في البدء كانت الكلمة (اللغة/الصوت) أصل البداية، وكانت بذلك الوسيلة الأولى التي اعتمد عليها الإنسان، في فك وحل الرموز التي تحيره، وفي فهم الوجود، أو بالأحرى في طرح سؤال الكينونة. مع مرور الزمن بدأ الإنسان يقلّص من حجم هذه البداية، التي كانت متحررة من كل القيود، باعتبارها الاستعارة الأولى في حياة البشر بتعبير نيتشه. تضييق الرؤية والأفق، كان من دوافع خلق المعايير التي من شأنها، في اعتقاد الإنسان، أن تجعل منه قادرا على أن يرى منبع النور دفعة واحدة، أو بالأحرى أن يدرك الحقيقة التي ليست سوى في مخيلته، أي كما يتصورها ويريدها وفق مرجعياته، وما اكتسبه من معتقدات وأفكار، كانت مطروحة أمامه، ومعطاة سلفا.
«ملحمة جلجامش»، كانت أول نص يعبر عن هذه اللحظة (لحظة البداية أقصد)، أو على الأقل، أول نص وصلنا مكتوبا على الألواح الطينية. نص فيه أدرك الإنسان/جلجامش أن البناء هو قدره في الحياة، إن هو أراد الخلود. وما كان لهذا الفهم أن يصل إلينا، لولا سحر الكتابة، باعتبارها وسيلة لفهم ما يجري هنا وهناك، ووسيلة كذلك لتخليد هذه اللحظة.
إن رقعة الكتابة، بوصفها كينونة أخرى للإنسان، كانت هي الألواح الطينية. الطين دائما كان بداية الخلق، كما في قوله تعالى «إنا خلقناهم من طين لازب». وخلق الكتابة ما كان ليكون لولا الطين أو الحجارة. هكذا بدأ حدث الكتابة في زمن البدايات الأولى.
بعد ذلك بقرون عديدة، تحول الطين إلى ورق، فيه يدوّن الإنسان ما جادت به الكتابة، من اختراقات شعرية وفكرية وغيرها. ومن الطبيعي أنه في أول الأمر، لم تستثمر الورقة، أو الصفحة تحديدا، بوصفها وجها آخر لكينونة الكتابة، بل ظلت، فقط، ميدانا لحروب طاحنة، تقليدية تارة ومتطورة تارة أخرى، وما كان من حظها سوى ما أصابها من سخط هذه الحروب.. حروب بالكاد تركت لها بعض خصلات ضوء وبياض، وكأنها كائن أخرس، لا قيمة له في ذاته.
إلا أنه مع الثورات الفكرية المابعدية، التي فجرت النظريات، وجعلتها تعيد النظر في علاقة الذات بالموضوع، وتنظر إلى المهملات والتفاصيل بعين الدهشة الفلسفية، بدأ الاهتمام بالصفحة، باعتبارها دالا كبيرا لا يقل قيمة وأهمية عن فعل الكتابة، يتزايد شيئا فشيئا، خصوصا في مجال الشعر. الصفحة بوصفها تشكل شعرية بصرية، تكمل ما استأسد به اللسان، منذ زمن طويل. هنا تحديدا بدأنا نتحدث عن الكتابة كحداثة، أو كما يسميها صلاح بوسريف بحداثة الكتابة.
ومن سوء حظ الصفحة، بما هي مؤشر كبير على حداثة الكتابة، أنه لم يمر وقت طويل، حتى ظهر اختراق جديد في عالم التكنولوجيات، التي اختارت شاشات الحواسيب والفضاء السيبراني، ميدانا لها بدل الورقة/الصفحة. والسؤال الذي يطرح نفسه، بعد هذه الثورة السيبرنيطيقية الكبرى هو، كيف سيكون حضور الشعر في ميدان لم تعد اليد تتحكم فيه، بقدر ما أصبحت البرمجيات وأنظمة المعالجات السيبرنيطيقية هي من تتحكم فيه؟
إن الثورة التكنولوجية اليوم، أتاحت للأديب، وللشاعر تحديدا، إمكانات رقمية هائلة، من شأنها أن تجعل النص الشعري، يفجر بنيات دالة مضافة، تتفاعل صورها، بمعية صور النص، على شاشة الحاسوب، بما قد يضفي سحرا وجمالية ليسا من عادات الشعرية العربية مطلقا. أمر كهذا يستوجب قارئا خاصا له دراية، بالإضافة إلى خبرة النص الشعري والمعرفي، خبرة سيبرانية.
شعرية الوسيط إذن، شعرية مركبة ومتشعبة، شعرية تقوم على منطق آخر خارج العادة والمألوف، منطق يقوم على التشفير والرقمنة. بمعنى آخر، إننا اليوم، أمام لحظة زمنية مفصلية في تاريخ الشعر العربي، بل والأدب والثقافة والفكر، ليس عند العرب فقط، وإنما في العالم بأسره.
ومما لا شك فيه أن التقاء النص الشعري بالوسيط السيبراني، أعطانا منتوجا إبداعيا رقميا، سمي بالشعر الرقمي (هناك اختلاف في التسميات) متجاوزا بذلك ما عرف بالشعر الحداثي والمعاصر. إن النص الشعري الرقمي، هو تفاعل بين عديد العلامات المتاحة (الصوت، الصورة، الحركة، الألوان..) أمام الشاعر، على شاشة الحاسوب، يجعله يتعالى عن التحقق المكتمل، الشيء الذي يجعله نصا ديناميا، يتطور مع كل نقرة تفاعلية. هذا الأمر جعل تاريخ الشعر، ينتقل من النص إلى الوسيط السيبراني، ومن قارئ مادي إلى قارئ افتراضي، يُشترط فيه معرفة جديدة لها علاقة بهذه التقنية الجديدة.. معرفة يمكن وسمها بالمعرفة الرقمية. إذن نحن أمام وضع مختلف للمنتوج الشعري، الذي أصبح يتكون من أربعة أضلاع، فبالإضافة إلى الشاعر والنص والقارئ، انضاف ضلع آخر، يتعلق الأمر بالوسيط. ومن ثم، ألا يمكن القول إننا اليوم أمام حداثة جديدة يتحكم فيها وسيط سيبراني، قلب معادلة الكتابة إلى معادلة رقمية؟ وهل هذه الحداثة، حداثة آلية بطبيعتها، على اعتبار أنها تقدم لنا شاعرا آليا، ونصا آليا، ويستقبلها قارئ آلي؟ وهل يشكل النص الرقمي قطيعة أدبية مع الماضي؟
بخصوص التساؤل الأخير، يجيبنا فيليب بوتز Philippe Bootz قائلا: «من المهم التذكير بأنه ليست هناك قطيعة مفاجئة بين الأعمال الأدبية الرقمية ونظيرتها غير الرقمية، بل هناك استمرارية أجرت نقلا للمسألة الأدبية بشكل تدريجي وبطيء. فمنذ بداية القرن العشرين أخرجت مختلف الحركات الطليعية النص من الصفحة بإدراجه في جداول وأشياء، فغيرت بشكل دال العلاقات بين الكاتب والنص والقارئ، كما هو الحال مع حركة الهبينينغ مثلا، وانكبت على إنتاج المعنى بتشغيل علاقة الحروف في ما بينها، والكلمات في ما بينها، وعلاقة الكلمة بغيرها من أنظمة العلامات بصفة عامة. وهذا ما جعل فيليب كاستيلليني ناشر واحدة من أهم مجلات الأدب الرقمي DOC(k)s يصرح بأن الأدب الرقمي هو «اكتمال» للأشكال التي شغلها أولئك الطلائعيون (ما الأدب الرقمي. ترجمة محمد أسليم. مجلة علامات.. عدد 35، 2011)
شعرية الوسيط إذن، شعرية مركبة ومتشعبة، شعرية تقوم على منطق آخر خارج العادة والمألوف، منطق يقوم على التشفير والرقمنة. بمعنى آخر، إننا اليوم، أمام لحظة زمنية مفصلية في تاريخ الشعر العربي، بل والأدب والثقافة والفكر، ليس عند العرب فقط، وإنما في العالم بأسره. لحظة زمنية من أهم اشتراطاتها، ضرورة الوعي بأهم التحولات الحاصلة على مستوى آليات ووسائل إنتاج الشعر واستقباله. وهذا لا يمكن أن يتحقق إلا بتحقق إنسان آخر، يضع نصب عينيه الرقمنة، كقدر حتمي، ينبغي التعامل معه بحذر وبشكل إيجابي، أي بشكل يجعلنا ننخرط في هذه العالمية، تأثيرا وتأثرا.
فهل بمكنة شعرية الوسيط هذه، أن تجعل الشعر العربي، ينخرط في الحداثة العالمية، بشكل صحيح هذه المرة، بما هي شعرية تذوّب الحدود، وتخترق المسافات، صوتا وصورة وحركة.. بسرعة لامتناهية، ودون توقف، وأنها قادرة فعلا، على دحض الرأي المغرض الذي يرى فيها، مجرد شهادة وفاة كائن إبداعي، يرفض الخضوع لمحركات آلية، لا روح فيها، كجريمة أخرى تنضاف إلى جريمة قتل الإنسان من قبل البنيويين؟
شاعر وناقد مغربي