يزداد صوت المهمشين والمنبوذين والضحايا علوا وارتفاعا في الرواية التونسية المعاصرة. فهذه الفئات تتسلم دفة السرد وتسرد حكاياتها وأيامها. فثمة ميل من الروائيين إلى إفساح المجال لهذه الفئات للتعبير، عبر السارد المتخيل، الذي تنتمي لغته الأيديولوجية إلى هذه الفئات، وعلى ألسنة الشخصيات المتخيلة التي تنتسب لهذا الهامش الاجتماعي، محاولة لكسر حاجز الخوف والخجل، وانتصارا للمغضوب عليهم والمتمردين على الواقع والشواذ، وهو ما يجعل بعض الروايات تتصادم مع الذائقة العامة وتشتبك مع السلطوي بمختلف تمظهراته، سياسيا واجتماعيا وأخلاقيا.
ولعل الرواية التونسية تهرب بهذا التوجه من خطاب السلطة والمركز والنموذج، إلى خطاب الهامش ويوميات الشعب خارج الواجهة الرسمية. ها هنا تصبح الرواية صوتا شعبيا ينتصر للغاضبين والمغضوب عليهم. وفي هذا السياق الروائي تأتي رواية «الجاثوم» لفتحية بت فرج، مفصحة عن مشروعها في بعض عتباتها، فهي تعلن في الإهداء أنها «تكتب للمعطوبة قلوبهم، للذين يقترفون الحياة مع كل مطلع شمس، رغم وعارة الدروب، لكل من آمن بالإنسان فاعلا…».
هذا الإهداء يجعلنا أمام لعبة الرواية وأمام شخصياتها المقاومة، الباحثة عن الحياة، المتألمة، المعتدى عليها، والموجوعة وجعا يعبر عنه التصدير الوارد على لسان رياض الصالح حسني: «لا تسألوا الأشجار عن نكهة الفؤوس في الخاصرة». فـ»الجاثوم» رواية يحتضنها الهامش فضاء، وتعمرها شخصيات هامشية تروي سيرها ورحلتها مع بعضها بعضا في هذه الحياة.
تهيمن الأحياء الشعبية والهامشية في المدن على فضاءات روايات الهامش، وهذا ما نسجله في روايتنا فتختار كاتبتنا حيا شعبيا فقيرا «حينما تلقي إليه نظرة من حافة الطريق السيارة التي تحاذيه يبدو لك أشبه بالركام. يغلب عليه لون الآجر الأحمر. فأغلب البيوت ما زالت عارية آجرا على آجر لم تطل بدهن ولم تكس بإسمنت…». هكذا تبدو هذه الأحياء المأهولة بالسكان، المتراصة بالفقراء والهاربين من المدينة الكبيرة إلى أطرافها، عجزا عن مواجهتها وهروبا من قوانينها ونظامها الذي يرفضهم ويطردهم. فهذا البناء الفوضوي لا يقبل داخل المدن، وهذا الحي رغم تطوره لاحقا ونموه واقتراب الحياة الجديدة منه ظل حي العاجزين. «لم يتغير غزاه بعض المثقفين الفقراء والصعاليك والمعطلين عن العمل وبعض الموظفين ذوي الدخل المحدود، الذين لا قدرة لهم على مواكبة غلاء المعيشة في الأحياء الراقية والمناطق الحضرية».
في هذا المكان تظهر شخصيات الرواية تعيش في كواليسه وظلامه، محاربة الحياة ومتسترة بالظلام. باحثة عن بهجاتها في الليل، مخفية أوجاعها وأسرارها.
إنه سؤال خطير يلوح في هذه الرواية التي تنتقل بنا من مفهوم قتل الأب الفلسفي إلى مفهوم الأب القاتل والمشرد وتلك هي الصورة التي تحكمت في أغلب شخصيات هذه الرواية.
وفي مقدمتها عفيفة التي استقبلها الحي بالاستغراب والإشاعات والحذر. «كانت تثير حنق النساء وغيرتهن وشكوكهن لفرط ما تلهج به ألسن الرجال عنها بإعجاب واهتمام… مثيرة الرغبات والشهوات». تطارد عفيفة الحياة. تبحث عن عمل وعن دفء. تنتقل من مهنة إلى أخرى، من العمل في الإذاعة إلى العمل في حانة، تتعرض إلى الاغتصاب والتحرش وتعيش حياة اغتراب وغربة من دار الأيتام إلى الشقة الفردية، التي اكترتها بمفردها، متحدية في الأثناء سؤال الأبوة. فهي لقيطة من أب مجهول، وإلى جانبها تظهر شخصية نبيل الرماش، صديقها في الليالي، وهو بائع الياسمين صاحب الشهادات العليا. «كم هي كثيرة المهن التي امتهنتها منذ تخرجت من الجامعة من أجل الحصول على بعض الدنانير بسبب البطالة التي اجتاحت هذا البلد ودمرت أحلام الشباب». فهو يبدو أيضا منتقلا من مهنة إلى أخرى وباحثا عن الاستقرار. «اشتغلت حمالا في مصنع أحذية، أنقل السلع على ظهري وحارسا ليليا لعمارة وهباطا لأكياس الإسمنت في إحدى شركات الخرسانة وغير ذلك كثير… كما تنقلت طويلا بين المطاعم الشعبية غسالا للأواني وكنت انتظر حتى آخر الليل كي أنظف المحل وأمسح الأرضية وأصفف الكراسي المبعثرة».
تجارب مهنية بائسة ومعاناة تحيلنا طبعا على مصير أصحاب الشهادات العليا في اللحظة الراهنة. هكذا يصرخ نبيل الرماش مشتكيا من هذا الواقع المعاش، ومن هذه الظروف «أنا بائع الياسمين المجاز في الفلسفة المسجل في دفاتر الحالة المدنية لأب وأم شرعيين أسند ظهري كل ليلة إلى خربة من خرب الحي اللعين». لعل الكاتبة تنقل بواسطة هذه اللغة صوت هذه الفئة التي عبثت بها البطالة بعد تخرجها من الجامعة فوجدت نفسها في واقع مزرٍ.
أما الشخصية الثالثة فهو حمة نفة، هذه الشخصية التي تبدو بائسة ومنهكة، لكنها تسيطر على المشهد في نهاية المطاف ويفتضح قناعها، مثيرة في نهاية الرواية أزمة أوديبية (نسبة إلى أوديب) مضاعفة. فهذا الشخص ينكشف، مغتصبا وقاتلا وكاذبا. تقول رقية: «أنجبت له نبيلا في كنف الزواج وفرخ في جنح الظلام من امرأة أخرى. عفيفة التي اغتصبها بنفسه وهو يخنقها ثم دفعها من الشرفة العالية. ففشخ رأسها وانفلقت شرايينها الداخلية وماتت». فإذا كان أوديب في الأسطورة قد واقع أمه فهذا الرجل اغتصب ابنته. وهو ما يعيد إلى الأذهان سؤال الأب. ذلك السؤال الذي يتحول عادة إلى سؤال فلسفي، ففتحية بن فرج لم تقتل الأب في روايتها ولم تقدمه في صورة القداسة. بدا غائبا ومجهولا ثم ينتهي في النهاية قاتلا…
إنه سؤال خطير يلوح في هذه الرواية التي تنتقل بنا من مفهوم قتل الأب الفلسفي إلى مفهوم الأب القاتل والمشرد وتلك هي الصورة التي تحكمت في أغلب شخصيات هذه الرواية. ويمكن القول ـ أيضا إن هذه الوجوه الهامشية تصنع عالم الرواية بسير تثير الكثير من القضايا وتتفاعل مع قضايا العصر، وترصد اللحظة الاجتماعية الراهنة في تونس وما يلوح فيها من قضايا سوسيولوجية شاغلة للمجتمع. ( البطالة، التحرش الجنسي، الاغتصاب، المثلية، العنف، الحياة الخارجة عن السيطرة..). فـ»الجاثوم» رواية أخرى من روايات المهمشين في تونس، تحاول كاتبتها فتحية بن فرج اقتحام الواقع الاجتماعي والإنصات إلى ليله وبرده وجوعه وأمراضه ومغامراته.
كاتب تونسي