سوريا: المسؤولون الأتراك في سباق لإعادة هيكلة «الجيش الوطني»

منهل باريش
حجم الخط
0

الوضع الأمني المنفلت ورواج المخدرات في مدينة الباب يجعل المسؤولين الأتراك عن الملف السوري في سباق من أجل إعادة هيكلة الجيش الوطني وتقوية أجهزة الشرطة والقضاء.

أكد الناطق العسكري في وزارة الدفاع في الحكومة السورية المؤقتة «استكمال اللقاءات والاجتماعات لقادة الجيش الوطني السوري» التي تتم في مبنى الوزارة. وأشار في بيان مصور أن هدف الاجتماعات هو «تنظيم هيكلية وعمل الجيش والإدارات التابعة له للتوصل إلى آلية عمل». ولخص أهم نتائج الاجتماعات في البيان الذي نشرته الوزارة يوم الاثنين «تعزيز دور الشرطة العسكرية ورفدها بالكوادر البشرية اللازمة لحفظ الأمن والاستقرار بالتعاون مع الشرطة العسكرية وإخلاء المقرات العسكرية» من البلدات والمدن.
وعلمت «القدس العربي» من مصدر في وزارة الدفاع في الحكومة السورية المؤقتة أن وزير الدفاع العميد الطيار حسين الحمادة عقد عدة لقاءات مع قادة الفصائل والكتل في الفيالق الثلاثة وفي نفس الوقت شكل المجلس العسكري التشاوري لتطوير المؤسسة العسكرية ويضم المجلس حاليا قادة الفيالق الثلاثة إضافة للوزير فقط.
وفي محاولة التأقلم مع التغييرات المرتقبة، تتسارع الكتل الكبرى في الجيش الوطني لتنفيذ ملامح الخطة التركية التي أبلغت بها الفصائل من قبل مسؤول الملف السوري في جهاز المخابرات الوطنية التركية في غازي عنتاب.
ولعل أبرز التغييرات الحاصلة هو حل مجلس الشورى التابع لـ «الفيلق الثالث» وعودة فرقتي «الحمزة» و«سلميان شاه» إلى «الفيلق الثاني» الذي تسلم مهامه فهيم عيسى قائد فرقة «السلطان مراد».
وفي تفاصيل التغييرات الحاصلة، أعلن الفيلق الثالث حل مجلس الشورى وهو المرجعية الرئيسية ويضم 52 عضوا يمثلون مختلف الألوية العسكرية والكتائب المنضوية فيه، وأبقى على مجلس القيادة والذي يضم قادة الكتل العسكريين والمسؤولين الأمنيين. وأتى القرار بمثابة مخرج يخفف الحرج عن قائد الفيلق ولا ينعكس تماسك البنية الداخلية للفيلق بشكل مباشر على اعتبار انه يأتي في سياق خريطة الطريق التركية لهيكلة الجيش الوطني في ريف حلب الشمالي. وكان خلاف قد وقع بين القادة العسكريين وحسام ياسين قائد الفيلق، طالب الطرف الأول بعزل ثلاثة أعضاء من مجلس الشورى، اثنان منهم من مؤسسي لواء التوحيد والجبهة الشامية، هما عبد العزيز سلامة أبو جمعة القائد السابق للجبهة الشامية ولواء التوحيد والعميد احمد عمر زيدان المعروف باسم «حجي حريتان» والقيادي العسكري البارز وممثل بلدة تل رفعت، حسين عساف «أبو توفيق». ويعود سبب غضب القادة الميدانيين على الثلاثة الأخيرين إلى عقدهم اجتماعا مع قائد هيئة تحرير الشام أبو محمد الجولاني نهاية تشرين الأول (أكتوبر) الفائت.
على صعيد «الفيلق الثاني» قدم قائد الفيلق العقيد أحمد عثمان استقالته لمجلس قيادة الفيلق ليعود فهيم عيسى مجددا لقيادة الفيلق، ومهد ما جرى لعودة فرقتي «الحمزة» و «سليمان شاه» حيث نشرت معرفات الفيلق على وسائط التواصل الاجتماعي صورة قائد الفيلق الجديد يقف متوسطاً بين سيف بولات أبو بكر ومحمد الجاسم «أبو عمشة». ويعتبر الأخيرين من أشد منافسي عيسى، إذ يحظيا برعاية تركية، فقد كانا أكثر المندفعين لإرسال مقاتليهم إلى ليبيا واوزبكستان تحقيقا للمصالح التركية. وفي الاجمال تعتبر تغيرات الفيلق الثاني إعادة التأكيد على أهمية الدور الذي يلعبه فهيم عيسى بصفته رجل أنقرة المدلل وتربطه علاقة جيدة مع قيادة «الفيلق الثالث» و«الفيلق الأول» فقد جرت محاولات توحد بينهم في حركة «عزم» التي أسسها قائد الفيلق الثالث السابق «أبو أحمد نور» قبل أن يعود عيسى ويشكل حركة «ثائرون» التي تحولت لتحالف أكبر من مكونات الفيلق الذي تتبع له فرقة عيسى (فرقة السلطان مراد). أما «الفيلق الأول» فلايزال الأكثر تماسكا وأبرز فصائله هي «جيش الشرقية» و «أحرار الشرقية» ويقوده العميد معتز رسلان، وعلى غرار التجمعات السابقة شكلت فصائل مناطق شرق سوريا داخل الفيلق حركة «التحرير والبناء» في شباط (فبراير) 2022 ويقودها الرائد حسين حمادي وتتكون من جيش الشرقية وفرقة «أحرار الشرقية» و «الفرقة 20» وصقور الشام (قطاع الشرقية). ومن غير المتوقع أن يحصل تغيير في قيادة الفيلق على اعتبار ان رسلان يقود فصيلا مقبول العدد ويشكل نقطة توازن بين فصائل الفيلق.
وفي سياق منفصل، عادت قضية مقتل الناشط السوري محمد عبد اللطيف أبو غنوم وزوجته حنان محمد الحسن الحامل بطفلة في شهرها الخامس إلى واجهة الحدث في ريف حلب الشمالي، حيث استدعى الوالي التركي في مدينة الباب قرابة 400 عنصر من قوات التدخل السريع «الكوماندوس» من مختلف المناطق في محاولة إزالة خيمة الاعتصام التي نصبها نشطاء المدينة. وتظاهر العشرات من نشطاء ووجهاء وفعاليات الباب احتجاجا على القرار، وتطور الأمر لاشتباك بين المحتجين وعناصر الكوماندوس إثر ضرب أحد النشطاء وبخ وجهه بالفلفل الحار. وإثر اجتماعات ولقاءات بين النشطاء والمسؤول العسكري التركي في مدينة الباب تعهد قائد الشرطة المدنية في المدينة يوسف الشبلي بتنفيذ مطالب المحتجين بعد تواصلات مع المسؤولين الأتراك في الباب والتي تنص على بندين، الكشف عن نتائج التحقيق بمقتل الناشط أبو غنوم وزوجته وإحالة الملف إلى القضاء، ووضع خطة أمنية لضبط المدينة التي تحولت إلى أسوأ مدن المناطق التي تسيطر عليها فصائل المعارضة. وتعهد الشبلي بتنفيذ المطلب الأول يوم الجمعة المقبلة.
ومن السابق لأوانه معرفة إذا كان سيتم الكشف عن ملابسات جريمة مقتل أبو غنوم وزوجته خصوصا وأن اعترافات القتلة وقائدهم المباشر أشارت إلى تورط قائد فرقة الحمزة سيف بولاد بشكل مباشر، حيث نشر جزء من التحقيقات يقول القتلة «هيك بدو المعلم» وتحولت الجملة إلى هاشتاغ على مواقع التواصل الاجتماعي بين السوريين ووسائل الإعلام المحلية والسورية المعارضة.
وفي محاولة إضعاف الحركة الاحتجاجية المطالبة بتحقيق العدالة في مقتل الناشط أبو غنوم أصدر المجلس المحلي في مدينة الباب قرارا يمنع بموجبه «إقامة التجمعات في الشوارع والطرقات العامة، أو في المساجد والمباني والمرافق التي تقدم خدمات عامة للمواطنين، وفي المناطق التي تقع ضمن مسافة كيلو متر مربع عن مبنى المجلس المحلي لمدينة الباب أو حرق الإطارات وتعطيل حركة المرور» ورغم قرار المنع فإن المجلس أكد على ان «إقامة التجمعات والمظاهرات والمسيرات لأي غاية كانت، هي حق أساسي من حقوق أي فرد في المنطقة، على أن لا يستخدم بها السلاح أو يعتدى بها على الآخرين» وبرر المجلس قراره بأنه «حفاظاً على المصلحة العامة وحماية الحقوق والحريات الأساسية للمواطنين والمحافظة على السلامة العامة ومصالح المواطنين» وألمح المجلس إلى حق رئيسه بتأجيل التجمعات واتخاذ قرار منعها «إن كان هناك خطر وشيك وواضح بارتكاب جريمة أو أي تهديد للأمن العام».
وحدد المجلس مكان التظاهر في حديقة الشعب (المنشية). ومن الواضح من خلال السلوك العام للمجلس المحلي وإدارة الشرطة المدنية والعسكرية أنهم يحاولون التغطية على نتائج التحقيق في قضية اغتيال الناشط أبو غنوم وزوجته بسبب ارتباطهم بقيادة فرقة «الحمزة» إلا أن استمرار الضغط الشعبي في مدينة الباب من أجل الكشف عن نتائج التحقيق سيؤدي في نهاية المطاف إلى محاسبة قائد فرقة الحمزة شخصيا وهنا سيقتصر الأمر على عزله وإبعاده من قيادة الفرقة بشكل نهائي أو سيجري التخلص من المجموعة المنفذة وإبقائه.
ان الوضع الأمني المنفلت والرواج الكبير للمخدرات في مدينة الباب يجعل المسؤولين الأتراك عن الملف السوري في حرج وسباق من أجل إعادة هيكلة الجيش الوطني وتقوية أجهزة الشرطة والقضاء وجعلها أكثر استقلالية عن قوى أمر الواقع العسكري. ولعل تفجير شارع الاستقلال الشهير في قلب اسطنبول ومقتل وجرح عشرات المدنيين سيدفع إلى فرض السيطرة الأمنية من خلال أجهزة الشرطة المحلية في شمال سوريا، فالخرق الأمني وتسلل منفذة التفجير من عفرين إلى تركيا حسب التصريحات الرسمية التركية يعني ان الثغرة الأمنية الحدودية موجودة، وهذا يحتاج إلى مقاربة أمنية وعسكرية مختلفة للشمال السوري وأن الرؤية السياسية لأنقرة تجاه المنطقة غير كافية.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية