رام الله – «القدس العربي»: منذ أن أعلن عن موافقة نتنياهو، على إلقاء خطاب في الكونغرس الأمريكي، والمناوشات التي حدثت مع البيت الأبيض، بخصوص تجاوز نتنياهو اللباقة الدبلوماسية، ازدادت حدة الخلافات بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة، وسببت انقساماً داخل المجتمع الإسرائيلي من الجهة الثانية، فيما انشغل الإعلام الإسرائيلي بنشر تفاصيل كاملة لما يجري، قبل الخطاب وبعده، كم هو الحال بخصوص التحليلات، وآراء الأحزاب الإسرائيلية، والساسة أيضاَ.
وكانت الصحف الإسرائيلية، واضحة تماماً فيما نشرته بعد الخطاب، فقد كتبت صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية، أن رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو عاد إلى اسرائيل، بعد خطابه في الكونغرس الامريكي، ولكن الازمة الشديدة في العلاقات بين البلدين، والتي اندلعت في أعقاب «طبخ» الخطاب من وراء ظهر البيت البيض، لم تنته. كما كرست الصحف الاسرائيلية مواضيعها الرئيسية للخطاب الذي القاه رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، امام الكونغرس الامريكي.
ونشرت «هآرتس» أيضا، أن خطاب نتنياهو حدد نقاط الخلاف بين المعسكرين في إسرائيل، فبينما سارع اليسار الى مهاجمة الخطاب، أعلن اليمين دعمه له، وقال رئيس المعسكر الصهيوني، يتسحاق هرتسوغ «لنعترف بالحقيقة، الخطاب الذي استمعنا اليه، مهما كان مثيرا، لم يوقف المشروع النووي الايراني، ولم يؤثر على الاتفاق المتبلور، الحقيقــــة المؤلمــــة هي أنه من وراء التصفيق، بقــي نتنياهو وحيدا وبقيت إسرائيل معـــزولة، هذا الخطاب يشكل تخريبًا بالغًا على العلاقات الاسرائيلية- الامريكية»، كما هاجمت زعيمة ميرتس زهافا غلؤون، وقادة القائمة المشتركة، ايمن عودة ومسعود غنايم وجمال زحالقة واحمد الطيبي، خطاب نتنياهو، وقالت غلؤون ان الخطاب كان «خطاب تخويف واكاذيب يعكس اليأس وانعدام الأمل».
من جهته، هاجم رئيس البيت اليهودي نفتالي بينت، الذي يتواجد مع نتنياهو في واشنطن، من هاجموا الخطاب واعتبرهم كمن يطلقون السهام على ظهر رئيس الحكومة في لحظة مصيرية، كما هاجم الليكود اليسار وكتب في بيانه أن «بوغي واليسار اثبتوا أن أمن اسرائيل يهمهم بشكل أقل مما تهمهم المعايير السياسية الشخصية».
أما صحيفة «يديعوت أحرونوت» الإسرائيلية، وعبر معلقيها السياسيين، هاجمت الخطاب، بقوة، على اعتبار أنه يأتي قبيل الانتخابات بأسبوعين، وكان حري عليه القاءه بعد الانتخابات، كما أن نتنياهو خاطر في علاقة إسرائيل، مع الحليفة الوحيدة له في العالم وهي الولايات المتحدة.
وبالطبع، فإن الخطاب بالنسبة لنتنياهو، والمعسكر اليميني الذي يقف معه، وأيده في قضية خطاب الكونغرس، مرتبط ارتباطاً وثيقاً بملف الانتخابات الإسرائيلية، وكان من الواضح، أن نتنياهو ومن معه، يسعون لمزيد من الأصوات، وهو ما تؤكده استطلاعات الرأي الخاصة بالانتخابات.
وهاجم المعارضون نتنياهو، وسعيه للبحث عن أصوات الناخبين في الولايات المتحدة، كون الخطاب كان موجها إلى الإسرائيليـــين، وتحديدا إلى ذلك الجزء الذي لا يزال مترددا، على اعتبار أن ما شاهدوه وهم يجلسون أمام التلفاز، وكيف وقف الكونغرس لحدود العشر دقائق تصفيقاً لهذا الرجل، كي يقولوا «هذا من نبحث عنه»، واعتــــبرت اوساط المحللين في إسرائيل، أنه عندما يصل الأمر إلى الخطابة، فلا يوجد أي منافس لنتنياهو، وهذا لا يتوقف فقط على لغته الانجليزية المتكاملة، وإنما بموهبته في التمثيل، كذلك الحال.
لكن ومع عودة نتنـــياهو، فإنه سيستفيق مُرغماً، على كل الكوابيس التي حاول نسيانها في زيارته السريعة لأمريكا، مثل غلاء شقق السكن وغلاء المعيشة وتقريري مراقب الدولة القاسيين، والانشغال بزوجته والتراجع في الاستطلاعات.
واعتبر المحللون في إسرائيل، أنه لا يمكن بعد فحص تأثير الخطاب ومدى تأثيره على حزب الليكود، وما إذا كان سينجح باستعادة المقاعد إثر التراجع المتواصل، رغم أنه إذا كان لهذا الخطاب أي تأثير على عدد المقاعد، فإنه سيكون أسرع وأكثر فاعلية، من تأثيره على الرئيس باراك اوباما أو على فرص منع الاتفاق مع إيران، وهو ما يعني فشل نتنياهو في كسب أي من القضيتين سواء الانتخابات، أو وقف المفاوضات مع إيران لمنع الوصول إلى اتفاق.
وكان خطاب نتنياهو، بمثابة فرصة للأحزاب الإسرائيلية، التي تتصارع قبيل انطلاق الانتخابات الإسرائيلية، فمنها اليساري الذي اعتـــبر أن نتنياهو سيخسر جراء هذا الخطاب، والزيارة للولايات المتحدة، وبالتالي فإن رصيدهم من المقاعد سيرتفع، فشن هجوماً كبيراً على نتنياهو كخصم، وعلى كل من تحالف معه.
أما الأحزاب الدينية، والمتطرفة منها، والتي تدعم نتنياهو لأكثر من اعتبار، أهمها الاستيلاء على الأراضي الفلسطينية، لصالح الاستيطان، ودعم دخول المتطرفين إلى المسجد الأقصى وغيرها من القضايا، فإنها هي الأخرى رأت كذلك، أن خطاب نتنياهو سيكسبها المزيد من أصوات الناخبين، وهاجمت من هاجم نتنياهو.
لكن الخطاب الذي ألقاه نتنياهو، لم يكن شأناً إسرائيلياً، او حتى أمريكياً وحسب، فقد أصاب كذلك القضية الفلسطينية في مقتل، فقد قالت وزارة الخارجية الفلسطينية، أن نتنياهو في خطابه أمام الكونغرس الأمريكي، سقط من جديد في اختبار القيم والمبادئ الإنسانية، والقانون الدولي، وقرارات الشرعية الدولية، وذهب بإرادته ضحية لعنجهيته وغروره. وقف أمام الكونغرس كواعظ، متوهماً أنه يعطي العالم دروساً في علم السياسة والأخلاق وفنون التفاوض، وهو الرمز الحقيقي والحي للفاشل في هذه العلوم، حيث تجاهل نتنياهو عن قصد أن إسرائيل النووية هي السبب الفعلي لسباق التسلح النووي في الشرق الأوسط، كما أنه حاول إخفاء كونه رئيس وزراء إسرائيل التي تحتل شعباً آخر وتطرده من دياره، وتستوطن في أرضه، وتسلبه أبسط حقوقه، وتقوم بشن عدوان شامل على مقومات وجوده الوطني والإنساني على أرض وطنه.
وبدل أن يعترف نتنياهو بأن الاحتلال الاسرائيلي لفلسطين هو سبب البلاء الذي يحل بالمنطقة، حاول في هذا الخطاب حرف الأنظار عن جريمة الاحتلال والاستيطان، وتدخل لفرض أولويات مختلفة على دول العالم في تعاطيها مع منطقة الشرق الأوسط، وكل ذلك لإخفاء احتلاله لفلسطين وشعبه عن أجندة الاهتمامات الدولية.
واعتبرت الوزارة أن لعبة تصوير نتنيـــاهو لنفســــه كضحية باتت ممجوجة ومكشوفة، ولا يحق لمن يحتل شعب آخر ويشرده في المنافي والخيام أن يمثل دور البطل الحـــريص على السلام والأمن في العالم، حيث أن ســـياسة نتنياهو وجرائم حكومته ضد الشعب الفلسطيني هي التي تهدد السلم والأمن الاقليمي والدولي.
ورأت الوزارة أنه يات يجدر تحذير المجتمع الدولي ودوله كافة من مغبة الإنجرار خلـــف مغالطات نتنـــياهو وأجندته وأولوياته، فإنــها تطالـــبه بالتحرك السريع لإنهاء الاحتلال والاستيطان الإسرائيلي لفلسطين، وتمكين شعبنا من نيل حقـــوقه وبـــناء دولته المســــتقلة كأساس للإستقرار والأمن في المنطقة والعالم.
فادي أبو سعدى