نوال السعداوي
القاهرة ـ «القدس العربي»: تعد الكاتبة نوال السعداوي (1931 ــ 2021) من أكثر الأصوات المعاصرة الصاخبة التي نادت بالحرية للمرأة، بخلاف البدايات التي تمثلت في كتابات رفاعة الطهطاوي وقاسم أمين، ثم هدى شعراوي ورفيقاتها. وتبدو السعداوي الأكثر إثارة للجدل أيضاً، لأنها ربطت بين السلطة الذكورية والسلطة الدينية، وجعلت كل منهما خصماً قوياً لمفهومها الخاص عن الحرية والمساواة بين المرأة والرجل. ومن هنا كان النقد النسوي، ربما يعد الأنسب لمتابعة ما خلّفته من أعمال تنوعت ما بين الرواية والمسرحية والمذكرات والمقالات، وأيضاً المقابلات الصحافية والندوات.
النسوية العربية
يُلاحظ أن التصوّر الذي تنقله النسويات بعامة عن المرأة، هو أنها (امرأة بلا ملامح) شيء أشبه بالجماهير ككتلة صمّاء، يتم تناولها أو تداولها بالحديث عنها. بمعنى أن النسويات يتجهن في خطابهن إلى النساء بصورة عامة، وبغض النظر عن تحدراتهن او انتماءاتهن، بحيث ينقلن تصوراتهن الطبقية والعرقية والدينية الخاصة إلى العالم، في الوقت الذي يُظهرن أنفسهن فيه بوصفهن المتكلمات باسم النساء عامة. مع ملاحظة أهمية السياق الاقتصادي والسياسي والاجتماعي، فالكتابة لا تتحرك أو يتم إنتاجها في فراغ، هناك سياق لا بد من مراعاته عند النظر إلى هذا الشكل من أشكال الكتابة.
أما بالنسبة للنسوية العربية، فرغم الدساتير والقوانين والمواثيق الدولية الضامنة لحقوق المرأة، فهناك الكثير من التفاوت بينها وبين الواقع السياسي للمرأة العربية. الأمر الأهم هنا يتمثل في النظرة إلى الحركات النسوية العربية، فقد نشأت من خلال الدولة، ودخلت الاتحادات النسوية في هيكيلة الأحزاب الحاكمة، أي أنها لا تنفصل عن الطبقة الحاكمة، وأنها جزء منها. من ناحية أخرى وتحت مُسمى (المنظمات غير الحكومية) ومسألة تمويلها من الخارج، فإن الشكوك تحيطها، بأن هذه المجموعات النسوية زائفة وعميلة للغرب، وما هدفها إلا إهدار قيم المجتمع، ومن ثمّ تقويضه لصالح الغرب. الاتهام نفسه الذي تستخدمه السلطة السياسية وتعمل على ترويجه عند خروج هذه المنظمات عن الخط المرسوم لها من قِبل الدولة، أو تجاوزها الحد. وفي الأخير نجد أن الدولة من خلال مؤسساستها تختار بعضا من نساء الطبقة الوسطى، لملء مراكز بيروقراطية عُليا، بهدف إظهار تأييد الدولة لمشاركة النساء في الحكم، كما في الوزارة أو البرلمان. فهن لا يمثلن مصالح النساء، بل يضحين بها في سبيل خدمة الدولة. وبذلك باتت النسوية العربية أسيرة (النظام الأبوي العام).. الدولة. ( رعد عبد الجليل وحسام الدين مجيد في النظرية السياسية النسوية/البُنى الفكرية والاتجاهات المعاصرة).
إيزيس/نوال
كتبت نوال السعداوي مسرحية «إيزيس» عام 1986، مع تزايد الاهتمام بقضايا المرأة على المستويين الرسمي والمستقل. وتقول السعداوي في مقدمتها للنص المسرحي إنها تحاول تصحيح الصورة المغلوطة التي صوّر بها توفيق الحكيم إيزيس في مسرحيته التي كتبها عام 1955. فالحكيم، حسب السعداوي، حصر إيزيس في صورة المرأة الوفية لزوجها، وأنها مجرد ناقلة لمبادئ وأفكار أوزوريس، وحامله لابنه حوريس. أما إيزيس من وجهة نظرها فهي الخالقة والفاعلة، والوفاء هنا لا يقتصر ولا ينحصر في الوفاء للرجل، بل لمبادئ إنسانية عُليا، أهمها.. العدل.
من ناحية أخرى تناقش السعداوي عدة أفكار لطالما تكررت في كتاباتها، كمفهوم الشرف، وأنه يتمثل في الفضيلة، إضافة إلى قضايا أخرى كالختان ـ الفكري بالأساس ـ وتبعية المرأة وأنها غير موثوق بها، فهي مكمن الرذائل. وبالتالي تتمثل السعداوي نفسها في إيزيس، وترى رحلتها هي نفسها رحلة السيدة (نوال) المناضلة الثائرة، ولك أن تضيف من الصفات التي لا تنتهي ما تشاء!
نبدأ من ثورة الإله (رع) التي قضى من خلالها على الآلهة (نوت) وكذلك باقي الآلهة، وقد حصر السلطة الإلهية في ذاته فقط، وبالتالي صار هو مصدر السلطة الوحيد، وما عدا ذلك فهو مخالف للقانون الإلهي ويستحق أشد العقاب.. «انتهى عصر سلطة الأم نوت، وبدأ عصر الأب المقدس الإله الأعظم رع». فهنا انتفت المسافة بين الإله والحاكم، ولا تفرّق السعداوي بين السلطة التي أصبحت مطلقة ـ فكرة التوحيد ـ وتبعاتها أو صورها المتمثلة في السلطة السياسية (سيت) والسلطة الدينية (الكهنة) الذين يستندون إلى الكتاب المقدس الذي يمجد (رع) والذي تم تأليفه بشكل تلفيقي، والكهنة بدورهم يقومون بتفسيره وتأويله وفق هواهم، وتحقيقاً لمكاسبهم الخاصة.
إيزيس وسيت
رغم القضاء على (نوت) وحالة اليأس التي طالت (ماعت) إلهة العدالة، إلا أن (إيزيس) واصلت نضالها ضد (سيت) هنا ينتفي حضور (أوزوريس) فالمرأة تبدو قوية ومحددة الأهداف، بل تسعى لتحقيقها دون مساعدة من أحد، فقط إيمانها بعدالة قضيتها هو يقينها الوحيد. على الجانب الآخر نجد (سيت) العاشق لإيزيس، الذي يحاول بشتى الطرق الوصول إلى قلبها، أو حسب وجهة نظره امتلاكها، لكنها ترد في بلاغة ـ سنأتي لمشكلة الحوار لاحقاً ـ قائلة.. «أتعرف ما معنى أن أطيعك.. أن ألغي عقلي وتفكيري. أن أصبح جسداً بغير عقل، وتصبح أنت عقلي ورأسي.. الآن فقط أدرك لماذا أحببت أوزوريس ولم أحبك. كنت مع أوزوريس أشعر بأني إنسانة، كان يعرف قيمتي. الحب هو المعرفة.. أن تعرف قيمة مَن تُحب».
قضايا معاصرة
تناقش السعداوي قضاياها التي تمجد المرأة/الإلهة، محاولة الاستناد إلى صور من التراث الفرعوني (حكاية إيزيس) أو التراث العربي (ألف ليلة وليلة) فزوجة الإله رع يكتشف أنها تقيم علاقة مع عبد أسود ـ زوجة شهريار ـ فيأمر بإخصاء الرجل، وحتى يأمن عدم تكرار الحادثة، يقوم بإخصاء العبيد، وكذلك ختان الإناث، فهو الخائف والمرتعب من هذا المخلوق الضعيف كما يظن. ويأتي أوزوريس في صورة (ملاح) وتنجب منه إيزيس ابنها (حوريس) وهنا لا يهم من هو الأب، بل فقط يكفي أن تكون هي أمه، هذا ما تدافع به عن نفسها، عندما يتهمها (سيت) بالخيانة. وهي فكرة العودة إلى المجتمع الأمومي.
وتتواتر المقولات والأفكار، حتى أننا نجد تداخلاً ما بين (سعد زغلول) الليبرالي و(جمال عبد الناصر) الاشتراكي، لتأتي وتتكرر عبارة «الحق فوق القوة» ثم موقف الكاهن وقد خلت المعابد من روادها، فيقول شاكياً.. «لم يعد لي مكان في تلك القرية، ولا أحد يأتي إلى المعبد ليصلي، أو يقدم الطعام لي. شغلتهم أمور الدنيا عن الصلاة والعبادة، وانشغلوا بالزراعة والعمل، وتلاشت الفوارق بين الأسياد والعبيد».. وكان من الممكن كمؤثر صوتي الاستعانة بأغنية صورة لعبد الحيلم حافظ.
رجل الجيش الثائر
وإمعاناً في المعاصرة يتحالف رئيس الجيش مع إيزيس، ويُقنع (سيت) بفكرة المحكمة الشعبية، مع تحذير رجل الجيش الذي جاء إلى إيزيس مُكفراً عن ذنوبه قائلاً، إن رجال الدين «أصبحوا قوة خطرة أقوى من قوة الجيش، ومعهم سلاح خطير، أخطر من السيف والخنجر، وهو سلاح الدين».. إلا أن الرجل الثائر يدفع الثمن ويسقط قتيلاً بيد (سيت) وقد شارك الشعب/جمهور المحكمة الرأي. وهنا لا تريد السعداوي توريط نفسها في مشكلات تفوق طاقتها، فمن الممكن الانتقام من رجال الدين ـ وأغلبيتهم يستحقون ذلك بالفعل ـ لكن في الجيش سنجد بعض الرجال الشرفاء، ويجب الاستعانة بهم، وهنا لا بد من مراجعة موقفها من نظام مبارك ـ رغم مسرحية اعتزام ترشحها للرئاسة أمامه ـ وموقفها من النظام الحالي، الذي ظلت تسبّح بحمده حتى وفاتها.
أين الشعب؟
هل له وجود في النص المسرحي، أم تحوّل كالعادة إلى كتلة مجهولة الملامح. نعم هناك البائعة التي تم خطف ابنتها واغتصابها من قبل رجل الشرطة، والملاح الذي حلت به روح أوزوريس، لتمثيل حالات أو أفكار ليس أكثر، لكنهم في الحقيقة مجموعة مُهللين لإيزيس وزوجها المرحوم ببركة الآلهة.
المسألة في معظمها مناقشة أفكار تتفوّه بها الشخصيات، وهو ما يحيلنا إلى الحوار المباشر التقريري، والأشبه بالبيانات والمجادلات، وهو أمر يتنافى والنص الدرامي الجيد، والأمثلة كثيرة.. «الفضيلة إذ لم يكن لها مقياس واحد لجميع الناس، لم تكن فضيلة وإنما قانون عبودي مزدوج، يمنح الحرية للأسياد ويفرض القيود على العبيد». «قانون عبودي مزدوج»!
المفهوم النسوي
لم تشذ نوال السعداوي عن القاعدة في تطبيق الفكر الغربي النسوي، لكن بما يتوافق مع الحالة السياسية للمجتمعات العربية. فالغرب أنتج نظريته وفق قواعد أخرى متعلقة أساساً بأدوات الإنتاج وطبيعته، وبالتالي فكرة السيطرة الذكورية. لكن العرب لهم مشكلات أخرى وأجدى بالمناقشة، وهي طبيعة السلطة السياسية، فالرجال والنساء سواء في ظل هذه السلطة، لكن.. هل اقتربت هي من هذه السلطة؟ نجد أنها وجدت السبب في السلطة الدينية، ولم تجرؤ على مناقشة السلطة السياسية، أما مسألة سجنها أو اعتقالها في 1981 أيام السادات فكانت لكتابات انتقادية للدين، والسادات وقتها كان يخشى على دولة العلم والإيمان نكاية في دولة عبد الناصر وزمنه، مع ملاحظة أن فترة السجن لم تتجاوز الثلاثة أشهر!
وفي كتابها «مذكراتي في السجن» تذكر كيف اعترضت على سجنها مع سجينات في قضايا مختلفة، مُبررة ذلك بأنها سجينة سياسية، ولا تستطيع الوجود مع هؤلاء. وقد تتحدث السعداوي عن تعدد الآلهة، لكنها لا تستطيع الحديث عن تداول ديمقراطي للسلطة.