بيروت – «القدس العربي» : يستحق الممثل الكوميدي المعروف بكاريكاتير المواطن البعلبكي عباس جعفر لقب الممثل القدير، بعد تجسيده لمسرحية «هيكالو». بعد «هيكالو» يمكنه أن يعتزّ بموهبته ويتدلل دون أن يصيبه الغرور. خروجه من نمطية لازمته منذ حضوره التلفزيوني تحتّم الثناء المزدوج، لعباس نفسه وما يختزنه من ليونة، وللكاتب والمخرج يحيى جابر، المجيد في مهمة إدارة الممثل.
أما عن يحيىى جابر في «هيكالو» فهو يشبه طلاب الطب حين يباشرون دراستهم بالتشريح المتدرّج لجسم الإنسان. يحفظونه «ظهراً عن قلب» وينتقلون إلى مهمات أكاديمية أخرى تصبّ في خدمة الإنسان الذي ما يزال له قلب ينبض. وليحيىى جابر جدارة مضافة، بعد تشريح الجسد بعلامة امتياز وضع علم الاجتماع نصب عينيه. نجح في لملمة أشلاء الجسد. رتّبها وركّبها بشخصيات لا تُحصى على المسرح، وترك لجسد عبّاس أن يرتدي شخصية ويخلع عنه أخرى، بين رمشة عين وأخرى. والشخصيات كانت بالعشرات
في انتقاله إلى منطقة بعلبك- الهرمل حقق يحيى جابر تفوقاً على ذاته في التشريح والتوصيف. «حي الشراونة» في بعلبك هو بيت القصيد، ومن خلاله ابحر في السياسات اللبنانية المتعاقبة فصولاً، وتنكرّها للأطراف، إلى العشائرية التي تزداد قوتها كلّما غرق وجود الدولة في الغياب المقصود. كتب في التاريخ والجغرافيا، وحمّل الاقتصاد السياحي الريعي بعضاً من مآسينا.
في «هيكالو» لاحظنا كم يزداد يحيى جابر الكاتب تمكناً في حرفته، ومن تخصصه بالكوميديا بطعم زوم الزيتون في موسم قطافه. الضحك آني، وشكراً ليحيى وعباس لمنحنا تلك النعمة على مدى أكثر من ساعة ونصف. ففي هذا العرض المسرحي تلاقحت المحطات الكوميدية دون كلل، وبموازاتها طرقت المرارة على القلوب معلنة أنها مقيمة هنا، وراسخة لأجل، تماماً كما فعل أهل دار الواسعة في حي الشراونة.
جميل يحيى جابر في ابتكار شخصية «الشيخ نوفل» الذي ختم دراسته في النجف بثلاثة أشهر بدل الأربع سنوات. لم تكن تلك الشخصية حمّالة الأسية. بل حمّالة لواقع سياسي يخترق لبنان بكل مناطقه، وهو صورة مطابقة له. يصل ما بين العراق وإيران ومصر، ويتخطاها أحياناً إلى عاصمة الكثلكة في العالم، وغيرها من مقتنيات التداخل بين السياسة والمصالح. بعيداً عن السياسة، تفتي شخصية «الشيخ نوفل» بلسان النساء ولصالحهن، في المساواة «المرا سعرا بسعر الزلمي بالزرع وبالدفع»، والحضانة والزواج المبكر. سجل «الشيخ نوفل» مواقف ثورية تتمناها النساء وبخاصة المطلّقة وحضانة اطفالها. كأن عباس جعفر حيال مونودراما شخصية، أو هي أحداث تتطابق مع حياة آخرين. وليس بالضرورة أن يكون «عجاج» الوالد الذي بدأت منه الحكاية، ومنه توسعت الأعمال في حي الشراونة، وتبدّلت معالمه منذ أسست «الست زلفا» مهرجانات قلعة بعلبك. يؤكد يحيى جابر لـ»القدس العربي» أن نصه استفاد من سيرة عبّاس جعفر. وكذلك ساعدته زياراته المتكررة كباحث إلى حي الشراونة، وغيره في منطقة بعلبك الهرمل، في كتابة نص بهذا الغنى. في بعلبك الهرمل إلتقى جابر بمختلف فئات الناس من بينهم الـ«مطاليب».
وماذا عن إعداد عبّاس الممثل؟ حسب يحيى جابر تطلب جهداً بالغاً كان خلاله عباس مرناً ومطواعاً. ويقول: تحويل الرؤية الفنية إلى رؤية فنية أخرى كانت رحلة مشوقة لي.
إنها «هيكالو» حققت نصراً لحي جابر وعباس جعفر، مسرحية مرشحة لتكون وجهة بحث لمن يعشقون المسرح، ولم سيصلهم صداها من الفم إلى الأذن.
بعد مسرح المدينة تحط «هيكالو» في دوّار الشمس ابتداء من 14 و15 تشرين الثاني وصولاً إلى كانون أول والثاني.