نوف جسيمان
تصنف أعمال الفنانة نوف جسيمان ضمن تجارب الميكسد، اقترانا بما تسوغه من مواد مختلطة الوسائط لتجعل منها موضوعا بنائيا، يرتكز على الخفة والتدرج والتصميم الدقيق، فهي تركز أسلوبها على رصد مناحٍ كثيرة من التصورات، وتفضل الاشتغال في المنحى الكولاجي التعبيري على مساحات متوسطة وبأشكال مثيرة، وتسعى إلى العناية الدقيقة بالقيم الجمالية، ما يمنحها مجالا واسعا لمقاربة موضوعاتها البنائية المركزية بالمنحى الجمالي. فتسخر لذلك مجموعة من الوسائل المتنوعة والمفردات الفنية المختلفة، بحركات تبسط أشكالها بكميات مخففة في الفضاء، وبذلك فإن القاعدة الفنية لديها هي صورة متعددة الوسائط توجه الخطاب الدلالي، وتتحقق فيها أشكال وعلامات بتقنيات معاصرة. وهي في المنظور النقدي، تشكل لغزا فنيا حين تتداخل مجموعة من الأشياء المنفصلة، وتتركب مع أشياء ليست من جنسها، ما يضع القِطع واللون والشكل والعلامة في مفارقة، ويحيل إلى إشارات قابلة للتأويل. فكلما قوي الترابط بين العناصر المكونة للعمل اتضحت الصورة الفنية التشكيلية. والفنانة نوف جسيمان بتجربتها المميزة تقارب بين مكونات العمل بنوع من التدقيق والانتقاء، خصوصا أن كل السياقات المشكلة للفضاء تتسم بوجود وشائج قائمة بين المادة الفنية والعناصر والموضوع. وهو ما ينم عن إفرازات دلالية قوية، بل يجعل أعمالها أيقونات مرتبطة باستدراجات يتحكم فيها خطاب الوسائط الذي يوجه الموضوع، وتعضده التقنية الجديدة التي تبني الصورة وفق صور متباينة، تعج بالحركة والتعابير المتنوعة، ما يمنح أعمالها خصوبة من بداية التشكل، إلى تحقيق المعنى.

إن مختلف المسالك التوظيفية تلائم ماهية أعمالها على مستوى الشكل والمضمون، في وجود وشائج بين العلامات وجمالياتها، وجماليات تشكيل المادة الوسائطية، فتتجلى القطع الوسائطية والأشكال والكتل، والتراكيب، والصور في نسق حسي بصري، تثير حركة نوعية، الشيء الذي يكشف عن نوع من التوازن الإبداعي الشامل. فهي تستطيع بمهارتها العالية، أن تخلق انسجاما بين كل العناصر عن طريق تداخل القطع والأشكال والعلامات في الفضاء. وهي عوالم تشكيلية تكشف عن رزمة من المعاني والدلالات، وعن بلاغة هذا المنجز الفني، وعن قدرة الفنانة الإبداعية المتفاعلة مع مختلف المواد والأشكال والصور والألوان، وتشييئها وفق رؤيتها الفنية والجمالية. إنها حمولة مكثفة الخصائص التشكيلية الفريدة.

وإن اشتغالها وفق تجارب الميكسد، يقترن بما تسوغه من مواد مختلطة الوسائط ترتكز على الهياكل المتنوعة، فهي تعبر بمفردات فنية تستقي من الواقع مادتها الخصبة، بانتقاء المواد التي تشتغل بها لإعادة تشغيلها وتدويرها وتركيبها وفق المواضيع ذات الصلة بالمضامين التي تنسجها معرفيا وعلميا، على نحو ما تحمله تقنياتها من متغيرات، تجعل من القطع البنائية شكلا منظما في تواشج عميق الدلالات، عن طريق التعبير بها في نطاق مجموعة من المفردات التي ترتبط بتلك المواد التي تعتبر جوهر أعمالها الوسائطية، فاستخداماتها الدلالية وتثبيتها لعناصر التدوير، يعكسه المزج بين ملامح القطع التي تنتقيها بعناية ودقة فائقة، والألوان التي تشتمل عليها تلك القطع تبعا لنسق المادة الكلية. فتجسيد المادة الوسائطية عن طريق إعادة تركيبها، تتم بموتيفات شكلية، تعيد صياغتها بطرق جمالية قوامها الاستدلال على مواضيع معينة تحملها إلى الأفضل، وهي بذلك توجه رسائل متنوعة من خلال أعمالها التي تولف بين المنحى الجمالي، والمنحى التعبيري بأسلوب فني معاصر. فيتجلى حسها الفني في مختلف التقاطعات، والوصل بين مختلف المفردات، التي تشكل العمل الإبداعي لديها. فيتحقق في أعماله التجاور والتنوع، إذ تسعى من خلال كل قطعة إلى تحقيق تواشج مع شكل آخر، رغبة في تقديم رمزية العمل الفني عبر وحدة الشكل والبناء والرؤية والأسلوب، فيفضي ذلك إلى حوارات متجانسة. وهو أمر يميز الخطاب الفني لديها، ترسي من خلاله التخصص في أسلوب تجسيدي تعبيري مبني على قاعدة من القطع والأشكال تقارب بها بين المبنى والمعنى، والتراكيب الفنية. فاتخاذ التنغيم والتباين والتكامل والانسجام في التنفيذ، يجعل أعمالها رمزا ناطقا بأبعاد قيمية متنوعة تروم القطع الوسائطية شكلا ومضمونا، لتحرك سكون الفضاء بكل محتوياته، إنها وظائف دلالية مغايرة في أعمالها الفنية، إذ تعتمد الاشتغال في المنحى التعبيري التجسيدي بكتل وركامات خفيفة، مع العناية الفائقة بالقيم الجمالية. كما أن أعمالها لا تقف عند حد الشكل البصري، بل تتعدى ذلك إلى نسج من الخيال بالمعايير الفنية الدقيقة التي تعالج من خلالها مختلف القضايا التي يضمرها الشكل العام في أعمالها، وبذلك فإن أعمالها تتبدى فيها الاجتهادات الممنهجة التي تقارب أعمالها بالواقع من منطلق التصورات والرؤى التي أنتجتها مخيلتها، فتظهر مليئة بالإيحاءات والإشارات والرمزية الدالة على ولوج عالم أفضل، بل على المنحى الثقافي والمعرفي الذي تمتح منهما نوف جسيمان مقوماتها الفنية والجمالية.
كاتب مغربي
