فيلم «وتر النار» للمخرج العراقي حسَّان كلاوي: الاقتراب من لحظة الأمل في ساعات المحنة

مروان ياسين الدليمي
حجم الخط
0

ليس من السهولة بمكان إنتاج فيلم روائي من دون أن تتوفر الحدود الدنيا من الإمكانات المادية الإنتاجية، فوجود الموهبة والوعي بالفن السينمائي والحضور القوي للرؤية لدى من يعمل في هذا الميدان رغم أهميتها، إلاّ انها في كثير من الأحيان من الممكن أن تصل بالتجربة إلى طريق مسدود إذا وجدت نفسها بلا غطاء إنتاجي يفتح أمامها السبل حتى تتحول الأفكار إلى واقع ملموس على الشاشة، فلا جدال في أن السينما قبل أن تكون خطابا فنيا معبأً برؤية فلسفية إزاء الحياة والواقع والإنسان إلاّ أنها تبقى صناعة، بمعنى أنها تحتاج إلى تمويل وبدونه ستجد الأفكار الطريق غير سالك أمامها، وإذا ما وصلت إلى خط النهاية فإنها ستكون شاحبة.
في مدينة الموصل العراقية وبعد أن تحررت يلاحظ أن لدى عدد من الشباب أعمارهم تتراوح بين 25-30 رغبة كبيرة في أن يقدموا مشاريع سينمائية معظمها من وحي التجربة المريرة التي مرت بها مدينتهم خلال السنين الماضية، حيث شهدت موجات من العنف والرعب استهدفت كل ما يشير إلى مدنيتها التي اتسمت بها خلال عشرات السنين، بهدف تدميرها ومحوها من الوجود، وقد تجلى ذلك خلال الفترة التي سيطر فيها تنظيم الخلافة «داعش» والتي استمرت ثلاثة أعوام، وتمكن بعض من هؤلاء الشباب أن يقدم أفلاما روائية قصيرة عرضت في مناسبات خاصة، ومن بين تلك الأفلام تمكنت من الوصول إلى مهرجانات سينمائية والمشاركة فيها، ويمكن القول هناك ما يشير إلى أن من الممكن المراهنة على أننا سنشاهد أفلاما تصلح أن تعرض على الأقل في مهرجانات محلية وإقليمية.
المخرج الشاب حسان حازم كلاوي واحد من المواهب الشابة التي اعتلت المشهد المحلي خلال هذه الفترة من خلال مجموعة أفلام وثائقية أخرجها للفضائيات، لكنه هذه المرة اختار أن يخوض تجربة الفيلم الروائي بعد أن وجد في هذا النوع ما يفتح أمامه فرصة جديدة للتعبير عن أفكاره، فمساحة التعبير هنا والأدوات التي يتعامل معها تختلف بدرجة كبيرة عن الفيلم الوثائقي الذي جرب العمل في ميدانه، فجاء فيلمه الموسوم «وتر النار» ليؤكد مرة أخرى على أنه قد امتلك ناصية الفهم في الدخول إلى هذا العالم الذي يختلف تماما في بنيته عن الفيلم الوثائقي، على اعتبار أنه عالم قائم على سلطة التخييل رغم واقعية ما يطرحه من أحداث وشخوص وزمان ومكان، وبنفس الوقت فإن تراكم الخبرة جعله يدعم الفيلم بلحظات مشبعة بالواقعية عندما استعان بعدد من اللقطات من الوثائقية التي سُجلت أثناء تحرير مدينة الموصل فبدت جزءا من عناصر الفيلم وليست مقحمة عليه.

حكاية الفيلم

كتب سيناريو الفيلم بيات مرعي الذي يملك رصيدا كبيرا من الكتابة في إطار النصوص المسرحية والقصصية إضافة إلى انه سبق أن أصدر رواية في العام 2020 بعنوان «زقاق الجمجم».
أما عن المتن الحكائي للفيلم فيتحدث عن عائلة موصلية تعيش محنة الرعب والخوف خلال الساعات الأخيرة التي شهدتها مدينة الموصل قبل أن تتحرر من سلطة تنظيم الخلافة، وتتكثف البنية الدرامية عندما تحين ساعة ولادة الزوجة بينما القصف كان شديدا على المدينة من جهة، ومن جهة أخرى محاولة عناصر تنظيم الخلافة إخراج المدنيين من بيوتهم لاستخدامهم دروعا بشرية في الحرب، وفي ظل هذا الصراع الذي ينعدم فيه أي إحساس بالأمل، يتابع المخرج العوالم النفسية لشخصيات الفيلم، فاتحا الأسئلة أمام المتلقي حول إمكانية أن تنجوا من شباك التجربة التي وقعت فيها، وبعد أن يضعنا في منطقة المحنة التي تمر بها الشخوص الرئيسة يصل بنا إلى اللحظة التي تكشف مدى بشاعة الحرب وعبثيتها عندما يكون ثمن نجاة رب الأسرة والوليد الجديد موت الزوجة وبقية الأطفال إثر قذيفة تسقط بالقرب منهم أثناء محاولتهم الخروج من المدينة والحرب مشتعلة.
ربما ليس مهما حكاية الفيلم بقدر ما تبدو الأهمية في المجموعة التي قدمت لنا هذه التجربة وبإمكانات مادية بسيطة جدا، وهذا ما يؤكد مرة أخرى على ان من المهم أن تتوفر الموهبة والفهم السليم للفن السينمائي. وإذا ما أردنا الحديث عن العناصر الفنية التي توفرت في شريط «وتر النار» الذي استغرق زمن أحداثه 30 دقيقة، فإن أول ما يلفت الانتباه قدرة المخرج في إدارة التصوير، وهذا ما يشير إلى أن الميزة التي توفرت فيه تتمثل في ما يمتلكه من حساسية واضحة في بناء اللقطة باعتماده على أهمية الإضاءة لإيصال الفكرة، وعلى الرغم من بساطة أجهزة الإضاءة التي اعتمدها، وتكاد أن تكون بدائية مثل الفوانيس، إلاّ أنه تعامل معها بالشكل الذي خلق مساقط ضوئية بتدرجاتها لاصطياد ما يدور في أعماق الشخصيات الرئيسية من تحولات نفسية، خاصة في المشاهد الداخلية التي دارت معظمها في قبو بيت موصلي بطراز شرقي.
وإضافة إلى الإضاءة التي حملت شحنة درامية فإنه كان موفقا في إدارة حركة الكاميرا وتنويع اللقطات من حيث الأحجام والزوايا، حيث بدت كل جزئية من عناصر السرد الدرامي متراكبة مع بقية الأجزاء، ومعبرة عن دلالة مقصودة تتوافق مع خطاب الفيلم الساعي إلى العزف على وتر ما تبثه الحرب من ذاكرة مشبعة بمشاعر الخوف والهلع.

فريق التمثيل

وبقدر ما كان المخرج موفقا في الاقتراب من إيصال المناخ النفسي عبر أدواته الفنية ممثلة بإدارته للتصوير وضبطه للإيقاع، إلا أن ذلك لا يعني وجود بعض الثغرات التي كان من الممكن تجاوزها، فالمجموعة التي أدت شخوص عناصر تنظيم الخلافة، كانت ضعيفة بشكل واضح وهذا ما فتح الباب للسؤال عن الأسباب التي دعت المخرج للاستعانة بأشخاص من المنطقة السكنية التي تم تصوير أحداث الفيلم فيها، وقد يكون وراء ذلك محاولته إضفاء نوع من الواقعية لكن ذلك لم يتحقق، وربما السبب يعود لعدم وجود ميزانية مالية للفيلم تسعفه لكي يعتمد على ممثلين محترفين. لكن الممثل محمد العمر الذي أدّى شخصية رب الأسرة كان عاملا رئيسيا في الإمساك بالأداء وجعله متوازنا ومؤثرا في الكثير من اللحظات، والعُمَر ممثل محترف، يملك خبرة طويلة في التمثيل تمتد إلى أربعين عاما قضاها وهو يقف على خشبة المسرح، إضافة إلى مشاركته بعدد من الأفلام الروائية والمسلسلات، وبذلك أضفى حضوره تأثيرا قويا إلى جانب الممثلة غصون العمري التي أكدت مشاركتها الأولى على أنها تمتلك الفرصة لأن تكون ممثلة لها شأن مهم إذا ما استمرت في العمل.

صراع مع الوقت

إزاء هذه التجربة لا يسعنا إلا أن نهنئ المخرج وكاتب السيناريو وبقية العاملين لأنهم بمثل هذا العمل يعاندون الوقت الذي يجري ليس لصالحهم، ولكن الإصرار الذي يدفعهم إلى العمل يمكن المراهنة عليه في أن نرى تجارب أخرى ربما أكثر نضجا، وإذا ما وجدوا دعما وتفاعلا ملموسا من قبل جهات غير رسمية فإنهم سيحافظون على استقلاليتهم في التفكير بعيدا عن سلطة المؤسسات الرسمية والمنظمات التي أكدت كل التجارب على أنها تفرض قناعاتها في صياغة الخطاب الفني، وهذا ما ينعكس على حساب مصداقيته.
تم عرض الفيلم في مؤسسة ملتقى الكتاب بمدينة الموصل بتاريخ السابع من شهر كانون الثاني (أكتوبر)
الماضي وبحضور نخبة من المثقفين والفنانين.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية