تعرفت على حسام عاصي، في حدود عام 2009، وكان حينها يفتح طريقا شاقا وفريدا في الولايات المتحدة الأمريكية، باعتباره أول إعلامي فلسطيني يُقبل في جمعية هوليوود للصحافة الأجنبية، المعروفة بتقديمها جوائز «غلوب» السينمائية.
مقام عاصي في لوس أنجلس، وعضويته في الجمعية، وموقعه الإلكتروني المتخصص سينمائيا، أمور أهّلته للقاء كبار أيقونات العالم من نجوم هوليوود الكبار، فضمّ رصيده لقاءات مع أشهر المخرجين والممثلين في العالم، ووجدت في دعم اعتماده مراسلا لـ«القدس العربي» في هوليوود، فرصة لنشر مقابلات مع كبار النجوم والمخرجين السينمائيين، والعروض عن الأفلام، وتقديم تحليلات عن ظواهر السينما في اشتباكها بالسياسة وقضايا العرب والمسلمين.
هناك، حسب القائمة الحالية لأعضاء HFPA، خمسة يمثلون بلدانا عربية، أربعة منهم مصريون، وهم جورج ومحفوظ دوس، وهويدا حمدي وميكو سعد، وأرمني يملك شركة سينمائية مقيم في لوس أنجلس مسجل تحت اسم الإمارات، هو رافي بوغوصيان، وهناك تونسيّ هو رمزي ملوكي، لكنه يمثل بولينيزيا الفرنسية، وقد أزيل اسم حسام مؤخرا، بعد رسالة انتقاد قوية أرسلها لإدارة الجمعية، تبعها شطب عضويته، بالتزامن مع حملة شرسة مديدة حضرت فيها «حبكة» مفضلة عند ضباط المخابرات العرب، لكن لها عزّ ودالّة في أوساط صحافة «التابلويد: اتهامات بالتحرّش الجنسي، مضافا إليها، بالطبع، التهمة الاعتيادية لأي فلسطيني، أو لأي من يختلف مع وجهة نظر اليمين العنصري في إسرائيل، وأمريكا، والعالم (بما فيه بعض الأنظمة العربية): معاداة السامية.
الفلسطيني التائه على حدود السرديّات
إذا كانت «خلطة» الصحافة الصفراء الآنفة، لتدمير حسام عاصي، «تقليدية» فإن سيرة عاصي، وصولا إلى هذه الواقعة مؤخرا، وما تلاها من أحداث، لا تبدو عادية بالتأكيد، وهي كافية، لو تم توثيقها، أو تحويلها لعمل إبداعي، لتقديم مفاجآت كثيرة «خارج الصندوق» وهو أمر يصعب فهمه خارج التعقيدات العجيبة لما يمكن أن نسميه، «المسألة الفلسطينية ـ اليهودية» التي تسم بوسمها الملحمي حياة كثير من الفلسطينيين، الذين يعيشون دائما، على حدود السرديات والمعاني والتراجيديات العالمية.
أول هذه العناصر، ربما، أن رابطة الصحافيين الأجانب في هوليوود، لم تهتم، أو لم تنتبه، حين قبلت عاصي في عضويتها، لكونه فلسطينيا، باعتباره يحمل جواز سفر بريطانيا، وينشر مقابلاته وعروضه بالإنكليزية، كما أنه يحمل جواز سفر إسرائيليا، وهو حائز على شهادة عليا في علوم الكومبيوتر من معهد التخنيون الشهير في تل أبيب. تحضر هنا، إذن، المعادلات المحيّرة الخارجة عن التنميطات الاعتيادية.

بدأت المشكلة مع قيام صحافية، شارون واكسمان، تدير موقعا «تسلويا» entertainment website، وهو «The Wrap» بشن حملة مركزة على عاصي، بدأت عام 2013، حيث نشرت إشاعات جنسية مضحكة ضده بدون أدلة أو ضحايا، لكنها، مع بداية هذا العام، استخدمت شهادات، منها لفتاة صينية ادعت أنها عملت مساعدة له، مع أنها لم تملك تأشيرة عمل في الولايات المتحدة، وأخرى قالت إنه أخبرها عن إشاعة جنسية ضدها، وثالثة قالت إنها «لم تشعر بالراحة» حين قابلته مع أنه عاملها باحترام، ورغم أن فريقا خاصا حقق في الادعاءات وخلص إلى عدم وجود دلائل لإثبات أي منها، فقد أصرّ الموقع على نشر مزاعمه.
قام صحافي «بي بي سي» البريطاني جيسون كورسنر بالاتصال بجمعية هوليوود للصحافة الأجنبية وطلب منهم تفسيرا مقنعا لطرد عاصي، رابطا ذلك بتغريدة نشرها عاصي على موقع تويتر واصفا فيها شارون واكسمان، مديرة موقع Wrap الإلكتروني، بـ«الصهيونية الحاقدة» مشيرا، في مقالات له إلى أن مواقفها المعادية له نابعة من كونه فلسطينيا.
«المنظمة السرية» تنازع الموت!
حسب شارون واكسمان، فإن الجمعية استخدمت فعلا هذه التغريدة لطرد عاصي من عضويتها، في أقسى رد ممكن لمعاقبته، ويأتي هذا، حسب كورسنر، في الوقت الذي تواجه فيه الجمعية اتهامات بالعنصرية والفساد، مشيرا إلى سمعة الجمعية السيئة باعتبارها «منظمة سرية» وأنها نادرا ما تعلن عن قرارات انضباطية ضد أعضائها، وخصوصا من يقومون بفضح ممارسات الفساد داخلها، وأن ذلك ساهم في فقدانها دعم شركات هوليوود الرئيسية ومؤسسات العلاقات العامة، خصوصا بعد فضائح كشفتها صحيفة «لوس أنجليس تايمز» العام الماضي.
إحدى الجوانب المثيرة في قضية عاصي مع واكسمان ورابطة الصحافيين الأجانب في هوليوود، أن معظم أعضاء الجمعية اليهود رفضوا اتهام الجمعية له بـ«معاداة السامية» ونددوا بقرار طرده، كما قام يهود ليبراليون عديدون، منهم عضو الكونغرس الأمريكي هنري واكسمان، ونجمة هوليوود ناتالي بورتمان.

أحد «المستمسكات» التي استخدمت ضد عاصي حول معاداة السامية، هو أنه يكتب في صحيفة «القدس العربي» بل إن الجمعية تكلّفت واستأجرت مترجما لمقالاته في الصحيفة من العربية للإنكليزية لمراقبتها! وقد اعتمد محققوها على ترجمة غير صحيحة لمقال له في «القدس العربي» اتهمها فيه بالعنصرية والفساد، معتبرين ذلك «معاداة للسامية» بل اتهم جمهور القراء العرب بمعاداة السامية، حيث كتبوا في تقريرهم «اعتمد عاصي على عبارات معادية للسامية ضد واكسمان، لكي يحصل على دعم شعبه العربي. فعلى سبيل المثال، كشف عاصي عن أن واكسمان التحقت بمدرسة في إسرائيل، لكي يلمح إلى أنها مؤيدة لإسرائيل».
شكا لي عاصي من أن من يتجرأون على دعمه أغلبهم من الليبراليين اليهود الذين لا يمكن اتهامهم بمعاداة السامية (رغم خشية الكثيرين من السطوة الهائلة للوبي المناصر لإسرائيل) وأن زملاءه العرب تجاهلوا المسألة وتجنبوا الخوض فيها، أو الدفاع عنه، بينما قامت «بي بي سي عربي» بتعليق برنامجه السينمائي ولم يسانده في تلك المؤسسة البريطانية العريقة إلا زميل يهودي هو كورسنر.
مساندة شعبك لن تنفعنا!
لقد ذهب عاصي إلى هوليوود للتصدي، من خلال عمله الصحافي، للتنميطات السلبية التي تقدمها أفلامها عن العرب والمسلمين، فبات ضحية تلك التنميطات. لكنه لم يستسلم لها، بل أسس مؤخرا شركة إنتاج أفلام ليستمر في التصدي لها من خلال صنع أفلام هوليوودية تطرح روايات من الحاضر والماضي العربي والإسلامي من منظور أبناء وبنات حضارتهما. ما حصل عمليا، هو أن رابطة الصحافيين الأجانب طردت الصحافي الفلسطيني الوحيد فيها وضمّت ستة إسرائيليين جدد لأعضائها الإسرائيليين الأربعة الآخرين، ثم نشرت إعلانا تتفاخر فيه بتعدديتها، وهو ما يدفع للتساؤل: كيف تنكر جمعية هوليوود للصحافة الأجنبية أن اللوبي الإسرائيلي يهيمن على هوليوود ثم تطرد الفلسطيني الوحيد وتضم عشرة مصوتين على جائزة «غولدن غلوب» إسرائيليين؟
يمكن استنتاج الجواب لهذا السؤال من رد رئيسة الجمعية لعاصي عندما طالب العام الماضي إدارة الجمعية بدعم المواهب العربية مثلما يدعمون الآخرين، حيث قالت له: «مؤازرة شعبك لن تساعدنا في استعادة مكانتنا في هوليوود. لا أحد يهتم بكم». طرد عاصي، كان ضروريا، بهذا المعنى، وفي هذه اللحظة بالذات، لأن الجمعية تنازع للبقاء على الحياة، وقرّرت أن تستنجد بإسرائيل وأنصارها المخيفين، ولتذهب حرية الصحافة، التي خصصت الجمعية حفل عام 2015 لغولدن غلوب للاحتفاء بها، إلى الجحيم!
كاتب من أسرة «القدس العربي»