بشّار مار خليفة: سأمنح ذاتي مسافة أحتاجها بعيداً عن المسرح لأكون مع الموسيقى التصويرية للأفلام

زهرة مرعي
حجم الخط
0

صوت الموسيقى حر يشبه الناس ويزعج المعتدين والموسيقى تلحُّ للتعبير عن الظلم بحق شعب فلسطين

بيروت ـ «القدس العربي»:  من انجازات مهرجان «بيروت كتاب» الذي نظمته ورعته السفارة الفرنسية، دعوتها للفنان بشار مار خليفة وفرقته لتقديم ثلاث حفلات في لبنان ضمن المناسبة. كانت حفلات مجانية، وهذا ما أفرح بشّار لأن موسيقاه وصلت لجميع من يرغبها خاصة غير المتمكنين من بدل بطاقة. وأفرحه أكثر توزع الحفلات بين الشمال والشوف، وأخيراً بيروت.

تلك الحفلات أتاحت لبشّار مار خليفة أن يكتشف مناطق جميلة من وطنه الذي غادره طفلاً، وخاصة مدينة طرابلس التي تركت في نفسه أثراً كبيراً، بجمالها وجمال جمهورها.
بشّار مار خليفة شقّ طريقه بهدوء وروية. بنى مشروعه الفني بالتدريج. أنجز موسيقاه وعبّر عن جيله بواقعية ومن دون إدعاء. وهو استحق في كانون الأول/ديسمبر من العام 2021 جائزة عالمية مرموقة، منحته إياها جمعية المؤلفين والملحنين وناشري الموسيقى الـ»sacem» تقديراً لخمسة ألبومات موسيقية أطلقها وآخرها «أون – أوف». فالجمعية التي تحمي نتاجات المبدعين تُكرّمهم أيضاً، وهذا جيد جداً.
قبيل حفل المعهد الثقافي الفرنسي في بيروت كان هذا اللقاء مع بشّار مار خليفة:
○هل تعيش مشاعر خاصة عندما تكون بصدد حفلات في لبنان؟
•بدون شك تختلف مشاعري مع حفلات لبنان. كل حفلٍ له تحدياته، في لبنان أشعر وكأن عائلتي موجودة ضمن الجمهور. إنها العائلة التي تدرك كافة التفاصيل، خاصة صلتي الداخلية بهذا الحفل، سواء كانت توتراً أم راحة. قد أكون مبالغاً في مشاعري هذه، مع العلم أني للمرة الثالثة أكون في لبنان لتقديم جزء من مشروعي الفني. الحفل الأول كان سنة 2016 والثاني سنة 2020 قبيل الإقفال العالمي بسبب كورونا. والحقيقة أن صلتي بالجمهور اختلفت بين البدايات والآن. كنت أصعد إلى المسرح ولا أعطي وجهي للجمهور، لكوني كنت أشعر بأني حيال معركة. مع تكرار الحفلات، وبدءاً من 2017 و 2018 بدأت الراحة تتسلل إلى داخلي. وبتّ أدرك بأن الجمهور هو جماهير، حيث الأفكار لديه والمشاعر متنوعة. مع العلم أن 99 في المئة من الذين يقصدون حفلاً يكون حافزهم الحب.
○وهل تشعر بالمسؤولية حيال دافع الحب هذا؟
•سابقاً نعم كنت كذلك، ورحت أدرّب نفسي على التخلص من تلك المشاعر بالتدريج، فمن شأنها تقليص حرية الإبداع. حريتي كفنان وقوة حضوري على المسرح هي التي تهمّ الجمهور. من يمتلك قدرة الحضور على المسرح عليه اعتماد الصراحة التامة مع ذاته وفنه. حتى حين يتناقض الفنان أحياناً مع فنه وذاته، فليس له الهروب من تلك المشاعر، إذ من المهم أن يكون ذاته.
○ثلاث حفلات في إطار مهرجان بيروت كتاب. كيف تصف اللقاء مع جذورك؟
•سررت كثيراً باقتراح حفلين خارج مدينة بيروت، إحداها في طرابلس والثانية في بيت الدين. كان مهماً أن نقصد الجمهور في الأطراف، والأهم هو مجّانية الحفلات، وإتاحتها للجميع. أمر رائع وصول الفنان للجميع وخاصة غير المتمكنين من دفع بدل البطاقة، وفي المناطق البعيدة تحديداً عن بيروت. حفل طرابلس مكنني من اكتشافها كمدينة جميلة وجمهور أجمل، كان عطِشاً للموسيقى. تشاركت في هذا الحفل مع كاتبة من اليابان صدر لها كتاب عن بيروت بعنوان
961 Heures à Beyrouth (et 321 plats qui l’accompagnent. كتاب ريوكو سيكيكيوشي حافزه الطعام فالكاتبة شغوفة بالطهي. كتبت من منطلق مشاعرها كإنسان غريب زار مدينة لم يعرفها من قبل. في الحفل قرأت الكاتبة مقاطع مختارة من الكتاب تشبه أغنيات مختارة من ألبوم «أون – أوف». مع العلم أني لم أكن أعرف الكاتبة من قبل.
○هل حضّرت مقطوعات خاصة لحفلات لبنان؟
•الحفلات الثلاث مختلفة أحدها عن الآخر. ففي حفل بيت الدين ترافقت مع الفنان التشكيلي الفرنسي شارل بيربريان الذي عاش في لبنان حتى عمر 15 سنة ومن ثم انتقل إلى فرنسا. عزفت الموسيقى بالتزامن مع رسمه على شاشة كبيرة، وكان الحفل مميزاً. وأتى حفل بيروت من ضمن الجولة التي أقوم بها مع فرقتي لتقديم ألبوم «أون – أوف» والتي تنتهي في آخر كانون الأول/ديسمبر بعد سنتين على انطلاقها.
○بما أن سي دي «أون – أوف» لبناني الولادة والتسجيل. كيف استقبله كل من الجمهور اللبناني والغربي؟
•قلت سابقاً أن الجمهور ليس واحداً. قد يكتشف الناس الألبوم صدفة ويعجبهم، ومن ثمّ يتابعون الأعمال الجديدة للفنان. أفضل عدم هدر الوقت في التفكير لمن أكتب هذه الموسيقى وكيف يفترض أن تكون. وأفضل التفرغ للتفكير بكيفية تأليف هذه المقطوعة الموسيقية، وبإحساسي خلال تسجيلها. ويصدف أن أقع على عنوان لمقطوعة موسيقية قبل أن تولد كمثل «إنسونيميا». فحينها كنت أمر بمرحلة خاصمني خلالها النوم فكانت «إنسونيميا». في كل الأحوال لست بصدد فرض إحساسي وما تعنيه لي هذه المقطوعة أو تلك على الناس. بل يهمني أن يكون للمتلقي مشواره الخاص مع المقطوعة الموسيقية أو الأغنية.
○كم تعني القضايا التي تناولتها في «أون – أوف» كالحنين للجذور والفقر والقلق والليرة والكهرباء وغير ذلك المتلقي في الغرب؟
•أعرف أن نسبة كبيرة من الجمهور الذي يتابع حفلاتي في الغرب يحبون لبنان ويعرفون أخباره. وأعرف أن لدى بعضهم نوستالجيا عنه دون زيارته. قد تؤدي قراءة كتاب ما إلى هذه النوستالجيا، وقد تأتي من حُلُم أو أمر لم نعشه. فجيلي على سبيل المثال يشتاق للبنان الماضي من دون أن يعرفه، ومصدر الشوق خبريات أهلنا فقط. لكنها نوستالجيا متمسكة بنا. هذه النوستالجيا يتولد منها نبع موسيقي يمس المتلقين في الغرب. إذ ليس للموسيقى جنسية.
○كموسيقي كم تأثّر «أون – أوف» كعمل فني ولد في حالة غجرية مع أصوات «الواوية» وانقطاع الكهرباء والبرد القارس؟
•تأثّر كثيراً. مثلاً عنوان الألبوم انبثق من وضع الكهرباء. قبل الوصول إلى لبنان كنت أعي الصعوبات التي سنواجهها، وسألت أصدقائي الموسيقيين من فرنسا عن استعدادهم للعيش ضمنها، وإنجاز عمل فني. وكان السؤال هو نقطة الإنطلاق لقصة ما، وبالنهاية الموسيقى قصة. ألبوماتي السابقة انجزت في استوديوهات، لكني كنت مصراً على عيش بعض من صعاب الطفولة التي مررت بها في لبنان خلال إنجاز «أون – أوف». هو عذاب سعيت إليه في هذا العمل، وقد تجسّد فعلاً في الموسيقى.
○سجّلت في لبنان سي دي «أون – أوف». أنت مجدداً في لبنان فماذا قال لك الـ»أوف» المتواصل؟
•أعرف الواقع، لكني كفنان ومواطن يؤلمني التدمير النفسي الناتج عن تشتت العائلات اللبنانية في كافة القارات بحثاً عن العمل. كفنان لن أقول «أوف» بل سأعبّر عن «الأون والأوف». الأكثرية لا تزال في لبنان، بعضهم يعمل في إطار المجتمع المدني، ويعرفون أهدافهم في الحياة، وليس لنا القول بأننا «أوف».
○إلى جانب موسيقى مرسيل خليفة التي رضعتها مع حليب والدتك ماذا عن صلتك بموسيقى الشرق والطرب؟
•يمكنني القول بأني نشأت في إطار حفلات فرقة الميادين. ومنذ ذلك الحين جذبتني الإيقاعات، دون التمكن من التمييز بين موسيقى شرقية وأخرى غير شرقية. عندما بدأت الدراسة في الكونسرفاتوار اكتشفت الموسيقى الكلاسيكية، وبدأت التمييز بين نوع موسيقي وآخر. في التسعينيات كنت أسمع موسيقى الروك والراب التي كانت تغزو العالم. كما عزفت الجاز والموسيقى الإلكترونية مع بعض الفرق. في النهاية عدت إلى إحساسي الأول بأن الموسيقى واحدة وليس لي التفريق بين موسيقى شرقية وغربية. أشعر بامكانية التفريق بين الموسيقيين وليس بين الموسيقى.
○هل سيلحن بشّار مار خليفة يوماً لصوت ما؟ هل من إحساس مماثل يراودك؟
•نعم الإحساس موجود فأربعينيات العمر تقترب. الرغبة التي تلحّ عليَ هي إيقاف الحفلات مع نهاية جولة «أون – أوف» هذا العام. احتاج لنفس عميق، ولمسافة بيني وبين المسرح. بتُّ أعطي مزيداً من الاهتمام لموسيقى الأفلام. ولأني كنت منتجاً لموسيقاي أود لو يستفيد موسيقيون شباب من هذه الخبرة. كما أن مكاناً لي يجب أن أجده رغم كونه غير واضح حتى اللحظة. ربما يتيح الابتعاد عن حفلات المسرح للأمور والأفكار أن تأتي بدون إذن مني.
○مؤخراً وقّعت على مبادرة موسيقيات وموسيقيون من أجل فلسطين. ما هو تأثير الفن في إطلاق صرخة مساندة للحق والعدالة في العالم؟
•صراحة لا أعرف ما هو أثر الفن في ذلك. لكن عندما يحتاج أحدهم لوجودي كفنان سأكون موجوداً. دعم هؤلاء الناس مهم جداً. كفنان أحلامي الإنسانية كبيرة، وهي تلحّ أحياناً للتعبير موسيقياً عن هذا الظلم اللاحق بفئة من البشر. سأكون موجوداً بقدر المستطاع حيث يُطلب مني. ومن يسألون هذا الدعم مهتمون بدون شك بما أقدمه من موسيقى. في فرنسا تنشط الحركة دعماً لفلسطين ولبنان وسوريا. المهاجرون إلى أوروبا من بلداننا العربية يبحثون أحياناً عن أوطانهم في الموسيقى، بعد أن تحولت أماكنهم إلى حلم بعيد. يمكننا متابعة هذا الحلم على المسرح.
○من يدعمون الصهيونية أقوياء جداً في العالم هل سيؤثر بهم 900 أو 1000 فنان في العالم؟
•أظن نعم نحن قادرون. حتى لو كنا إثنين سيصل الصوت. صوت الموسيقى حر ويشبه الناس وهو يزعج المعتدين أكثر من السياسة. السياسة سجّلت الفشل إلى الآن.
○وماذا بعد من جديد مقبل؟
•أنا بصدد وضع موسيقى فيلم جديد للمخرجة كلويه مازلو سبق وكتبت لها موسيقى فيلم «تحت سماء أليس». وبدأت تسجيل الموسيقى التصويرية لمخرجة فرنسية جذورها من السنغال، حيث ترغب بتصوير حياة المرأة في قرية صغيرة في بلدها الأم. إلى جانب مشاريع أخرى لكتابة موسيقى الأفلام لم تتضح تماماً بعد.
○هل تكتفي بقراءة السيناريو كي تكتب الموسيقى التصويرية للفيلم؟
•بل الأهم برأي العلاقة الإنسانية مع المخرجة أو المخرج، فهي تتيح أفكاراً للكتابة. وللسيناريو تعبيد نصف الطريق للإنطلاق.
تصوير: نبيل اسماعيل

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية