تحريك للراكد المتراكم قبل أن يدخل الشغور الرئاسي عامه الثاني. بهذا يلخّص الوضع اللبنانيّ الآن، وتزدهر فيه تخيّرات متوترة، تشبه كثيراً تلك التي تفرض نفسياً على لاعب في آخر الليل على طاولة ميسر. تخيّرات من قبيل المفاضلة بين «الفراغ إلى ما لا نهاية»، أو أي «سدّ للفراغ والسلام».
هذا، كما لو كانت هذه التخيّرات واقعية. كما لو كان من الممكن أساساً أنْ يتواصل الفراغ على رأس دولة إلى ما لا نهاية، وكما لو كان من الممكن لنوع مستفحل من الفراغ، يشي بأزمة هيكل لا أشخاص بعينهم، أي يُحلّ على قاعدة الابتذال الذرائعي «أيا كان أفضل من الفراغ».
والحالُ أنّ العام الماضي كشف بعداً مهماً في المشكلة الهيكلية التي تعبّر عنها أزمة الشغور الرئاسي. فالبلد، رغم هذا الشغور، ورغم الحروب الأهلية المستعرة في الإقليم، وتدخل «حزب الله» في سوريا، وأزمة اللجوء السكاني، وتجاوز الجماعات الجهادية للحدود بين البلدين، وخطفها بلدة وعسكريين، بالرغم من كل هذا، تبين أن البلد يستطيع العيش بشكل معقول، مؤسساتياً ومجتمعياً من دون رئيس جمهورية، بل أن مؤسسة الحكومة التي قلّما كانت تعمل دون ان تتعطّل كل جلستين، أتيحت لها شهور من الانعقاد بانتظام، رغم أن فرقاءها يختلفون على كل شيء تقريباً في قضايا النزاع الأهلي اللبناني الرئيسية.
هذا التمكن للبلد، بمؤسساته، وعيش سكانه، رغم كل التحديات الإقليمية وانعكاساتها الأمنية والديموغرافية، من أن يتدبّر أمره من دون رئيس جمهورية أظهر بوضوح كم أن هذا المنصب، بعد اتفاق الطائف، غدا رمزياً. ولم تكذّب الأعياد خبراً: اللحظات الأبرز التي شعر فيها اللبنانيون بالطابع النافر للفراغ الرئاسي كان في أعياد الجيش والاستقلال والميلاد ومار مارون، التي هي مناسبات أساسية لظهور الرئيس.
في الوقت نفسه، هذا العناد كل هذه الفترة على موضوع الانتخابات الرئاسية لا يشي بأنّ المنصب ثانوي ونافل بالنسبة لأطراف الأزمة. من ناحية، تجربة الشغور تظهر بلداً يعيش بشكل مقبول من دون رئيس، ومن ناحية ثانية، هي تظهر مزاداً علنياً في أهمية انتخابات الرئاسة وأهمية حسن انتقاء الشخص العتيد، إنما على قاعدة أنها انتخابات مهمة إلى در جة يجري فيها تطيير النصاب في البرلمان كي لا يتم «سلقها» كيفما كان. لقد استطاع المسؤولون الأساسيون عن تمادي الشغور الرئاسي، وفي مقدمتهم «حزب الله» وحلفاؤه بتطييرهم الجلسات، تركيب تبرير مزدوج: الشغور لا يدعو للقلق، لأن المؤسسات تسير والناس تعمل و»حزب الله» يقاتل، ولو في غياب رئيس. والشغور لا يدعو للضجر، لأنّ المطلوب انتخاب «منقذ» في هذه المرحلة الاستثنائية، ولو أخذ ذلك وقتاً إضافياً ومتمدّداً، أي على قاعدة «ليس وراءنا شيء، نأخذ وقتنا حتى ترسي على منقذ أو شبيهه».
وكان الاستحقاق، على غير عادة تهيئة قائد الجيش، كما في حالتي العمادين اميل لحود وميشال سليمان، قد افتتح بتبارز «المرشحين ـ المنقذين» سمير جعجع وميشال عون، ويجرّان وراءهما ربع قرن من هذه القطبية، التي انفجرت دموياً في «المنحسر المسيحي» في أواخر الحرب، وأثقلت على كاهل المسيحيين في ظروف انتهاء هذه الحرب بالوصاية السورية، ومع ذلك بقي المسيحيون متأثرين بهذه القطبية «عون ـ جعجع» أكثر من سواها. سياسياً، كان ترشيح جعجع في الأساس محاولة منه لقطع الطريق أمام البازار الداخلي والإقليمي الذي يمكن أن يفضي إلى وصول عون إلى سدّة الرئاسة.
وإذا كانت إحدى مشكلات «قوى 14 اذار» التأسيسية أنها كابرت على شعبية عون بين المسيحيين في انتخابات 2005، فإن ما تفشى في بعض المحسوبين على مناخها في السنة الأخيرة من تبريرات لتجويز رئاسة عون كله فيه الكثير من «أدب الهواة». فهذا، يخبرك بأن عون إذا ما تبناه أخصامه في السنوات العشر الأخيرة فهذا يحرج «حزب الله» الذي لم يتبن عون رسمياً كمرشح رئاسي في أي يوم. ينسى صاحب هكذا رهان ان قدرة «حزب الله» على البيع والشراء أكبر، بحكم كونه القوة النافذة أمنياًً من جهة، وبحكم حداثته النسبية في اللعب السياسي، فهو حركة سياسية واجتماعية وعسكرية وجزء من مدى إقليمي، في حين ان الآخرين تيارات لزعماء محليين مرتبطين نفعياً وليس ايديولوجياً بالعواصم الإقليمية. الحزب نفسه الذي قال نعم لـ»القانون الارثوذكسي» في حين انشطرت «14 اذار» حوله، لا يمكن الاتكال على إحراجه بتبني حليفه رئيساً.
إذاً، الوضوح لا مهرب منه: أنْ تؤيد وصول ميشال عون إلى الرئاسة يعني أنك تؤيد وصول حليف «حزب الله» في خيارات السنوات الأخيرة إليها. أما أن تعتبر ذلك مدخلاً لنسف التحالف بينهما، فأنت لا تملك أي مفتاح لذلك، ومنح الرئاسة لعون، وفتح القنوات العربية أمام عون، لا يقدّم أو يؤخر كثيراً على هذا الصعيد. فكرة أن عون سينقلب على «حزب الله» كما انقلب سابقاً على «14 اذار» جميلة، لكنها ساذجة للغاية.
هناك طبعاً النمط الآخر من التنظير. مفاده أن عون الأكثر شعبية بين المسيحيين، وبالتالي ينبغي أن تذهب الرئاسة من حصته. بخلاف المقاربة الأولى ثمة حيثية جدّية لهكذا تنظير. فعلاً، لماذا يكون أصحاب المناصب في الدولة من المسلمين لهم ثقل شعبي في طوائفهم، وصاحب المنصب المسيحي على رأسها دون ثقل شعبي يمنحه زخماً لشغل منصبه؟ لكن الطريف حينها أن يكون منطقاً بهذا الوضوح يحتاج إلى عشر سنوات، أو أساساً إلى ثلاثين سنة للاستيعاب. «المسيحيون معي إذا أنا الرئيس»: هذا ما يقوله عون «مذ وجد»، بل هذه هي العونية. يتكامل ذلك طبعاً مع كون حب أكثر المسيحييين لعون هو نظراً لمشكلتهم المزمنة، والتي لا رجوع عنها، مع اتفاق الطائف. وهنا الطامة. هناك من يعتبر أنه من الممكن المصادقة على مبدأ العونية دون مضمونها. وأن يعتمد مبدأ «المسيحيون معي إذاً أنا الرئيس» دستوراً، دون الإضرار باتفاق الطائف، في حين أن مبدأ «المسيحيون معي إذاً أنا الرئيس» هو مدخل، ولو غامض، إلى دستور جديد.
مع ذلك، لا يزال للشغور حيثياته، وأهمّها تفضيل «حزب الله» البيع والشراء بحسب روزنامته هو وليس مواعيد الآخرين.
هذا لا يعني أن «كسر الشغور» بالإتيان بحليفه رئيساً هو انتصار عليه. المعطى العام يبقى: المزيد من تحكم «حزب الله» بمصائر اللبنانيين. المزيد من الاستتباع له، إنما بأنماط منها المدرك ومنها غير المدرك.
أول الإفلات من هذا يقتضي بعثرة التخيّر العبثي بين الفراغ، والرئاسة مهما كان الثمن. لكن هل يمكن الإفلات من هذا فيما أنت تكابر على واقع الحال الذي يشي بوضوح بأزمة نظام دستوري وسياسي وتوازن بين الجماعات اللبنانية؟
العونية تعني الجمع بين اثنتين، «المسيحيون معي إذاً أنا الرئيس»، و«للمسيحيين مشكلة مع اتفاق الطائف». البازار حاصل حالياً مع الشق الأول، ومسدود مع الشق الثاني. ليته كان العكس.
٭ كاتب لبناني
وسام سعادة