بينما يستمر التحقيق في ملابسات الصاروخ الذي سقط على الأراضي البولندية، كثفت القوات الروسية ضرباتها في مختلف أنحاء أوكرانيا، مُحدِثة شللاً في البنى التحتية الأوكرانية للطاقة.
باريس ـ «القدس العربي»: شكل الصاروخ الذي سقط في بولندا على الحدود الأوكرانية متسبباً في مقتل شخصين أبرز حلقات المسلسل الدموي للحرب في أوكرانيا، التي تدخل هذا الأحد يومها 27بينما استمر القصف والضربات الجوية، التي كانت العديدُ من المدن الأوكرانية، بما في ذلك العاصمة كييف، أهدافًا لها هذا الأسبوع، وسط اتهامات متبادلة بارتكاب «جرائم حرب» في مدينة خيرسون جنوب أوكرانيا.
فقد أدى سقوط صاروخ فجر الثلاثاء الماضي على قرية برزيودو البولندية الصغيرة الواقعة على بعد ستة كيلومترات من الحدود الأوكرانية إلى مقتل شخصين. وخيمت حالة من الغضب والذّعر على قمة مجموعة العشرين في العاصمة الإندونيسية بالي وعلى المستشارين الغربيين الكبار، الذين ظل موقفهم المتمثل في مساعدة الأوكرانيين «دون شن حرب على روسيا» ثابتًا تحت وطأة قصف موسكو لجارتها، وكابوسهم منذ بداية الحرب هو أن يمتد هذا الصراع إلى خارج أوكرانيا في حالة توجيه ضربة روسية ضد إحدى دول حلف الناتو.
المسؤولون الأوكرانيون والبولنديون سارعوا على الفور إلى اتهام موسكو؛ حيث ندد الرئيس الأوكراني فلودومير زيلينسكي بما اعتبره «مزيداً من التصعيد الروسي» ورأى أن الصاروخ هو «رسالة» روسية إلى قمة بالي، التي غاب عنها فلاديمير بوتين وسرعان ما غادرها وزير خارجيته سيرغي لافروف. لكن بولندا عمدت بسرعة إلى تهدئة الخواطر. فبعد أن وضعت قواتها المسلحة في حالة تأهب قصوى وعقدت اجتماعا طارئا لسفراء الحلف المعتمدين في وارسو صباح الأربعاء الماضي، غيرت رأيها، معتبرة أنه «محتمل للغاية» أن الصاروخ الذي كان «حادثًا مؤسفًا» ربما حصل بسبب قذيفة أوكرانية. تزامناً مع ذلك، قال الرئيس الأمريكي جو بايدن إنه «من غير المحتمل» إطلاق الصاروخ من روسيا. ورحبت موسكو بإقدام الولايات المتحدة الأمريكية على «ضبط النفس» في التعامل مع هذه الحادثة، مشددة على «ألا علاقة لها» بسقوط الصاروخ في بولندا. ومع ذلك اعتبر وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن غداة ذلك أن روسيا تتحمل «المسؤولية النهائية» عن السقوط المميت لهذا الصاروخ في بولندا.
وحذا حلف الناتو حذو الرئيس الأمريكي في التعامل بحذر وبشيء من البرود الضروريين مع سقوط الصاروخ في بولندا غير بعيد عن حدودها مع أوكرانيا بعد أظهرت عناصر التحقيق الأولى أن صاروخ س300 الذي سقط على بولندا ربما مصدره الدفاع الأوكراني المضاد للطائرات وليس من القوات الروسية. وفي انتظار النتائج النهائية للتحقيق، ما يزال الجانب الأوكراني يزعم أنه يمتلك دليلًا على «أثر روسي» في الحادث بينما تجنبت بولندا حتى الآن طلب تفعيل المادة الرابعة التي تنص على إجراء مشاورات عندما يرى أحد أعضاء حلف الناتو أن «وحدة أراضيه أو استقلاله السياسي أو أمنه» مهدد.
ويسود اليوم شعور في عواصم الدول الغربية التي دعمت بالمال والسلاح والمؤونة أوكرانيا منذ بداية اجتياحها من قبل القوات الروسية بأن الرئيس الأوكراني ارتكب خطأ فادحا ضبب على جزء كبير من الانتصارات الشخصية التي حققها في إدارة النزاع والتصدي لروسيا. فقد كسب إلى حد كبير احترام أولياء الأمر في هذه الدول التي وقفت إلى جانبه بعد أن دأب على التحدث إليهم بشكل منتظم عبر الفيديو كونفرانس وحثهم على تقديم مزيد من المساعدات العسكرية الإضافية المتطورة. وظهر لكثير من قادة دول الاتحاد الأوروبي والمسؤولين الأمريكيين أن زيلينسكي نجح في تنزيل نفسه منزلة القائد الأوكراني الذي يستحق الشكر والثناء بسبب تفانيه في الدفاع عن شعبه وفي الضغط عليهم باستمرار للحصول على مساعدات لكن دون جرهم إلى مواجهة روسيا بشكل مباشر. ومكّن الرئيس الأوكراني لنفسه في الغرب بشكل أفضل عندما استعاد الجيش الأوكراني عدة مناطق كانت تسيطر عليها القوات الروسية. بل صار بعد دخول القوات الأوكرانية مؤخرا إلى مدينة خيرسون على مقربة من شبه جزيرة القرم التي كانت أوكرانية وضمتها روسيا إليها في عام 2014. ولكن القادة الغربيين فوجئوا بالموقف الذي اتخذه الرئيس الأوكراني من سقوط الصاروخ في الأراضي البولندية والذي ذهب فيه إلى أن روسيا هي التي أطلقت الصاروخ وأنها تعمدت ذلك. بمعنى آخر اكتشف هؤلاء القادة فجأة أن زيلينسكي اتخذ موقفا من دون أن يتحمل تبعاته المحتملة على الغرب برمته وعلى العالم بأسره. فكل ما كان الغرب يريده بذل قصارى جهده للوقوف إلى جانب أوكرانيا دون الدخول في حرب مع روسيا لأن مواجهة روسيا بشكل مباشر تعني إمكانية قيام حرب عالمية.
وتؤكد الصحافية المخضرمة في جريدة «لوفيغارو» الفرنسية إيزابيل لاسير، أن حادث الصاروخ في الأراضي البولندية لن يكون بدون عواقب، وخير دليل على ذلك، مطالبة العديد من الدول، بما في ذلك ليتوانيا، بتعزيز الدفاع الجوي للجناح الشرقي لحلف الناتو. فهذه الدّول الأوروبية الشّرقية وبولندا ودول البلطيق الصغيرة التي تتصدرها الدول المعرضة بشكل خاص للتهديد الروسي، تشدد على حاجتها إلى تطمينات من حلف الناتو. وعلى العكس من ذلك، تعتبر لاسير أن «الحادث المؤسف» للدفاع الأوكراني المضاد للطائرات كما وصفته وارسو، يمكن أن يحيي الدعوات للسلام ووقف إطلاق النار التي تضاعفت منذ هزيمة الروس في خيرسون. كما أنه يُذّكر أيضًا بأن خطر امتداد الحرب ما يزال قائماً، إذ يؤكد الحادث البولندي أن التوازن الذي تحافظ عليه الدول الغربية في الحرب هش بشكل متزايد، حيث إن الدول الغربية من خلال زيادة مساعداتها العسكرية لأوكرانيا بشكل تدريجي، تدخل شئيا فشيئا في هذا الصراع المستمر، كما تقول الصحيفة الفرنسية.
استهداف منشآت الطاقة
بدت صورة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ضعيفة وباهتة قبل عدة أسابيع في روسيا ولدى البلدان التي تقف معه بشكل مباشر أو على الأقل ترى أنه اضطر إلى اجتياح أوكرانيا بعد أن حاصره الغرب من كل مكان. وحصل ذلك بعد أن تراجعت القوات الروسية عن بعض المناطق التي كانت تسيطر عليها وبعد أن تأكد أن الجنود الروس زُج بهم في هذه الحرب وهم غير متحمسين إليها وغير مهيئين للقتال. ومع ذلك فإن بوتين وجد في سوء التقدير الذي بدا عليه موقف خصمه فلودومير زيلينسكي فرصة سانحة لإشعار الغرب بأنهم يجازفون بشعوبهم وبلدانهم والعالم أجمع عندما ينصتون إلى كل ما يقوله الرئيس الأوكراني. وحتى يبرهن بوتين لخصمه وللغرب أنه ما يزال يمسك إلى حد كبير بمفاتيح ملف الأزمة الأوكرانية عمد من جهة إلى الموافقة يوم الخميس الماضي على مبدأ تمديد ما يعرف بـ«اتفاق إسطنبول» الذي أبرم بين روسيا وأوكرانيا في تموز/يوليو الماضي برعاية الأمم المتحدة وبوساطة تركية والذي يقضي بمواصلة تصدير الحبوب الأوكرانية عبر مضيق البوسفور. وقد أثنى أمين عام الأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش على هذه الخطوة وأضاف يقول إن الأمم المتحدة ستلتزم بإزالة العقبات المتبقية أمام تصدير الغذاء والأسمدة من روسيا الاتحادية.
ويرى بوتين اليوم أنه قادر على كسب بعض المواقع التي خسرها خلال الشهرين الماضيين في إدارة ملف النزاع الروسي الأوكراني عبر استخدام سلاح الطاقة ضد أوكرانيا بعد أن استخدمته ضده بلدان الاتحاد الأوروبي عبر البدء في إنهاء تبعيتها تجاه روسيا في مجال إمدادات الغاز. وبينما يستمر التحقيق في ملابسات الصاروخ الذي سقط على الأراضي البولندية والمواقف من هنا وهناك حوله، كثفت القوات الروسية هذا الأسبوع من ضرباتها في مختلف أنحاء أوكرانيا، بما في ذلك العاصمة كييف، مُحدِثة شللاً في البنى التحتية الأوكرانية للطاقة، وهو ما حرم أكثر من عشرة ملايين أوكراني من الكهرباء، وسط تحذير السلطات الأوكرانية من مغبة أنّ الأسبوع المقبل سيكون «صعباً» مع توقع أن تنخفض درجات الحرارة «إلى أقل من عشر درجات مئوية» بعد أن شهدت البلاد تساقط الثلوج لأول مرة منذ بدء الحرب. كما اعتبرت كييف أن «روسيا تخوض الحرب ضد الكهرباء والتدفئة الموجهة إلى الناس عبر تفجير محطات كهربائية ومنشآت طاقة أخرى». بل أقرت السلطات الأوكرانية بأن قرابة نصف منشآتها الطاقية قد تعطلت بسبب الحرب التي شنتها روسيا عليها ولاسيما انطلاقا من تشرين الأول/اكتوبر الماضي. وطلبت كييف يوم الجمعة 18 تشرين الثاني/نوفمبر الجاري من دول الاتحاد الأوروبي مساعدات إضافية للحصول على إمدادات الغاز. ويحرج الطلب إلى حد كبير دول الاتحاد الأوروبي التي لا تدري كيف تستطيع مواجهة فصل الشتاء بعد أن قلصت كثيرا من عملية استيراد الطاقة من روسيا ولم تتوصل إلى التزود من السوق العالمية بما تحتاح إليه من نفط وغاز بالكميات المطلوبة وبأسعار معقولة.
اتهامات متبادلة
وأتت الضربات الروسية المكثفة هذا الأسبوع، تحديداً يومي الثلاثاء ثم الخميس الماضيين، عقب الانسحاب المدوي للقوات الروسية من خيرسون على وقع هجوم أوكراني مضاد، ليجد سكان خيرسون أنفسهم أحراراً بعد ثمانية أشهر من الاحتلال الروسي، لكن الفوضى تبقى سيدة الموقف في المدينة، في ظل انقطاع الكهرباء والمياه عن المدينة بعد أن دمر الروس المرافق الرئيسية قبل انسحابهم، حيث يصطف السكان من أجل تخزين الضروريات اليومية والحصول على خردة من المساعدات الإنسانية.
في خضم ذلك، تحقق السلطات الأوكرانية في جرائم حرب مزعومة ارتكبتها القوات الروسية خلال سيطرتها على خيرسون، حيث اعتبر المسؤول الحقوقي الأوكراني الكبير، دميترو لوبينتس، أن «حجم حالات التعذيب في خيرسون أثناء الاحتلال الروسي مروع» مؤكداً أنه لم ير حتى الآن تعذيباً «بهذا الحجم». في المقابل، اتهمت موسكو كييف بـ«إعدام» أكثر من عشرة جنود روس بعد أسرهم «بشكل وحشي» منددة بـ«جريمة حرب». في حين، خلص باحثون من جامعة ييل في تقرير مدعوم من وزارة الخارجية الأمريكية إلى أن مئات الأشخاص اعتقلوا أو فُقدوا في منطقة خيرسون في فترة سيطرة الروس عليها وأن العشرات ربما تعرضوا للتعذيب. ووثق التقرير، اعتقال واختفاء 226 شخصا في خيرسون بين آذار/مارس وتشرين الأول/اكتوبر يُزعم أن ربعهم تعرضوا للتعذيب ولقي خمسة منهم حتفهم أثناء الاحتجاز أو بعده بفترة قصيرة.