■ لم اجد عنوانا لمقالي لهذا الأسبوع، أفضل من هذا المثل «إذا لم تستح فافعل ما شئت»، وهذا المثل ينطـــبق على الكثير من الأطراف، ليس أولها ولا آخرها قرار محكمة الأمور المستعجلة في القاهرة باعتـــبار حركة حماس «تنظيما إرهابيا»، وتصريحات وزير العدل المصري حول مصادرة أموال حماس في مصـــر واعتقال أي من عناصرها.
وهناك ايضا في ما يسمى بالثورات العربية التي اختلط فيها الحابل بالنابل، من لا يزال يعول على الإدارة الأمريكية للمساعدة في إسقاط أنظمتهم، وكأن مثالي العراق وليبيا ليسا كافيين. وأخصص مقال اليوم لوزير الخارجية الأمريكي جون كيري الذي «أتحفنا» مطلع الأسبوع بخطاب أمام الدورة الـ28 لمجلس حقوق الإنسان الدولي، التي عقدت في مقر المنظمة في مدينة جنيف السويسرية، وضع فيه إسرائيل مجددا في كفة وبقية دول العالم في الكفة الأخرى. قد يقول قائل ان ليس ثمة جديد في ذلك، ولم تخترع «الفولة يا خي»، وأنه كلام مكرر ومعاد وممجوج. وأنا متفق مع هذا القول، لكن التذكير بين الفينة والأخرى لن يضر، لأن هناك كما يبدو من تخونهم الذاكرة. نعم نحن نعرف ان الولايات المتحدة بكل مكوناتها السياسية التي تتداول الحكم في البيت الأبيض، ديمقراطية كانت أم جمهورية، تتبنى هذ السياسة، لكن ما «تقيأ به» كيري في هذه الدورة لمجلس حقوق الإنسان، تجاوز المنطق والانحياز الأمريكي المعروف لإسرائيل، وكأن المتحدث ليس ناطقا باسم «رائدة الديمقراطية» في العالم، ولا حتى ناطقا باسم اليسار الصهيوني، الذي في بعض الأحيان يحاول أن يبدو معتدلا ومتوازنا وإنسانيا، بل تخاله الناطق باسم اليمين اليهودي المتطرف من أمثال افيغدور ليبرمان رئيس «إسرائيل بيتنا» أو نفتالي بنيت رئيس حزب الاستيطان «البيت اليهودي. فهذا الوزير الذي «توسم به البعض خيرا» عندما تولى رئاسة الدبلوماسية الأمريكية في الولاية الثانية للرئيس باراك أوباما، الذي هو الآخر توسم به الكثير خيرا، بعد خطابه في القاهرة بعيد انتخابه عام 2009، أثبت انه تجاوز سلفه في الرياء والكذب دفاعا عن إسرائيل. ومن لا يتذكر سلفه، سيئة الصيت والسمعة هيلاري كلينتون إحدى مرشحي الحزب الديمقراطي، وربما الأوفر حظا في الفوز بترشيح الحزب لمنصب الرئيس.
ففي الاجتماع المذكور لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، بدأ كيري كلامه بكلمة حق بقوله «لا توجد حصانة لأي دولة في ما يتعلق بالتدقيق بشأن حقوق الإنسان»، مشيدا بـ»دور المجلس في الكشف عن الانتهاكات والإنصاف للضحايا». هذا كلام متوازن لا غبار عليه ويحظى بالتأييد والتقدير على الأقل من جانبي، غير أن من كان كيري يعنيهم في كلامه، هو كل دول وأنظمة العالم باستثناء إسرائيل، التي لا يرى فيها إلا دولة ديمقراطية ودولة فوق القانون الدولي وحتى الأمريكي. فوصف كيري سياسات مجلس حقوق الإنسان في ما يتعلق بإسرائيل بأنها «مقلقة وغير متوازنة ومتحاملة على دولة ديمقراطية (إسرائيل) بصورة غير مسبوقة وبإصدار مجموعة من القرارات تتزايد من عام إلى آخر». وحذر كيري من أن «هوس المجلس بإسرائيل سيقوّض مصداقيته».
وتعارض الولايات المتحدة على الدوام جميع القرارات الصادرة من المجلس بحق إسرائيل، زاعمة في مبررات رفضها للقرارات أنها «قرارات مسيسة وتقوض مساعي السلام» التي فشل فيها شخصيا فشلا ذريعا وباعترافه، بسبب مماطلة إسرائيل وسياساتها الاستيطانية التي لم تواجه قط بإدانات واضحة من الإدارة الأمريكية.
يذكر أن إسرائيل هي الدولة الوحيدة التي يفرد لها المجلس في جدول أعماله بندا خاصا لمناقشة الانتهاكات التي يتعرض لها الفلسطينيون تحت الاحتلال، من خلال تقارير دورية، وتحاول الولايات المتحدة وأستراليا وكندا وبريطانيا بوتيرة في كل دورة من دورات المجلس الحصول على أغلبية تسمح بإلغاء هذا البند من جدول الأعمال، إلا أنها تفشل في كل مرة، لقناعة الدول وخبراء حقوق الإنسان بأن حالة الاحتلال في حد ذاتها هي انتهاك لحق شعب على يد قوة احتلال، ومن ثم يتطلب الأمر عناية المجلس ومتابعته.
ويستبق كيري في خطابه المتشدد جلسات مناقشة تقرير لجنة التحقيق في الجرائم التي ارتكبها جيش الاحتلال الإسرائيلي في عدوان «الجرف الصامد» في الصيف الماضي، الذي قتلت فيه إسرائيل، بعيدا عن المبالغات الفلسطينية في الكثير من الأحيان، 2200 فلسطيني، جلهم من الأطفال والأبرياء العزل، وعائلات أبيدت عن بكرة ابيها، ناهيك عن الدمار الذي لحق بحوالي 100 الف منزل جزئيا أو كليا، منها مركز الإيواء التابع لوكالة غوث اللاجئين «الأونروا».
ويتجاهل كيري بالمطلق موضوع الانتهاكات الإسرائيلية اليومية، والأسلوب الذي تتعامل فيه إسرائيل، الدولة القائمة على الاحتلال في فلسطين، مع لجان التحقيق الأممية التي تشكلت لغرض التدقيق في شأن الانتهاكات الاسرائيلية. وهو يتنكر لكل الإدانات الدولية، لاسيما الأمم المتحدة، ويعطي لنفسه الحق في اختيار ما يناسب سياسة بلاده من هذه القرارات، كما يتنكر للإدانات التي صدرت عن أكثر من جهة حتى في الولايات المتحدة، أكدت أكثر من مرة على وجود فعلي للانتهاكات الاسرائيلية كحقيقة قائمة بشكل يومي وليس مجرد مزاعم.
وفوق ذلك يتنكر كيري بدون أن يرف له جفن، لكل الحقائق التي أعلنتها الأمم المتحدة، بوصف هذه الجرائم بـ»مزاعم ارتكاب إسرائيل انتهاكات لحقوق الإنسان»، وهو بعبارة أخرى، يريد ان يقول فيها إن صور القتل والدمار والجرائم التي عاشها قطاع غزة على مدى 51 يوما، لم تكن سوى مشاهد سينمائية.
ولكن هذا ليس غريبا على المسؤولين الأمريكيين، بدءا من الرئيس فنازلا، الذين لا يضيعون فرصة يمكن أن يدينوا فيها الضحية ليخرجوا من جحورهم لكيل أشد الإدانات، بينما يعودون الى جحورهم في اللحظة التي ترتكب فيها إسرائيل حكومة وجيشا ومستوطنين، ابشع الجرائم والمذابح بكل المقاييس.
ولن نخوض في التفاصيل الأخرى التي بالمقاييس الدولية تندرج تحت بند جرائم الحرب منها، الاستيطان وسرقة الأراضي في الضفة الغربية وعمليات تهويد القدس والاغتيال وإطلاق الكلاب على المواطنين والأطفال، وإحراق الطفل محمد خضير وإحراق المساجد والكنائس. وللتذكير فقط نورد بعض المواقف الأمريكية في الآونة الأخيرة:
– الوقوف في وجه المشروع الفلسطيني للاعتراف بدولة فلسطين أمام مجلس الأمن
– الوقوف ضد الانضمام الى محكمة الجنايات والتهديد بوقف المساعدات الأمريكية
– تحذير السلطة من عواقب وقف التنسيق الامني
– تهديد لحماس من مغبة السيطرة على الضفة الغربية في حال انهارت السلطة جراء القرصنة الاسرائيلية، فهل الولايات المتحدة هي الوسيط العادل في عملية السلام؟
وفي سياق الحديث عن كيري فقد أظهر استطلاع، أجرته مجلة «فورين بولسي» الأمريكية وشارك فيه 660 أكاديميا في الولايات المتحدة، من المختصين في شؤون العلاقات الدولية، أن كيري هو الأسوأ من بين وزراء الخارجية الأمريكيين منذ 50 عاماً… ويبدو انه وتعويضا عن فشله وانتكاساته في الساحات الأخرى على المسرح الدولي من أوكرانيا لإيران لليبيا لليمن لسورية، يريد ان يعوضها بالتشدد أكثر في المسألة الفلسطينية، التي كما يبدو، انها الحلقة الأضعف في أزمات العالم في الوقت الحاضر، خاصة مع الأوضاع المؤلمة التي تعيشها المنطقة العربية وانشغال الشعوب العربية بأزماتها الداخلية التي هي من صنع المؤامرات الأمريكية، وطبعا الأنظمة المهترئة الدموية والاستبدادية.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم
٭ كاتب فلسطيني من أسرة «القدس العربي»
علي الصالح