الحرب الصليبية

انتقد المستشار الألماني أولاف شولتس يوم الخميس 13 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، الرئيس الروسي فلاديمير بوتين واتهمه بشن «حرب صليبية» ضد الغرب والنظام الدولي القائم على القواعد. وقال شولتس في فيديو مسجل أثناء مشاركته في قمة «الحوكمة المتطورة» المنعقدة في برلين، إن الحرب الروسية «ليست فقط حول أوكرانيا، لكنهم (بوتين ومساعدوه) يعتبرون الحرب ضد أوكرانيا جزءا من حرب صليبية أكبر موجهة ضد الديمقراطية الليبرالية، وضد النظام الدولي القائم على القواعد، وضد الحرية والتقدم. إنها حرب صليبية ضد أسلوب حياتنا، وضد ما يسميه بوتين الغرب الجماعي». وتأتي تصريحات شولتس بعد أيام من شن روسيا موجة ضربات صاروخية ضد أوكرانيا، في أعقاب تفجير جسر «كيرتش» الذي يربط بين روسيا وشبه جزيرة القرم. ونلاحظ أن المستشار اختار وصفا للحرب يذكرنا بما جرى بين الأوروبيين والمسلمين في القرون الوسطى، وكان الدين هو محورها الأساسي، لكن الدول التي تقف في مواجهة الروس هي علمانية في الأغلب، فما هو الدين الذي يقصد به المستشار في كلامه؟
في 5 يونيو/حزيران من هذا العام نشرت صحيفة «القدس العربي» مقالا بقلم كاتب السطور عنوانه «الحرب القِيمية»، فيه شرح مفصل لما قاله المستشار الألماني: «تتشابه جميع الدول التي تقف مع الرئيس الروسي بوتين في حربه الجارية مع أوكرانيا في أمور عدة، فهي تقع جميعا في الشرق، وتديرها أنظمة لا تقيم وزنا للمبادئ الليبرالية التي تحكم عالم الغرب، وتسود المجتمعات فيها نظرة مختلفة في ما يتعلق بموضوع الدين؛ المسيحية الأرثوذوكسية في روسيا، والبوذية في الصين وكوريا الشمالية، والإسلام في إيران والبلدان العربية التي تؤيد الرئيس الروسي سرا وعلانية. هنالك قربى ثقافية (فلسفية) تجمع بين هذه الأمم، في ما يخص القضايا «الجندرية» والجنسية، كما أن نظام العائلة بقي محافظا على شكله القديم في هذه البلدان، ولا يوجد ما يمكن أن ندعوه بالتفكك الأسري وحرية المعتقد، إلى آخر ما يسود من صرعات تحررية في الدول التي تقف في جبهة الغرب، ليست النظرة المحايدة إلى المثلية الجنسية أخيرها».

لم يكن في كلام المستشار الألماني ترويج لحجج تبرر اندفاع الغرب مع الأمريكيين للدفاع عن أوكرانيا ضد الغزو الروسي، ويبقى الهم الفكري هو ما تؤشر إليه في الظاهر إبرة البوصلة في يد المستشار، ويلمس المراقب ما يدور بين «الغرب الجماعي» و»الشرق الجماعي» نوعا من الشجوية في الموقف الأخلاقي المصاحب للفكرة المعينة، وهذه الشجوية هي التي تحدد المشاعر النبيلة، أي تلك التي تبحث عن أفعال سامية في المجتمع، بمعنى أن من يقوم بها يكون حي الضمير اجتماعيا. فهل يمكننا تحديد الجهة التي تمتلك هذا الضمير بين الطرفين المتنازعين؟ ونعود إلى المقال المنشور قبل أكثر من أربعة شهور: «لقد تم استبدال الأيديولوجيا، المحرك الرئيسي للعداوة بين المعسكرين الشرقي والغربي طوال القرن الماضي، بالقيم السائدة في البلدان المتحاربة، وهذه تشمل طريقة العيش وأفكار الساسة، وما يسكن عقول الشعب من عقائد وخرافات وغير ذلك، وهي تحمل حتما طابع البيئة التي تنشأ وتسود فيها».

رغم أن النزاعات الدامية في أي بقعة في العالم تؤدي إلى تدمير غير محدود للاقتصاد والبيئة، لكن الحاجة البشرية إليها دائمة، فلا يخلو عقد من السنين من عمليات عسكرية تجري داخل البلدان، أي بين أبناء الوطن الواحد، والأمم المتجاورة والمتباعدة، وتكون قِيَم الشعوب وثقافتها هي الدافع الرئيسي للقتال.

في القرن التاسع عشر كانت قصة الإنسان مع الحداثة ماضية في طريقها، ونتيجة للفتوحات العلمية أخذ صوت الكاهن بالخفوت، وانتبه العالم إلى هدير الآلة، وطرب الناس له، وشمل التحديث كل مفاصل الحياة بما فيها الأدب والفلسفة والفنُون جميعا، وكذلك السلاح. كما أنه من المألوف أن يُنظر إلى تاريخ الحضارة إلى حد كبير على أنه تاريخ للأسلحة. في البدء كانت الهراوة، ومن ثَم شذبنا الحجر وأعطيناه حجم قبضة اليد، ويمكننا تقسيم التاريخ البشري تبعا لنوع السلاح المستعمل، والذي يتقرر بواسطته المنتصر في القتال.
1- العصر الحديدي: وكان بطله النبي داود. نقرأ في الآية العاشرة من سورة سبأ «ولقد آتينا داوود منا فضلا يا جبال أوبي معه والطيرَ وألنا له الحديد».
2- عصر الديناميت، وكان رجله الأوحد ألفريد نوبل، وفي السنة نفسها التي اكتشف فيها الفريد نوبل البارود، نشر كارل ماركس كتاب رأس المال.
3- عصر القنبلة الذرية، ويبدو أن هذا السلاح هو الأخير لأنه أقنع العالم بأن صراعا نوويا لن يكون فيه أي غالب وسيكون فيه مغلوب واحد هو كوكبنا الأرضي.
بالإضافة إلى ذلك هنالك الأسلحة الكيميائية والجرثومية، الأولى استعملتها في الزمن الحاضر الحكومة العراقية السابقة، والحكومة السورية الحالية، في ضرب أبناء شعبها، أما السلاح البيولوجي (الجرثومي) فإن التاريخ يحدثنا عن أقدم استعمال معروف كان من قبل التتار عامَ 1347 عندما قاموا بقذف الجثث المصابة بالطاعون بواسطة المنجنيق على مدينة «كافا» وهي أوكرانيا الحالية، ما جعل قسما من سكانها يفر إلى إيطاليا، ومنها انتشر وباء الطاعون إلى بقية أنحاء أوروبا. ما هي القيم التي كان يحملها التتار إلى العالم، ليفرضوها بالقوة على الشعوب التي احتلوها؟ أدى التمدد المغولي في أنحاء الأرض إلى توقف الفتوحات الإسلامية، أو انحسارها وإضعاف دولها، ممهدين الطريق أمام القوى الغربية للانتشار في آسيا وافريقيا في القرون المقبلة، أي أن حروب المغول جاءت بنتائج قيمية غير مباشرة، ظهرت في حقب مستقبلية، ولم يكن الرابح فيها أياً من الطرفين المتحاربين. هل تؤدي الحرب الدائرة بين روسيا وأمريكا إلى نتائج غير مباشرة، مثلما أدى الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، فمن المعلوم أن الأمريكيين ربحوا الحرب في بادئ الأمر، لكنهم فشلوا في استثماره في الأخير. فهل تكون أوكرانيا، وقد انقسم العالم في الصراع الدائر على أرضها إلى شرقي وغربي، هل يكون هذا البلد عراقا ثانيا، لكنه يقع في قارة أوروبا؟
رغم أن النزاعات الدامية في أي بقعة في العالم تؤدي إلى تدمير غير محدود للاقتصاد والبيئة، لكن الحاجة البشرية إليها دائمة، فلا يخلو عقد من السنين من عمليات عسكرية تجري داخل البلدان، أي بين أبناء الوطن الواحد، والأمم المتجاورة والمتباعدة، وتكون قِيَم الشعوب وثقافتها هي الدافع الرئيسي للقتال، وفي كل زمان يصطف المتحاربون في جهتين تؤمنان بطريق عيش ومفاهيم مختلفة. كم يبدو الأمس البعيد قريبا في هذه الأيام، ففي القرن الثاني قبل الميلاد صرخ ماركوس بورسيوس كاتو في مجلس الشيوخ الروماني: Delenda est Carthago «يجب تدميرُ قرطاجةَ. ينبغي عدم التصالح مع الحضارة الأخرى!». الحرب الدائرة إذن بين الطرفين، الروسي والأوكراني، أو «البوتيني» و»البايدني، هي قيَمية، لا أحد يريد من الاثنين أن يتخلى عن ثقافته وطريقة كسر العظم هي الحل.

كاتب عراقي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية