إلى حكاية سارة، وحركتها التي تمثل رد فعل على التبعثر والتشظي في لملمة وتشكيل الانسجام بعد فقد المحبوب المثالي أو النموذجي.
تكتب شيرين فتحي الرواية بنمط وروح القصة القصيرة المرتبطة بالأسطوري والشعائري والنقصان الدائم، فليس هناك بناء متنام بشكل مباشر، وإنما هناك التفاف ودائرية مقصودة لتمرير الحدث بطريقة ملتوية، في ظل وجود مساحات من التوحد والتكامل والتنافر، لخلق سياق غائب والاقتراب منه، وخلخلة وزحزحة سياق مطبق ولو بالخيال في لحظة استعادة الذاكرة التي تضع الواقعي في إطار ممزوج بالأماني المستحيلة.
يؤيد ذلك التبرير أو الفهم في تعبيراتها اليقظة للإيحاء بالدلالة، وقوفنا عند نهاية الفصل التاسع عشر من خلال صوت ليلى (أنا كلبة… قايضت سعادتي وحياتي كلها لأجلك). فهذه الجملة بالكلمات ذاتها تتكرر من خلال صوت رقية زوجة رشيد، لكي تتأكد لنا طبيعة التوحد والإيهام بين الواقعي والخيالي. فمن خلال هذه البنية الملتبسة يمكن أن يحل كل قسيم منهما مكان الآخر، وسوف يتأكد لنا مشروعية هذا التوجه في التلقي حين ندرك أن الواقعي يمثله (ليلى وسامح)، وأن الخيالي – كسرا للفهم طوال صفحات الرواية – يمثله (الكاتب رشيد ورقية زوجته)، ليظل السؤال الآتي حاضرا: أيهما الواقعي ما نعيشه مقهورين، أم ما نصنعه بخيالنا لكي نستطيع الاستمرار؟
شيرين فتحي: «خيوط ليلى»
الهالة للنشر والتوزيع،
القاهرة 2020
240 صفحة.