الأدب والحرب

أثلج صدري ما كتبه محمد عبد الرحيم في «القدس العربي» عن الأثر الإيجابي لحرب أكتوبر/تشرين الأول، نحن نسميها في المشرق حرب تشرين، وهو اختصار لاسمها الصحيح والكامل وهو حرب السادس من تشرين الأول. وحسب ما ورد في المقالة: نظر الأدب العبري لتلك المحنة من موقع اليائس المتعالي، من اعتاد أن يكون النصر حليفه، لكنه واجه جدارا عربيا تسبب له بعصاب اجتماعي وشخصاني، تبعته صدمة حقائق التاريخ المعاصر، واكتشاف سطوة التنويم المغناطيسي التي وضعت الصهيونية السياسية في قصور عائمة في الهواء، أو بتعبير عبد الرحيم: بجو من الخوف الوجودي المتواصل الذي له نهاية واحدة وهي الفناء، ثم العودة إلى أزمة الشتات اليهودي، لأنه أكثر أمنا من الحياة في إسرائيل. وأعتقد أنه يقصد رغبة عدد كبير من يهود إسرائيل بالهجرة إلى أمريكا. وكما ذكرت لي الصديقة الشاعرة خاغيت غروسمان في حوار أدبي مفتوح: الهجرة إلى المكان الضامن الذي يوفر الجمال والاسترخاء والثقافة والحضارة. لكن أود الاشارة إلى ما يترتب على التسليم بهذه الفكرة..
أولا إن مشكلة التفريغ الديموغرافي ليست وقفا على يهود إسرائيل، فكل شعوب الشرق الأوسط تأمل بالهجرة، حتى الشعوب الأكثر استقرارا وأمنا مثل، دول الخليج العربي الغنية، توزع حياتها بين البلد الأصلي والغرب. بينما هرب البقية بشكل موجات من الشرق إلى الغرب. وقد أصبح أدب المهجر جزءا لا يتجزأ من ثقافتنا، ونحن مدينون له بتوسيع رقعة التنوير والتحديث. ولا أحد يمكنه أن لا يتذكر جبران ونعيمة والرابطة القلمية، وحتى الروس دخلوا في هذه الدوامة، ويدين العقل الغربي لحلقة براغ وروادها في تثوير فهمه لتطور اللغات.
وإذا وافقنا على أن الهجرة ظاهرة حقيقية في إسرائيل لا يسعنا إنكار تعويض ما نسميه بنزيف الأدمغة عن طريق الهجرات الجانبية. وهي تشمل يهود روسيا (فقد تدفقوا على إسرائيل بعشرات الألوف بعد البيروسترويكا). أضف لهم يهود سوريا الذين استغلوا فرصة إصلاحات عام 2000 وغادروا حلب ودمشق بالمئات، إما إلى أمريكا الشمالية (وكان قوامهم يهود حلب، وعلى وجه الخصوص الإناث الشابات – طالبات مدرسة امرؤ القيس) أو إلى تل أبيب (وقوامهم كبار السن وتم إجلاؤهم بعمليات سرية خاصة عن طريق قبرص وتركيا). ولم يتوقف هذا النزوح على اليهود، بل اتسع ليشمل الأرمن – هاجروا بالألوف إلى أرمينيا بعد تفكك الاتحاد السوفييتي. أو إلى كندا قبل ذلك). وتبعهم السريان – وكانت محطتهم الأساسية أمريكا. وترتب على ذلك نقص في المهارات الفنية في حلب ودمشق، وتسريع وتيرة التعليم المهني، على حساب الدراسات النظرية في الجامعة، وهي سياسة اتبعها السوريون ابتداء من عام 2001، بينما كان التعليم المهني في الألفية الثانية مختصرا ومحدودا.
ثانيا: تنقص أساليب التعبير الأدبي لدينا المرونة والموضوعية. والبروباغندا هي السائدة في ثقافة الأزمات، وهذا يدل على قصور نظر أدباء الدولة، وإن أجريت مسحا سريعا لأدب حرب الخليج الأولى – بين العراق وإيران ستلاحظ عنتريات ليس هناك ما يبررها على أرض الواقع، وانعكست الصورة بعد حرب الخليج الثالثة – الغزو الأمريكي لبغداد والسقوط. فقد جاءت صورة تلك الحرب كالحة ومرعبة، وتتخللها صور تدل على خيبة الأمل والتذمر. وأجد نفسي مضطرا لذكر أمثلة. منها روايات حميد العقابي، لكن لم يكن يجاريه أحد قبل سقوط النظام. ومن الأمثلة القليلة والنادرة «أيام من أعوام الانتظار» 1983 لموسى السيد. و»أشجار قليلة عند المنحنى» 2000 لنعمات البحيري. والأول من أكراد العراق، وطبع روايته في اللاذقية في سوريا، أما الثانية فهي مصرية ونشرت روايتها في القاهرة. وهذا يقودنا للانتباه لجدلية النظام والأدب، فأنظمتنا لا تتساهل في الإعراب عن عمق المحن التي نتعايش معها بالإكراه.

الأدب وثيقة. وكلما تحلى بقدر أكبر من المنطق، أدى دوره ورسالته. وأن تكون موضوعيا لا يعني أن تتخلى عن التزامك وواجباتك تجاه وطنك. وبكائيات محمود شقير في «أرواح كليمنجارو» لم تقلل من قدرتها على التحفيز.

في حين أن إسرائيل تضمن قدرا أكبر من الحرية، وليكون كلامنا مدعوما بالوقائع، أصدر السوري نبيل سليمان رواية متواضعة في القاهرة بعنوان «جرماتي» 1977، وهي تدور حول الضائقة التي تسببت لسكان قرى حدودية خلال حرب الجولان. وكانت النتيجة دعوته للتحقيق في اتحاد الكتاب العرب، وإدانته بنشر إشاعات كاذبة تسيئ لقضايا الأمة، ثم فصله من الاتحاد المذكور. ولو قارنا «جرماتي» مع رواية «دفاتر إسرائيلية: حزيران 1967» للإسرائيلية يائيل دايان سنلاحظ العكس تماما، لقد جرى تكريم شهادتها عن حرب شاركت فيها شخصيا بصفة ضابط. وانتهت بهزيمة محزنة للعرب، ومع ذلك تناولتها بكثير من الشفافية والأسف على تقصير الجيش الإسرائيلي في بعض المواقف، وخسارة مدرعات وناقلات جنود بسبب الإهمال وسوء التقدير. وكل من يقرأ هذا العمل – الوثيقة يرى أن دايان تنظر بموضوعية للحرب، ولا تقدم شخصياتها بصورة سوبرمانات، وإنما كبشر ولديهم نقاط ضعف، وفي داخلهم عاطفة تساوي بين الطبيعة – وهي دائما أرض بور تنتشر فيها الحجارة والأشواك، مع الإنسان – وهو دائما متيقظ ومتنبه لخطر محدق يصعب التكهن بمنابعه ونتائجه. وبواسطة المعاناة يجري التآلف بين الطرفين. وفي الأدب العبري أمثلة كثيرة على هذه الروح، أذكر إتغار كيريت، وأهارون أبلفيلد، إلخ…
وحتى لا يسيئ أحد تقدير كلامي، أريد أن أعزل المحاور، فأي عمل أدبي له مرتكزات، وهي: الموضوعية، والحساسية الفنية، والمحتوى الوطني، أو ما نقول عنه الالتزام، ويبدو أننا نضحي في معظم الحالات بالمبدأ الأول -الموضوعية مع أنه ضرورة لا بد منها في الأدب الوطني الموجه لجميع القراء.
الأدب وثيقة. وكلما تحلى بقدر أكبر من المنطق، أدى دوره ورسالته. وأن تكون موضوعيا لا يعني أن تتخلى عن التزامك وواجباتك تجاه وطنك. وبكائيات محمود شقير في «أرواح كليمنجارو» لم تقلل من قدرتها على التحفيز.  وقراءتها لدرب المخاطر الذي يصعد عليه الفلسطينيون كان أفضل بكثير من الأعمال البائسة التي طمرت رأسها تحت شعارات تصم الآذان دون تقديم أي حل أو اقتراح مفيد. وكما ورد في مقالة لتوفيق عابد: الصعود لا يعني بالضرورة التسلق والانتقال من مكان أدنى لآخر أعلى، فكل خطوة لا يخون فيها الإنسان نفسه ولا غيره هي مثل بلوغ قمة. ثم يضيف بما معناه: إن فهم أبطال الرواية لظروف حياتهم كان وسيلة مشروعة لهزيمة المحتل (الجزيرة الوثائقية -2015)..

كاتب سوري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية