إيقونوغرافيات عربية

عثرت وأنا أعد حصة إذاعية عن فلوبير على تقديم تلفزيوني لكتاب يعود تأريخه إلى أواخر أربعينيات القرن الماضي عنوانه «فلوبير وثائق إيقونوغرافية» لفرنسي مغمور اسمه رينيه ديموسنيل René Dumesnil وهو كاتب وناقد موسيقى أصيل من مدينة روان الفرنسية التي ولد فيها الكاتب الفرنسي الشهير فلوبير. وفي حديثه عن هذا الكتاب يعرض مقدم البرنامج هنري غيلمان Henri Guillemin صورا من الكتاب لفلوبير أغلبها أخذ له بعد شهرته وهو على مشارف الأربعين من عمره وقد فعل الزمان في وجهه وفي شعره وفي امتلائه. وصورته وهي التي الآن بين الناس يمكن أن تقرأ ملامحها على أنها تمثيلات تحصل لنا من تأمل الصورة. فهو كما ورد على لسان ديمونسيل ملخصا الكتاب، رجل ذو بأس؛ أنزع أي أصلع في مقدمة الرأس، لكن له شعرا كثيفا من الخلف، جاحظ العينين وله شاربان عظيمان يجعلانه حسب الكاتب الفرنسي ألفونس دوداي يشبه أسد النهر؛ ما من شك في أن توزيع الشعر غير المتكافئ دال، وجحوظ العينين دال ولمن يتأمل الصورة أن يصف ما توحي به. وعند عرض صورته طفلا وشابا ركز الواصف على العينين وما تحمله من دلالة على الحزن مرة، وعلى الثبات والرسوخ أخرى.
البحث الإيقونوغرافي (وهي نسبة إلى الإيقونة ويعني الصورة وما تحمل عليه كالمنحوتات وغيرها) ليستقرئها بما هي سند لعلامات محملة بالدلالات. في عصر الصورة تغلبت السيميائيات البصرية على غيرها، وحتى في العصر الذي لم تكن فيه الصورة أساسا للدراسات العلامية، كانت الصورة مثار دراسة جمالية ونفسية وأخلاقية، بقطع النظر عن كون تلك الدراسة موجهة إلى الفن أو إلى العلم أو إلى الأخلاق. لا يمكن أن تقرأ صور الأشخاص بحياد، فأنت حين تنظر في صورة ما لشخص معين ستحكم عليه بقيمة جمالية مثلا، لكنك أيضا سوف تستقرئ من خلال ملامحه خفاياه.
وحين تقرأ لفلوبير رويته الشهيرة «مدام بوفاري» أو رسائله مع عشيقته لويز كولاي فإنك لن تكون محايدا وأنت ترى صورته، سوف تراها بمنظار من انفعل بالنص وتجاوز انفعاله الخطاب القصصي أو الترسلي إلى صاحب الخطاب.
المعاني والأحكام الجمالية المعيارية على صورة ليست من مقومات الدراسة العلامية، يبدأ الربط العلامي حين نقرن بين هيئة العين والحزن مثلا؛ لا ترمز النظرة للحزن، بل هي نظرة يمكن أن تقودنا إلى معنى مشفر لنا فيها فلوبير بالعين إنه حزين. هناك فرق بين الحزن في عينيك التي أراها وأنت منتصب قبالتي والحزن الذي أراه في الصورة. الحزن الأول يقرأ على مباشرة وهو حالة متحولة حية، بينما الحزن الذي في العينين في صورة يقرأ على سند ثابت لا حي ولا متحرك القراءة الإيقونوغرافية هي الثانية وليست الأولى.
رسمت القصائد العربية القديمة وجوها ومفاصل في الوجوه كالخدود والأجفان والعيون والأفواه والشفاه والصدوغ واللمات والأجساد وغيرها من تفاصيل الجسد، وصفا يريد أن يجوّد المعاني الجمالية، وهذه الصفات ليست في القصائد من المعاني الإيقونوغرافية هي أدخل في الوصف الجمالي ولو ترجمناها اليوم إلى لغة العصر لقلنا، إنها رسم محسّن لهيئة من ترسم يشبه استعمال تقنية الفوتوشوب، فما من شك أن ثمة فرقا بين المرأة التي توصف في الشعر، والمرأة المرجعية وثمة فرق بين المرأة بما هي صورة حية والمرأة وقد أدخل عليها الشعر تحسينات توحي لنا بأن الشاعر لا يرى امرأة، بل يرى ملاكا فتك بقلبه واستولى على شغاف قلبه. لكن الشعر العربي قلما يصف لنا جملة المعاني التي يوحي بها الوجه الجميل لأن غرض الشاعر الغزل ليس أن يستقرئ الوجه، بل أن يتمتع به ويمتع به غيره عبر الوصف. لا شك في أن نساء الشعراء كبثينة جميل ولبنى قيس وعبلة عنترة وهند أبي ربيعة سيكن لو كان لهن وجود تاريخي حقا مختلفات عن وصف الشعراء لهن. وهذا ما قاله عمر ابن أبي ربيعة وهو يصف جمال امرأة: (وأرى جمالك فوق كل جميلة * وجمال وجهك يخطف الأبصارا). الجمال أو القبح إن كانا غير دقيقين فلأنهما يرتبطان بمتعة البصر إن رأى جميلا أو بأذيته إن رأى قبيحا.

يبدو أن الثقافة التي ينتمي إليها الشاعران هي ثقافة تتطير من الأنف الطويل، وتربط طول الأنف بقصر الأمل والشيطنة. ولهذا صدى في بعض الثقافات الشرقية في الحضارة اليابانية فإن تينغو Tenguوتعني باليابانية الكلب السماوي هو نوع من المخلوقات السماوية الشيطانية له أنف طويل هو علامة على الشر والشيطنة.

الرسم التصويري الذي نفعله بالكلام هو رسم يتدافع فيه الجمال مع الحب والقبح مع الكره، لكنه يظل في حدود الانفعال ولا ترميز يحيط به. نحن بهذا نعكس الجمال على مرايانا وعلى وجداننا وليس على تأملاتنا العلامية في الصور. حين هجا الحطيئة نفسه ووصف وجهه بالقبح، لم يترك لنا تفاصيل يمكن أن نصف من خلالها هذا الذي يرى نفسه في مرآة قبحه، فما ورد كان معنى عاما لا يصلح أن يكون منه تصوير يقول الحطيئة: (أرى لي وجها قبح الله خلقه * فقبح من وجه وقبح حامله) تحوي هذه الجملة المختصرة في رسم النفس بريشة الغضب أوليات خطاطية يمكن أن نبني عليها صورة لرجل قبيح المنظر هذا إن صدقنا طبعا أن الحطيئة كان رجلا قبيحا. لكن القبح والجمال في الوجه ينبغي أن يؤخذا بمعايير الجمال وقتها وبتوزيع العناصر الطبيعية ومحسنات الوجه إن وجدت على مرفولوجيا الوجه.

غرض الهجاء هو الغرض الذي فيه رسم للوجوه القبيحة وغرض الغزل فيه رسم للوجوه الجميلة. من طراز القبح في الهجاء هذه الصورة التي رسمها أبو الطيب المتنبي عن كافور إذ يقول: (من علم الأسود المثقوب مشفره * أقومه البيض أم آباؤه الصيد) فاختار له لونا هو لون العبودية وجزءا من الجسد هو حمال لعيب الوجه وللوضعية البشرية الدنيا معا. ثقب الشفاه أو الأذن أو الأنف أو غيرهما من الأماكن قد يكون علامة جمالية تحمل حلية وهذا شأن ثقافي، ويبدو أن هذه عادة عند الزنوج ما تزال سارية إلى اليوم، وهي عندهم علامة جمال ويمكن طبعا أن تكون عند غيرهم علامة عن معنى آخر، هو الذي وظفه الشاعر حين ربط العبودية بجملة من الرذائل. ما فعله المتنبي هو التصوير وما نفعله نحن هو التأويل بأن نمنح أجزاء الصورة جملة من المعاني العلامية. كثير من التأويل الإيقوني لا يحفر في التاريخ ولا في الذاكرة الثقافية. فظاهرة ثقب الشفة أو الأذن هي ظاهرة وثنية في عهد المسيحية، لأن الجسد مصنوع على صورة الله الكامل التي ينبغي أن لا تتغير على حد عبارة أستاذ الأنثروبولوجيا البريطاني Alexander Edmonds وثقب الفم أو غيره هو سلوك المهمشين غير المتدينين.
القراءة الإيقونوغرافية قديمة في الثقافات الثقافة الصينية هي من أقدم الثقافات التي تقرأ علامات الوجه، وكذلك المصريون واليونانيون وكثير من الثقافات القديمة تربط بين طول الأنف وكثير من قيم الخصوبة والجمال والثراء والذكاء، فالمصريون القدامى كانوا يحكمون على عقل الرجل وحكمته بطول أنفه. أما الصينيون فكانوا يرون في أن حامل الأنف الطويل يمكن أن يصبح ثريا وله الفرصة المثلى لذلك، على النقيض من متوسط الأنف وقصيره. ويبدو أن ابن الرومي والبحتري لم يكونا متفقين مع هذه القراءة يقول الأول: (لك أنفٌ يابن حربٍ* أنِفت منه الأنوف: أنت في القُدسِ تصلي* و هو في البيت يطوف) ويقول البحتري: (رأيتُ الخثعمي يُقِل أنفاً * يضيق بعرضه البلدُ الفضاء//هو الجبلُ الذي لولا ذراه * إذن وقعت على الأرض السماء) . يبدو أن الثقافة التي ينتمي إليها الشاعران هي ثقافة تتطير من الأنف الطويل، وتربط طول الأنف بقصر الأمل والشيطنة. ولهذا صدى في بعض الثقافات الشرقية في الحضارة اليابانية فإن تينغو Tenguوتعني باليابانية الكلب السماوي هو نوع من المخلوقات السماوية الشيطانية له أنف طويل هو علامة على الشر والشيطنة. تنام صور في ذاكرة كل منا وفي بعض الأحيان تتمرد رموزها علينا فنجرب بعثها لنقول لها لست محايدة كما تعتقدين.

أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية