برلين ـ «القدس العربي»: اختتم الفنان التشكيلي السوري سيف داوود معرضه الثاني للفن الفردي التشكيلي في مدينة مونشنغلادباخ الألمانية في ولاية شمال الراين فيستفاليا، ويأتي هذا العرض الفني والذي اختار الفنان «انسياب لوني» عنوانا له ليكون استمرارية لمشروع أكبر يعمل عليه داوود منذ سنوات في ألمانيا ويتحدث عن التعبيرية الحديثة.
وفي حديث لـ«القدس العربي» قال داوود: «يأتي هذا المعرض في مدينة مونشنغلادباخ ليكون استكمالا وتطويرا للمعرض السابق الذي أقمته في مدينة كولونيا الألمانية وحمل اسم تراتيل لونية». وحسب الفنان فإن لوحاته تحمل هموما متنوعة، إذ يحاول طرح مواضيع مثل الحروب وعدم المساواة، والتسلح والظلم. وهو ما يدعو لسؤال الفنان هل تتغير تكوينات الإنسان حسب هذه المعطيات، وهل يتغير شكله في حال ازدياد الظلم والمعاناة؟ ويقول: تنوعت الأساليب والتقنيات، وكانت التجارب على مستويات مختلفة، لكنها كانت مليئة بالأفكار الجميلة، حيث عملت عليها بأكثر من طريقة، كانت مختلفة عن تقنيات الرسم الشائعة في الأوساط الفنية. كما لجأت إلى ذاكرتي الثقافية والبصرية عند بناء أعمالي، وهي طريقة تضيف جماليات وتظهر ثقافة الفنان في اللوحة، بحيث يستمتع المشاهد أثناء المشاهدة وتخلق حوارا غير معلن بين المشاهد واللوحة الفنية، هذا الحوار يحرك مشاعر المشاهد ويأخذه إلى عوالم أو محطات سابقة من حياته.
معاناة الإنسان عبر الرسم
بدأ داوود مشروعه الفني بدراسة المعاناة الإنسانية ولجأ للتعبير عنها في وجوه الناس وشخصياتهم وأجسادهم باستعمال تقنيات وألوان مختلفة وأساليب فنية سعت لتشويه الأشكال وخلق خطوط قوية واختلافات مثيرة، تعتمد على التباين لكنها بشكل عام متشابهة في الأسلوب.
وشارك الفنان والذي يقطن الآن في ألمانيا بـ 23 لوحة في هذا المعرض، حيث تتنوع أحجام اللوحات المشاركة بين اللوحات الصغيرة والمتوسطة والضخمة وذلك ضمن توزيع فريد للألوان، حيث عمل الفنان لأشهر على مزج الألوان ببعضها البعض للوصول إلى ألوان فريدة تبهر الزائرين، وتبين فرادة المكونات التي يطرحها. ويوضح أبعاد اللوحات 200 سم × 160 سم، 100 سم × 100 سم، 50 سم × 70 سم، 100 سم × 70 سم – 80 سم × 80 سم في تقنية الطلاء الأكريليك مع قواعد أونت وغيرها من المواد مثل الزنك والغراء على القماش.
ويقول «أما بالنسبة للتقنيات، فقد استخدمت دهانات الأكريليك والعديد من المواد الأخرى عند رسم لوحاتي، من حيث المحتوى، فقد حملت الأعمال عناصر تشابك الفن والإبداع، ولأنني أعتبر شاعرا، فقد أظهر شعري نفسه في الصور وانسجام الألوان داخل لوحة في وئام تام من دون شذوذ».
موهبة منذ الصغر
وعن بداية موهبته وكيفية تشكلها منذ الصغر قال الفنان المولود في القامشلي: في طفولتي رسمت الوجوه والمناظر الطبيعية في الفصل الدراسي وفي المنزل على دفاتر ملاحظاتي والجدران المنسية.
في أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات، عندما انتقلت إلى جامعة دمشق، كانت حياة فنية ورسمية حقيقية بالنسبة لي، حيث أتيحت لي الفرصة للتواصل مع فنانين سوريين حقيقيين وتعلمت منهم ومن تجاربهم الغنية.
ويحاول الفنان سيف داوود، والحاصل على شهادة الدكتوراه في هندسة النفط من جامعة لشبونة، نقل أفكاره عبر اللوحات بتمويل ذاتي، ويقول: «بات لدينا في المهجر العديد من الفنانين القادمين من دول عربية، بيد أنهم للأسف متفرقين. الفن التشكيلي في الغرب له العديد من المدارس والأنماط، لكنه للأسف ليس شائعا جدا في الدول العربية، إذ لا يمكن للفنان أن يعيش فقط من خلال فنه وإبداعه، وبالرغم من أن الوضع هنا مختلف، إلا أنني أحاول أن أكون همزة وصل من أجل مناقشة قضايا عالمية منها مشاكل الشرق الأوسط وقضايا الفئات المهمشة في المهجر».
بيد أن داوود يرى أنه حتى في أوروبا فإن التقرب من مشاكل الشرق الأوسط ومحاولة فهمها بشكل أفضل بات صعبا، حتى عن طريق الفن. ويوضح: «أحاول أن أظهر معاناة الناس في منطقة الشرق الأوسط، بيد أن هناك صعوبة لإيصال صوتنا، إذ لا يوجد اهتمام كبير لمعرفة ما يحدث. الأمر الذي يزيد العبء على عاتق الفنان من أصول مهاجرة في عروضه الفنية في الغرب».
خليط بين الألم والمتعة
من يراقب لوحات الفنان داوود في أعماله الأخيرة يلاحظ أنه يستخدم لغة الفن المعاصر، القائمة على النقاشات والحوارات بين التفاهم والاتفاق والجدل الحضاري، مستبدلا التمثيل البصري بالتمثيل الذهني، بدلا من التكوين المغلق والروتيني، حيث تكون الأدوات نادرة وتتوسع الموضوعات، ما يجعل الرسم مجالا غير تقليدي للبحث عن الأساسي، هذا هو الاكتفاء بإظهار الذات والتلميح إليها وهي مفتوحة على التأويل. وكما يخلق الشعراء قاموسهم اللغوي، فإن الفنان الحقيقي يخلق وجوده الحر من خلال ألوانه وأسلوبه ليتمكن من التعبير عن نفسه بعيدا عن الصور النمطية. فيوحي العمل الفني بحياة متكاملة من الألم والتعب والحزن يمكن أن تكسر العتبة عندما تظهر كخيط رفيع، أو من الفرح وشهقة الحب التي ترفعه إلى السماء، وهذا ما كتبه بعض نقاد الفن الكلاسيكي بوضوح بعد زيارتهم للمعارض الفنية التي أقامها الفنان وتقييمهم لأعماله، ولعل ما كتبه الناقد الفني غريب ملا زلال حول عمل داوود لدى تقييمه للعمل الفني الخاص به بعد زيارة أحد معارضه يوضح الطريق الذي انتهجه داوود لنفسه وكيفية تعاطيه مع الألوان ومزجها بالألم والأمل والغرابة أحيانا، يقول ملا زلال: «يدمج العمل الفني لداوود الزمان بالروح، وبالتالي فهو يوحي بحياة كاملة من الألم والتعب والحزن يمكن أن تخترق العتبة عندما ينظر إليها على أنها خيط رقيق، أو من فرح وشهوة الحب التي ترفعها إلى السماوات السبع».
يسعى داوود جاهدا لمعالجة الموضوعات المهربة إلى خارج البلاد، والسجن الكبير، والاقتراب من الأحداث. وهو يدرك كيفية التعامل معها، لأنه يدرك أن الأحداث العظيمة ليست عملا فنيا عظيما، ولذلك فهو يتعامل معها بحذر، كما لو كان يهرب بها إلى أعماله، كما يقول إنه يستبدل الاستعارات الملونة القسرية باختراقها، متجاوزا العالم المحرم، في عالم يكثر فيه الجدل في معظم إلهامه، التي هي بالضرورة عمل فردي يزيد في امتلائه بالسعادة.
بالرغم من انهماكه بالفن والألوان، بيد أن داوود يكتب القصائد أحيانا، وبعض القصص القصيرة، كما أنه عمل لفترة على الترجمة، وله بعض الكتب المنشورة، لكن الفن والرسم بقي الهاجس الأكبر له، والذي يحرك فيه السعي نحو الإبداع دائما، كما يقول.