حيوية لافتة في مسرح المونو منذ بدايات الصيف الماضي فماذا عنها؟
بيروت ـ «القدس العربي»: في واقع اقتصادي صعب لبنانياً قررت الممثلة والكاتبة والمنتجة جوزيان بولس استئجار مسرح المونو التابع للجامعة اليسوعية، وإدارته برؤية جديدة. وفي 18 أيار/مايو الماضي بعثت برسالة عبر «غروب واتس أب بإسم مسرح المونو» لـ«الأصدقاء في الإعلام» معلنة سعادتها بإدارة المسرح. ودعتهم للتواصل سواء لحضور العروض المسرحية، أو لأي توضيح. ومع انطلاق عروض مسرحية «العادلون» في 22 أيار/مايو ومسرح المونو يعمل بانتظام. والجديد المُعلن أنه خلال الحوار مع جوزيان بولس كان البرنامج اليومي والشهري محجوزاً إلى 23 تموز/يوليو 2023.
إنها حيوية مسرحية مميزة جداً في بيروت التي تلفها العتمة، فعل إيمان بالمسرح والفن من قبل جوزيان بولس.
معها هذا الحوار:
○ تتولين إدارة مسرح المونو فكم تآلفت شخصيتك كفنانة مع هذه المهمة؟
• إلى جانب الفن أعمل في الإنتاج منذ زمن بعيد، واعتدت الإدارة. وكانت لي شركة «إدارة حفلات وإطلاق مشاريع» وتخليت عنها قبل ست سنوات. ففي مرحلتي العمرية هذه أردت الالتزام بمهنة أحبها وهي المسرح بكل تأكيد. هكذا بدأت إنتاج المسرحيات، مع حضور في التمثيل حيث أرغب. وفي يوم من أيام الحجر خلال جائحة كورونا شغلني حال مسرح المونو. ووجدته يحتاج لتجديد، خاصة وأنه كمكان يشكل جزءاً مني. فأكثر من نصف مسرحياتي عُرضت على خشبته. أحب هذا المسرح وتاريخه العريق. كبار المسرحيين من لبنانيين وعرب، ومن العالم مروا من هنا. وهكذا أسست جمعية «كريال» مع آخرين يحبون المسرح وليسوا بفنانين، وتقدمنا بطلب للجامعة اليسوعية بحيث نكون إدارة مستقلة للمسرح. وهذا ما حدث، فأنا هنا في منزلي الثاني، وحلمي تحقق.
○ ومن هم أعضاء جمعية «كريال»؟
• تتألف من نديم شمّاس الذي يؤدي أدوراً عندما يرغب، وهو مختص في الأزياء. والمصرفي وجيه عكّاري. وتانيا رزق مديرة لمصرف، والكاتب المعروف ألكسندر نجّار. وها نحن الخمسة معاً نخوض معركة إعادة الحياة لمسرح المونو بعد كورونا.
○ ما هي الرؤيا التي قررتم العمل من خلالها؟
• إلى جانب تنشيط العروض المسرحية، نهدف أولاً ليكون مسرح المونو مكان لقاء. ونحن في هذا الحوار صباحاً، تجري قراءات وتمارين لأعمال مسرحية مقبلة في صالتي المسرح، قد تُعرض هنا أو في مسرح آخر. وأهم الأهداف التي بدأت تتحقق أننا أصبحنا مسرحاً منتجاً لأعمال مسرحية لمخرجين وممثلين في خطواتهم الأولى. الأسبوع الماضي قدمنا عروضاً لمسرحيتين قصيرتين لخريجين جديدين من الجامعة اللبنانية. العرضان قُدما في فضاء مسرحي واحد، وديكور واحد، وبيعت بطاقة واحدة للعرضين معاً. زمن كل مسرحية 25 دقيقة، ووجدتا نجاحاً جميلاً جداً. وقريباً سنكون مع مسرحية «توك توك» بمبادرة من فتاتين تقدّمن لنا بمشروعهن، وتبنيناه وبإنتاج مشترك. والإخراج لأنطوان الأشقر المعروف في عالم المسرح. «توك توك» مقتبسة ومترجمة من الفرنسية من قبل الصبيتين. وأنتج مسرحنا في نهايات تموز/يوليو الماضي ستاند أب كوميدي لستيفاني غلبوني.
○ يبدو أنكم اعتمدتم سياسة الأخذ بيد المتخرجين الجدد؟
• نعم وهذا جزء من تطلعاتنا. وفي نهاية السنة الجامعية الماضية منحنا الفرصة لخريجي معهد الفنون في الجامعة اللبنانية لتقديم الدبلوم على خشبة مونو ببدل رمزي. وضعنا المسرح بتصرف 13 صبية وشاب من المتخرجين. ونعمل لتقديم عروض مجانية أحياناً. ونظمنا قراءات مفتوحة للجميع دون أي بدل بهدف أن يعتاد الجمهور إرتياد المسرح. وكما ترين «لوبي» المسرح بات جاهزاً لاستقبال الراغبين بعقد اجتماعات عمل. ويمكن للبار أن يكون بخدمة الجميع. ونسعى لوضع قاعة بتصرف الراغبين في القراءات المسرحية التي تسبق التمارين.
○ هل تستجيبون لحاجات الجامعة اليسوعية فيما يتعلّق بطلاب المسرح؟
• للجامعة مسرح «بيريت» ضمن حرم كلية الآداب مخصص لطلاب المسرح. ونحن بصدد هذا الحوار الآن تتابع مجموعة من طلاب الجامعة اليسوعية التمارين لعرض مسرحي على خشبة المونو، يعود ريعه لجمعية «إنبرايس» التي تُعنى بالصحة النفسية. تقاضينا بدلاً رمزياً يفي بحاجة المحروقات لتأمين الإضاءة والتكييف فقط.
○ ونحن نتحاور ورد تعبير دعم وتشجيع وسعر رمزي ومجاناً مرّات عدة. هل تتلقون دعماً من المصارف كما سابق عهدها قبل الإنهيار؟
• تضحك وتقول «ولا نحاول الاقتراب منهم». نحن نؤجر المكان ونسعى لمصادر دعم من غير المصارف. حضورنا منذ أيار/مايو الماضي في مسرح المونو أدى إلى عاصفة ايجابية. ويمكن تشبيه حركة الناس في المسرح كما كرة الثلج تكبر بالتدريج. وكثيرون يعبّرون عن علاقة استجدت لديهم مع المسرح. وكذلك حال أهل المسرح بعضهم يحجز موعداً قبل أن يستقرّ به الرأي على العمل الذي سيقدمه. وهم يرددون أمامي بأني أعدت إحياء المسرح. السرور بعودة الحياة المسرحية إلى مدينة بيروت كبير، وهذا مشجع. وأذكر بعض الراعين للمسرح كما صوت الغد، ونوستالجي، وغيرهما. نعمل في كل الاتجاهات ليبقى المسرح مفتوحاً.
○ في الواقع الاقتصادي الذي تمر به الغالبية الساحقة من المواطنين كيف حال أسعار البطاقات؟
• اعتمدت غالبية المسارح سعر بطاقة يتراوح بين 5 و20 دولاراً. توافقنا على التسعير بالدولار لأن الأسعار تختلف بين الإعلان عن بطاقات المسرحية عبر مكتبة انطوان، وبينها حين تبدأ العروض. وقع كثيرون في الخسارة، ومنهم مسرحيتي «البنت اللي حبّت خوليو» وضعت البطاقات للبيع في شهر آب/اغسطس لنبدأ العروض في أيلول/سبتمبر، وكان بدلها 250 ألف ليرة، وصلت إلى المسرح وكانت الليرة قد سجلت انهياراً إضافياً. لهذا بات ضرورياً تقاضي الأسعار حسب سعر الصرف في كافة المسارح.
○ هل من صيغة اتفاق موحد بينكم وبين المخرجين أو المنتجين؟
• نحن نؤجر المسرح، ونؤمن التمارين. وكل مخرج يأتي بالتقنيين الذين يختارهم للصوت والإضاءة. ولدينا فريق يمكنه تنفيذ المهمة وببدل أقل من الآخرين، لكونه متفرغ للمونو. ونلتزم بتوفر المحروقات والتكييف.
○ بطاقة مسرح بين 5 و20 دولارا فهل من إقبال على المسرح؟
• مسرحنا «مفول» إلى تموز/يوليو 2023 بحجوزات من المخرجين والمنتجين.
○ وهل حجزت لنفسك مكاناً؟
• نعم وفي المسرح الصغير. سأعرض بأوقات متباعدة «البنت اللي حبّت خوليو».
○ في بيروت ثلاثة مسارح المونو والمدينة ودوّار الشمس هل يتنقّل الجمهور بينهما أم لكل مسرح ناسه؟
• سابقاً كان لمسرح المونو نوعية متفرجين فرنكوفون. الجيل الفرنكوفوني السابق كبر عمراً ولم يعد المسرح يشغله. والجيل الجديد نعمل لتشجيعه على ارتياد المسرح. نسعى لمسرح قريب من جيل الشباب كما «كوكو مك مك» وهي سوبر ستار على انستاغرام. شهرتها هذه جذبت الجمهور لحضورها في مسرح المونو، بينهم مراهقون بعمر الـ16 سنة. انستاغرام حياة هذا الجيل. واستقبلنا حسين قاووق المشهور على شاشة التلفزيون. وهو جذب جمهوراً لم يكن يعرف مسرح المونو. أهتم جداً بأن يقصد المونو جمهور من غير مناطق الأشرفية. برأيي أن الوفاق الوطني يبدأ من المسرح. فهو يتيح الاختلاط بين مختلفين يسعون لهدف واحد هو المسرح. ونعرف أن المسرحية التي يحبها الجمهور تبقيه في المسرح يتواصل مع غيره بشأنها ولا يغادر سريعاً. كذلك أشير إلى مسرحية «تعارفو» التي عُرضت على مسرحنا وساهمت بالكثير من الاختلاط والحوار. كما جمع مسرح الأطفال متفرجين من كافة الأنحاء. كذلك المسرحيات التي قدمتها الجمعيات. مشهد جميل جداً تواجد كافة أنواع الناس في لوبي المسرح. فالفن والثقافة يجمعان الناس وقد يشكلان خشبة خلاص لبلدنا وليس النفط. فالمسرح يفتح أفق التفكير والتحليل.
○ وماذا في جعبتك بعد من جديد؟
• حالياً أركز عملي على الإنتاج للشباب والشابات الجديدات. رغبتي كبيرة بخطوة تجعل الناس يقصدون المسرح خلال النهار. على سبيل المثال القراءات المجانية مع ممثلين معروفين في الصالة الصغيرة مرّة شهرياً. قد تكون تلك القراءات مسرحية أو لقطع مختارة من الكتب. بمناسبة 400 سنة على ولادة موليير كانت لنا قراءات على مدى خمسة أيام لنصوص مختارة من أدبه. قرأها ستة من الفنانين، وكان المسرح ممتلئاً. إنها الثقافة تُقدّم مجاناً لكبار السن ولمن ليست لديهم التزامات خلال النهار. نحن نتابع العمل لإيجاد تمويل كي تستمر تلك التجربة التي وجدناها مشجعة. وحُلمي الأكبر الحصول على هبة سبق وطلبتها بهدف تنظيم ورشة عمل مسرحية لمن يعانون من التوحُد. هناك ضرورة بأن نعطي الفرصة للمتوحدين ليعبّروا على المسرح، مما يساعدهم للتواصل مع المجتمع. أعمل مع معنيين في فرنسا لتكليف فريق مختص يدرب مجموعة ممثلين لبنانيين على كيفية مساعدة المتوحدين ليكونوا على المسرح. وأشير هنا إلى إنشائي لجمعية تُعنى بحالات التوحد ومتلازمة داون، كان ذلك سنة 2001 فإبنتي تعاني من التوحد. ابنتي ومجايلوها كبروا، وجميعهم يصرّ على الاستمرار.
○ أين يقع عرض «كوكو مك مك» ونحن ننظر إلى بوسترات بعض المسرحيين العالميين والعرب واللبنانيين الذين اعتلوا خشبة المونو؟
• إلى جانبهم. لا أفرّق بين العاملين في المسرح. كلّ من قدّم مسرحاً بالنسبة لي عملاق. مزاج الجمهور اختلف، ليس بالإمكان تقديم مسرح كلاسيكي كما شكسبير وأن تكون الصالة فارغة. قبل رسم المنهج الذي سنتبعه في مسرح المونو استندت إلى إحصاء. سألنا الناس ماذا يفضلون الكوميديا أم الدراما في المسرح؟ كانت الحصيلة 95 في المئة كوميديا، وهذا ما نعتمده. من المسرحيات الدرامية «نوال» للمخرجة لينا أبيض، وهي مسرحية لها ثقلها بالنسبة للنساء. المرأة دائمة السعي لتكون سيدة نفسها ومقررة لحياتها. وما يحدث حالياً في إيران بالنسبة للمرأة ليس مقبولاً. ليس للنساء العودة إلى الوراء، فالمرأة جسر ثابت في مجتمعها.
○ وهذا لا يمنع من القول بأن «كوكو مك مك» عرض يُبسّط العقول؟
• لن أدخل في نقد المسرحية التي تلعب عندنا، أترك الأمر للجمهور. وللعلم العروض «مفولة» وطلبوا يوماً إضافياً، فقد قدموا 20 عرضاً. «كوكو مك مك» موضة. مسرحية جذبت جيل الشباب، وهم بالطبع سيعودون إلى المسرح بحيث يصبح عادة لديهم. أقدر عالياً عمل جورج خباز فهو فنان تمكن من جذب جمهور لم يكن يفكر يوماً بالمسرح. ليته يعود للعمل.
○ وجهي الدعوة له؟
• لا يحتاج دعوة الباب مفتوح له ساعة يشاء.
○ هل تولى كارلوس غصن إنتاج «كوكو مك مك»؟
• ليس في علمي ذلك. نحن أجّرنا المسرح لمخرجة العرض نبال عرقجي.
○ كيف تصفين علاقة اللبناني بالمسرح؟
• إن بلغ جمهور المسرح في لبنان الـ10 آلاف فهذا «واو». ليس في بلدنا مهنة مسرح. العاملون في المسرح يجذبهم شغفهم. كثيرون من سكان بيروت لا يعرفون إسم مسارحها. لهذا أسعى لتنويع العروض بهدف جذب جمهور أكبر ومن مختلف الأجيال، ومن بيروت وخارجها.
○ وبعد؟
• «لاقونا ع» المسرح.