الناصر ة- “القدس العربي”: يكلف رئيس إسرائيل يتسحاق هرتسوغ، اليوم الأحد، رئيس “الليكود” بنيامين نتنياهو بتشكيل حكومته السادسة، بعدما تبين أن أغلبية 64 من نواب الكنيست الـ 120 يوصون عليه بذلك، وهذا بعد سلسلة لقاءات مع قادة الأحزاب الإسرائيلية. وتستبطن هذه اللقاءات، وما تخللها من مداولات، مفارقات تعكس اختلال الموازين وانقلاب المعاني، مثلما تظهر انتقال إسرائيل من العنصرية المستترة للعنصرية السافرة في تعاملها مع الآخر الفلسطيني. وتجلى ذلك بوضوح في محاولة رئيس إسرائيل الحالي يتسحاق هرتسوغ تبييض وشرعنة حزب “قوة يهودية” الفاشي العنصري، بلغة التفافية ناعمة مقابل، قيام والده رئيس إسرائيل الراحل حاييم هرتسوغ، الذي رفض استقبال الأب الروحي لبن غفير، النائب العنصري الراحل مئير كهانا (رئيس حزب “كاخ” المحظور) ضمن سلسلة اللقاءات مع ممثلي الأحزاب الإسرائيلية غداة انتخابات الكنيست الحادية عشرة عام 1984.
بن غفير لهرتسوغ: أذكر والدك عندما كان سفيراً لإسرائيل في الأمم المتحدة، وهو يمزق قرارها عام 1974 باعتبار الصهيونية عنصرية.
عندما استقبل رئيس إسرائيل الحالي يتسحاق هرتسوغ، يوم الجمعة الماضي، وفد الجبهة الديموقراطية للسلام والمساواة لاستطلاع موقفها من موضوع التوصية على هوية رئيس الحكومة القادم، توجّه للنائب عايدة توما– سليمان، وذكرّها معاتبا ناقدا بتصريحات سابقة استخدمت فيها مصطلح “شهداء” في حديثها عن “إرهابيين” فلسطينيين قتلتهم قوات الاحتلال في الأسابيع الأخيرة. قال ذلك متجاهلا حقيقة وجود حزب إسرائيلي عنصري أدين رئيسه، بن غفير، بالإرهاب، مكتفيا بلغة ناعمة في التعامل معه، فسارعت توما سليمان لتذكيره بالحزب العنصري الوحيد المدان رئيسه بالإرهاب. في لغته التطبيعية شارك يتسحاق هرتسوغ بإسباغ الشرعية على حزب “الصهيوينة الدينية” وعلى بن غفير تحديدا، وقد سبقه بذلك رئيس “الليكود”، رئيس الحكومة القادمة نتنياهو في انتخابات 2021، عندما عمل على توحيد حزبه “قوة يهودية” مع حزب “الصهيونية الدينية”. وقتها دعا نتنياهو بشكل غير مباشر للتصويت لـ “الصهيونية الدينية” بقيادة بن غفير وسموطريتش لضمان عبور نسبة الحسم، وهذا ما حصل حيث فاز تحالف المتطرفين بستة مقاعد وقتها، واليوم خرج المارد من القمقم وفاز في انتخابات الكنيست الخامسة والعشرين في مطلع الشهر الحالي بـ 15 مقعدا.
رئيس إسرائيل الراحل حاييم هرتسوغ رفض استقبال الأب الروحي لبن غفير، النائب العنصري الراحل مئير كهانا، ضمن سلسلة اللقاءات مع ممثلي الأحزاب الإسرائيلية غداة انتخابات الكنيست الحادية عشرة عام 1984.
وقبيل يومين من لقاء هرتسوغ مع وفد الجبهة الديموقراطية للسلام والمساواة (يوم الجمعة)، استقبل هرتسوغ، وفدا عن حزب “شاس” المتزمت، برئاسة الحاخام آرييه درعي، وقد سرّبت وسائل الإعلام الإسرائيلية تسجيلاً صوتياً منسوباً لهرتسوغ يتضمن تحذيرا بشأن النائب المتطرف إيتمار بن غفير. ووفقا للتسريب، الذي يبدو أنه مسرّب عمداً ضمن مساعي رفع العتب وتبييض الفاشي العنصري المعد ليصبح وزيرا في حكومة الاحتلال قريبا، تحدثَ هرتسوغ لدرعي (قيل رسمياً إنه كان يظن أن الميكرفون المخصص له قد أغلق) عن “مشكلة قد تواجهها الحكومة المقبلة بشأن المسجد الأقصى بسبب عضو الكنيست بن غفير”. وتابع هرتسوغ: “هذا موضوع حرج جدا. أنا أعلم، لكن لديكم شريكا كل العالم من حولنا مفزوع (منه)، وقد قلت له ذلك، وهذا ليس للنشر، لا أريد أن أفتعل المشاكل، وأعتقد أنكم تتحلون بالمسؤولية”. ومن جهته شارك درعي أيضا بعملية التبييض وإسباغ الشرعية على الفاشيين العنصريين برده على ملاحظات هرتسوغ بالقول عن بن غفير “لكنه أصبح أكثر اعتدالا”.
في اليوم التالي (يوم الخميس الماضي)، استقبل هرتسوغ نفسه وفدا عن الحزب الفاشي “قوة يهودية”، برئاسة النائب ايتمار بن غفير، المدان بعشرات المخالفات الجنائية، وبدعم منظمة إرهابية. في اللقاء بادر هرتسوغ للقول، بلغة مبيّضة ملطّفة: “بما أن أقوالي قد تسربت، من المهم لي القول إنني قلت لك ذات الأقوال المسربة قبل وبعد الانتخابات، وفيه أوضحت لك أن هناك صورة معينة لك ولحزبك، وهي للوهلة الأولى، وبصراحة، صورة تثير قلقاً في مواقع كثيرة. هناك أسئلة توجه لي من قبل مواطنين، ومن قبل قادة في العالم يكتبون ويسألونني عن قضايا حساسة جداً خاصة بحقوق الإنسان”.
من جهته، استهل بن غفير رده بالقول، بين الجد والمزاح: هل أقوالنا هنا مسجلّة؟ وتابعَ، مبررا معتقداته الفاشية العنصرية، ملمحا لتصريحاته بضرورة استخدام المزيد من القوة ضد العرب وهو يتوجه ليتسحاق هرتسوغ: “أذكر والدك حاييم هرتسوغ عندما كان سفيرا لإسرائيل في الأمم المتحدة، وهو يمزق قرارها عام 1974 باعتبار الصهيونية عنصرية. علينا الثبات على حقنا، والقول إننا راغبون بالحياة، وإنه لا يوجد نظام لا في أم الفحم ولا في غيرها”.
وبعدما تحدث بن غفير عن ضرورة إصلاح الجهاز القضائي، بحيث يتم تقليل صلاحيات المحكمة العليا، انتقل للحديث عن أكثر المواضيع حساسية، والمرتبطة به وبوعوده للإسرائيليين: الحرم القدسي الشريف. فقال: “جبل الهيكل (الحرم القدسي الشريف) هو قلب الشعب اليهودي، وفيه يبدأ تاريخنا. نحن ضد العنصرية، ومن غير الممكن أن تقول ليهودي يحظر عليك زيارة المكان لكونك يهوديا”. يشار إلى أن “الصهيوينة الدينية” وعدت، في برامجها الانتخابية، بفتح الحرم القدسي الشريف لصلاة اليهود، مما يعني عمليا البدء في تنفيذ مخطط تقاسم الأقصى على غرار الحرم الإبراهيمي في الخليل، وذلك رغم تحفظات دينية من قبل حاخامات كثر حتى الآن، يرون بانتهاك حرمة الأقصى لعبا بالنار يهدد أمن وسلامة اليهود.
سرّبت وسائل الإعلام الإسرائيلية تسجيلاً صوتياً لهرتسوغ يتضمن تحذيراً بشأن بن غفير.. يبدو أنه مسرّب عمداً لرفع العتب وتبييض الفاشي العنصري..
وحتى بعض الأوساط الإسرائيلية، التي تعتبر ذاتها ليبرالية، انتقدت اللغة الملطفّة الناعمة التي استخدمها يتسحاق هرتسوغ في تناوله لـ “الصهيونية الدينية” في الحديث مع قادتها، فقال عميت سالونيم، محرر في موقع “والا” الإخباري، إن رئيس الدولة يتسحاق هرتسوغ يقول داخل الغرف الموصدة ما ينبغي أن يصرخ به بأعلى صوته من على كل منبر. وتابع، مقارناً بينه وبين والده: “في المكان ذاته الذي قام فيه والده، رئيس إسرائيل الراحل حاييم هرتسوغ، بترسيم الحدود وإغلاق دارة رئاسة الدولة أمام الكهانيين العنصريين، فإن الابن يتسحاق هرتسوغ قرر استيعاب نتائج تصويت الإسرائيليين دون أسئلة”. ويستذكر سالونيم أن هرتسوغ الأب يهودي من أصل إيرلندي شارك في الحرب العالمية الثانية ضد النازيين ضمن القوات البريطانية، وشارك في تحرير هولندا، انتخب بعد 40 سنة رئيسا لإسرائيل. ويستذكر سالونيم أيضا زيارة صحافيين هولنديين للبلاد ممن اختاروا توجيه سؤال عن مدى قلق هرتسوغ الأب على الديموقراطية في إسرائيل، فور انتخابه رئيسا لها عام 1983، فقال عاتبا: “لا أفهمكم. سمعت عن انتخاب نائب مؤيد للنازية في برلمان هولندا للمرة الأولى، ولديكم منظومة انتخاب مثلنا، وعندنا أيضا انتخب نائب واحد متطرف لعضوية البرلمان. لن أقوم بسؤالكم عندما أزور هولندا عن مستقبل ديموقراطيتها فقط بسبب انتخاب نائب نازي واحد”. ويقول سالونيم إن حاييم هرتسوغ فاضلَ عملياً، وبين الكلمات وخلف السطور، بين بن غفير وبين النازية. وبعد عام على انتخابه رئيسا استقبل حاييم هرتسوغ رؤساء الأحزاب الإسرائيلية غداة انتخابات الكنيست الحادية عشرة عام 1984 لكنه رفض استقبال قائمة “كاخ” برئاسة الحاخام الإرهابي مئير كهانا الذي قتل في نيويورك عام 1990.
ورد كهانا على استبعاده بدعوة الصحافة العبرية لمرافقته، في محاولته دخول مقر رئاسة الدولة عنوة، لكن الشرطة كانت في انتظاره، وحالت دون دخوله، فيما علل حاييم هرتسوغ موقفه بالقول، في بيان رسمي، إنه مصمّم على مبدأ منع دخول داره سياسي خطير، واصفا كهانا بـ “ظاهرة غريبة تتناقض مع الأسس والقيم الإنسانية السامية لليهودية والصهيونية، فالتمييز وسلب الحقوق يتعارض مع التوراة، ولا مكان لذلك في دولة يهودية. طالما عبّر رؤساء إسرائيل عن روح وتوجهات الشعب، وهم كممثلين للإسرائيليين عليهم رفض كافة مظاهر العنصرية وسط اشمئزاز واضح، وبدون ذلك سيكونون قد أعلنوا عمليا أن الشعب هنا فعلا مصاب بداء العنصرية”.
ولاحقاً، في انتخابات 1988، وبعدما انتخب حاييم هرتسوغ ثانيةً رئيساً لإسرائيل، وصل كهانا للكنيست، للمشاركة في احتفالية خاصة بهذه المناسبة، وبيده قنينة نبيذ ليست حلالاً وفق الشريعة اليهودية، وهناك قال إن هرتسوغ “حرام ابن حلال”، كما هو الحال مع قنينة النبيذ بيده، في إشارة لوالد حاييم هرتسوغ، يتسحاق ايزيك هرتسوغ، الذي كان حاخام إسرائيل الأول بعد قيامها غداة نكبة 1948.
“الصهيوينة الدينية” وعدت بفتح الحرم القدسي الشريف لصلاة اليهود، مما يعني عملياً البدء في تنفيذ مخطط تقاسم الأقصى على غرار الحرم الإبراهيمي في الخليل.
وحسب سالونيم، كان موقف حاييم هرتسوغ من كهانا بداية مسيرة نزع الشرعية عن حركته حتى تم إخراجها عن القانون، مشيرا لاختلاف ولده، رئيس إسرائيل الحالي، الذي يصفه بالانتهازي، ويتابع: “هذا المد العنصري ينبغي أن يكون تحدياً لهرتسوغ أيضا، فلم يعد الحديث يدور عن نائب واحد، إذ إن 10% من المصوّتين اختاروا حزباً هو لأتباع ومكملي طريق كهانا، وبذلك حولوه للحزب الثالث في البلاد”.
وفي تلميح لوجود مصالح متبادلة يضيف سالونيم، الذي يبقى صوته صوتاً في البرية اليوم: “ولم يقل رئيس الدولة يتسحاق هرتسوغ كلمة أخلاقية واحدة في موضوع تنامي العنصرية الفاشية، بل ملأ فمه ماء، كما فعل أيضا في موضوع رئيس حكومة سابق ولاحق، نتنياهو، يحاكم بتهم فساد، وبالمصادفة لم يبادر هذا النتنياهو لطرح نفسه مرشحاً مقابل هرتسوغ في انتخابات رئاسة الدولة. واليوم بات يكرر هرتسوغ كلمات غير مباشرة عن بن غفير، وهذا هو طريقه المتميز بالجبن وفقدان القيادية، وهو يمتنع عن توجيه انتقادات لحزب يمثّل جمهورا عنصريا يأخذ بالتنامي. أبعد هرتسوغ نفسه عن الانتقادات، وعن مشاعر القلق، فقال إن هذه العالم.. الأغيار ولست أنا”. كما أشار سالونيم إلى أن رئيس إسرائيل أدخل بن غفير لداره، قبيل ساعات من مشاركة هذا في احتفالية كبيرة لإحياء ذكرى الحاخام العنصري كهانا، الحاخام ذاته الذي خرج شاهرا سيفه ضد نظريته العنصرية، وهذه رمزية نازفة تماما، كما هو الحال مع الرمز التجاري لسيارة رابين الذي اقتلعه بن غفير، وقال: “كما وصلنا سيارة رابين، سنصله أيضاً، وهذا ما حصل. هرتسوغ اختار الصمت على تصريحات ووعود بتغيير نظام الحكم في إسرائيل وإلغاء المحكمة العليا، مما يعني عمليا احتمال إطلاق يغئال عمير سراح قاتل رابين. بتصرفه هذا يطبع من حارب والده لإخراجه خارج القانون. وهذه المرة الأولى التي تظهر فيها رئاسة الدولة مؤسسة زائدة بالغنى عنها، بل خطيرة، فقد اختار هرتسوغ أن يكون رئيسا للجميع، بمن فيهم عنصريون يزعزعون أسس الدولة، فكيف إذن نواصل تسمية مؤسسة مرموقة تناصر العنصرية مؤسسة رسمية؟”.
أيمن عودة: لا أؤيد أن تسوء أحوالنا هنا، كمواطنين عرب فلسطينيين، أو كشعب فلسطيني، كي نبرهن لعالم أن إسرائيل عنصرية.
ويخلص للقول بسخرية: “هذه المرة، عندما سيصل صحفيون هولنديون للبلاد، ويسألون إذا كان هناك قلق على مستقبل الديموقراطية في إسرائيل سيكون أمامهم الهرتسوغ غير الصحيح، وبدون أجوبة”.
يشار إلى أن رئيس قائمة الحركة التقدمية للسلام، النائب الأسبق محمد ميعاري، كان قد شارك ورفاقه في قيادة الحزب في زيارة رئيس إسرائيل الراحل حاييم هرتسوغ غداة انتخابات الكنيست عام 1984 ضمن “لقاءات التوصية”، وفي مستهل حديثه اختار ميعاري للإشادة بمبادررة هرتسوغ بالامتناع عن استقبال كهانا فقال: “سيادة رئيس الدولة أرغب بالتعبير عن شكر عميق على موقف معين اتخذته. وكان تعليل ذلك هو الاهتمام بمشاعر كل المواطنين في الدولة، ولقد توقعنا ذلك حقا، ولكن عندما يتطابق القول مع الفعل، وعلى لسان رئيس الدولة فإن فرحتنا أكبر”.
لكن بعض المثقفين والسياسيين العرب الفلسطينيين يعتقدون أنه، في نظرة ثاقبة للماضي والحاضر، لا فرق جوهريا بين إسرائيل اليوم وإسرائيل بالأمس، ومنذ قامت كانت عنصرية، هي والصهيونية، وأن إسرائيل اليوم بعنصريتها السافرة الفظة، وبدون “ميك أب” سياسي، أفضل للفلسطينيين، لأنها تبدو على حقيقتها، ويسهل مواجهتها في العالم والمحافل الدولية، من إسرائيل التي تمارس العنصرية تحت قناع ملّون تدعي فيه أنها ديموقراطية: إسرائيل برئاسة يتسحاق هرتسوغ أفضل منها برئاسة حاييم هرتسوغ. لكن النائب أيمن عودة سبق أن قال، الأسبوع الفائت: «لا أؤيد أن تسوء أحوالنا هنا، كمواطنين عرب فلسطينيين، أو كشعب فلسطيني، كي نبرهن لعالم أن إسرائيل عنصرية».