صحيفة عبرية: مع محور موسكو-طهران وبضبابية موقفها تجاه أوكرانيا.. إسرائيل على عتبة المفاجأة

حجم الخط
1

  تمر هذا الأسبوع 8 أشهر على الحرب الروسية ضد أوكرانيا، وما خطط له الروس كضربة سريعة لاحتلال العاصمة كييف، إضافة إلى مناطق استراتيجية وأقاليم انعزالية في شرقي الدولة، تعقد وأصبح حرب استنزاف. تتصاعد الحرب في هذه الأثناء وجبت حتى الآن عشرات آلاف القتلى، وعشرات آلاف من الجرحى، وملايين اللاجئين، وثمناً اقتصادياً هائلاً ليس ممكناً تقديره بعد. ولم نتطرق بعد إلى الآثار العالمية مثل أزمة الطاقة المتفاقمة، وأزمة المحاصيل والغذاء، والتأثير على البورصات والعملات في العالم، وغيرها.

وفي عقدة الأنباء والتحليلات، يخيل أننا قللنا من تقدير العلاقة التي بين ما يجري في الحرب إياها ومصالح إسرائيل الأمنية، والشكل الذي تقف عليه الحرب عملياً بمفاهيم عديدة هنا تماماً على عتبة إسرائيل وترتبط ارتباطاً وثيقاً بأمنها.

من ناحية الروس، تشكل الحرب في أوكرانيا خطوة استراتيجية غايتها ليس فقط ان تضم اليها مناطق تعدها جزءاً من الأم روسيا، فثمة هدف مركزي آخر وهو إعادة تموضع روسيا كإمبراطورية واستعادة المجد الذي أضاعته مع سقوط الاتحاد السوفيتي. في هذا السياق، تنتج روسيا في أثناء القتال تحالفات استراتيجية مع إيران والصين وروسيا البيضاء ودول أخرى، بنية العودة لتشكل محور قوة عالمي جديد يقف في وجه الغرب من جهة، وفي وجه الشرق الأوسط من جهة أخرى.

وفي إطار ذلك، عزز الروس التعاون مع إيران. التعاون بين الدولتين موجود منذ سنوات عديدة، لكنه مؤخراً يتحقق مع ارتفاع درجة، وهو مهم وذو أثرين مباشرين على إسرائيل:

الأول هو منظومة الصواريخ أرض أرض الإيرانية، مثلما هي أيضاً منظومة المسيرات الانتحارية. وهي التي يقوم الإيرانيون بتزويدها للروس بكميات كبيرة، تجتاز تطويرات تكنولوجية وتشارك في أعمال حربية عملياتية على أراضي أوكرانيا. عملياً، يدور الحديث عن حجم كبير من الخبراء والعسكريين الإيرانيين الذين يتواجدون في روسيا والمناطق المحتلة في أوكرانيا، ويشغلون منظومات الصواريخ والطائرات الانتحارية.

فضلاً عن الضرر الهائل الذي لحق بالبنى التحتية المدنية الأوكرانية، تشكل هذه المعركة حقل تجارب واسعاً للإيرانيين، حقلاً يسمح لهم باختبار قدرات عملياتية للأسلحة التي بحوزتهم، ويجرون تطويرات لها في إطار القتال. هذه الصواريخ والطائرات مخطط لها أن توجه تجاه إسرائيل في المستقبل. نجاعة منظومات الدفاع القائمة في إسرائيل ضد هذه الأسلحة لم تختبر بعد في واقع حربي، وتعد هذه مسألة أمنية – استراتيجية، وعلى الحكم في إسرائيل أن يكرس لها كامل الاهتمام.

 الثاني هو الحلف الآخذ بالتعزز بين روسيا وإيران، بينما السيطرة الأمريكية في الشرق الأوسط تضعف حتى التآكل شبه التام على مدى السنين. تسيطر روسيا على طرق سوريا وتسمح للإيرانيين، مع غض النظر، بتصعيد أعمالهم داخل سوريا وبناء قواعد عمل وسلاح. من جهة أخرى، ينبغي الاعتراف بأن الروس يسمحون -مع غض نظر مشابه جداً- لإسرائيل أيضاً بالعمل على أرض سورية وتهاجم القواعد التي تحاول إيران بناءها وخطوط توريد الأسلحة لـ”حزب الله” في لبنان.

في إطار هذا الحلف، كما أسلفنا، تتيح روسيا لإيران حقل التجارب الأفضل للسلاح الذي طورته في شكل قتال عملياتي على أرض أوكرانيا. يمكن الافتراض بيقين كبير، بأن ثمن الصواريخ والأسلحة للروس ستجبيه إيران من روسيا من خلال سلسلة طويلة من الامتيازات. سواء من خلال الحصول على طائرات قتالية حديثة أم إعطاء تكنولوجيات ومواد لتحقيق استراتيجية النووي الإيرانية. في مثل هذا الوضع، ستتعزز إيران من ناحية عسكرية في ظل تفاهم التهديد الأمني المباشر على إسرائيل بفضل تسلحها بالتكنولوجيات والوسائل القتالية المتطورة وبطائرات حديثة أكثر.

الجانب الإضافي لهذا الحلف هو التنحية شبه التامة للاتفاق النووي الذي تحاول الولايات المتحدة وأوروبا توقيعه مع الإيرانيين. فالحلف ينحي العقوبات التي يزعم أنها ستفرض على إيران عند خرق الاتفاق، وعملياً، لا يعود أهمية لتوقيعها أو عدم توقيعها على الاتفاق؛ ففي أي حال، فتحت للإيرانيين إمكانية تسلح وتقدم تكنولوجي لتعاظم قوة نووية في القناة الروسية، مع وبدون اتفاق أو عقوبات من الغرب. لهذا الموضوع معنى حرج مباشر على الأمن القومي لدولة إسرائيل.

من زاوية نظر روسية، يعد هذا حالة من الكسب المتبادل WIN – WIN التي يعزز كل طرف فيها مكانته في الشرق الأوسط سواء في سوريا أم في إيران، وإنها تسيطر على أراض في أوكرانيا وتخلق قواعد قوة في أوروبا؛ وبالتوازي تبقي على قناة مفتوحة مع إسرائيل في ظل إعطاء إمكانية لسلاح الجو للعمل على أرض سوريا.

التعاون مع الصين يعطي الروس التعزيز الاقتصادي الذي يحتاجونه حيال العقوبات التي يفرضها عليهم الغرب، ومنذ الآن نشر أن الانكماش الاقتصادي لروسيا الذي كان متوقعاً أن يكون نحو 10 في المئة، سيتقلص هذه السنة، حسب توقع الإيكونومست، بـ 6.2 في المئة، وفي السنة القادمة بـ 4.1 في المئة فقط.

ساحة سائبة

 لا توجد حكومة في إسرائيل، ولا توجد سياسة أو استراتيجية تجاه التهديدات المتعاظمة. الفرضة السائدة في أوساط رجال الأمن والمحللين هي أن إسرائيل تمتلك قدرات جيدة للدفاع عن نفسها في وجه تهديد الصواريخ الإيرانية وتهديد المسيرات الانتحارية. ولكن هذه القدرة كما أسلفنا، لم تختبر في ميدان المعركة. لما كانت منظومات الدفاع الإسرائيلية لن تورد إلى أوكرانيا أغلب الظن، فينبغي الافتراض بأن قدرتها أيضاً لن تختبر في المستقبل على أساس عملياتي.

بغياب استراتيجية إسرائيلية واضحة، تبقى الساحة السياسية الأمنية في الموضوع سائبة تماماً. كل زعيم أو منتخب من الجمهور الإسرائيلي يتحدث بصوت مختلف. البعض يؤيد التعاون مع روسيا، والبعض يتبنى مساعدة أوكرانيا، والبعض يؤيد الجلوس على الجدار وانتظار اليوم التالي. لكن في الوقت الذي لا تتخذ فيه إسرائيل أي سياسة أو استراتيجية وطنية في الموضوع، تواصل روسيا وإيران التقدم بوتيرة سريعة لتحقيق أهدافهما السياسية والأمنية.

واضح أن على إسرائيل أن تبلور وتعرض استراتيجية واضحة وبعيدة المدى للتصدي للتهديد الإيراني، مع التشديد على تعزز الحلف مع الروس. وفي إطار ذلك، على إسرائيل أن تتخذ قرارات حول مدى المساعدة (إذا وجدت أصلاً) التي ستعطى للأوكرانيين من حيث منظومات الدفاع؛ وتعزيز وبناء قدرات الإحباط المباشرة للبرنامج النووي الإيراني؛ واستراتيجية العمل الإسرائيلية تجاه “حزب الله” في لبنان، فمن هناك يحدق التهديد الأكثر مغزى للصواريخ نحو إسرائيل اليوم.

من غير المستبعد أنه يجب على إسرائيل التفكير بنقل مساعدة دفاعية إلى أوكرانيا، ولكنها مساعدة لا تكشف قدرات وتكنولوجيات سرية. في مثل هذا الوضع، تنقل إسرائيل إلى الأوكرانيين منظومات متدنية من ناحية تكنولوجية ومنظومات لا تعتبرها الروس أسلحة هجومية تستخدم ضدهم، لكنها من جهة أخرى ستساعد الأوكرانيين وعلاقات إسرائيل مع أوكرانيا.

بالتوازي، يتعين على إسرائيل إبقاء قناة أمنية وسياسية مفتوحة مع الروس لاستمرار حرية العمل في القتال ضد الإيرانيين على أرض سوريا، وبالطبع مواصلة القتال الاستخباري العملياتي حيال إيران في القنوات الأكثر سرية.

من المهم للقيادة في إسرائيل، كائنة من كانت، أن تفهم بأن لحرب روسيا في أوكرانيا يوم تال ستصل فيه المعركة إلى عتبتنا.

بقلم: ليئور أكرمان

 معاريف 28/10/2022

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية