بسبب “الجريمة”.. شبان من اللد: بات أمامنا خياران.. تغيير وضع المدينة أو تركها

حجم الخط
3

كان أنس وحواح طالباً متميزاً بعد أن تطوع لسنوات في نجمة داود الحمراء، قد يكون الآن طالب طب. بالنسبة للأشخاص الذين عرفوه، ربما هي قمة كانت ستتضح لاحقاً كبداية لطريقه، لأن أنس كان قبل أي شيء وقبل إنجازاته الشخصية، قائداً اجتماعياً. كان حلمه الأكبر تغيير واقع الحياة في اللد، المدينة التي ولد وترعرع فيها، والتي وجد المجتمع العربي فيها نفسه في دائرة دموية لم ينجح في الخروج منها.

في 28 آب 2021، عندما كان عمره 18 سنة، قتل أنس. أطلق أشخاص مجهولون النار على رأسه أثناء انتظار والدته في السيارة، التي كانت ستخرج من مطعم قريب. لا أحد يشك في براءته. هذا هو السبب الذي حوله إلى هدف. التقدير أن أنس قد قتل على خلفية نزاع طويل بين جهات إجرامية من أبناء عائلة الوحواح وعائلة مسراطي، التي قادها التعطش للدماء إلى توسيع دائرة الضحايا. في اللد يكفي ذكر اسم العائلة على نحو غير صحيح كي تحكم على نفسك بالموت.

في مساء الخميس الماضي، في حي يعاني من الجريمة والفقر، في نهاية شارع غير مضاء وفرض عليه الظلام، تجمع أصدقاء أنس وبعض الشباب لنسج حلم. جلسوا في دائرة كراسي في غرفة في مبنى مهمل، ربما يكون مهجوراً. في النافذة القريبة علامات إطلاق نار، ولا ينفعل أحد منهم من ذلك. لم يلاحظ معظمهم حتى الآن. يلتقون هنا مرة في الأسبوع أو في الأسبوعين. في كل مرة يتحدثون في موضوع مختلف ويحاولون تغيير مدينة اللد.

ياسمين رياشات (23 سنة)، كانت من بين الذين بدأوا كل شيء. وهي مثل آخرين في الدائرة، تشارك في العمل الاجتماعي من جيل صغير. في بداية وباء كورونا شاهدت النساء في محيطها يتم إخراجهن من المشغلين إلى إجازات بدون راتب، في حين لم يكن لديهن الوعي بحقوقهن. هكذا وجدت نفسها تتوجه إلى خبيرات وتنظم محاضرات للنساء في “الزوم”. بعد قتل أنس، قررت أن تأخذ على نفسها المزيد من المسؤولية.

“شعرنا بأن علينا فعل شيء ما، ليس كأفراد بل كمجموعة”، قالت رياشات. “بدأنا في الالتقاء والتحدث وتخطيط ما نريد فعله. أدركنا أن المعرفة هي أساس القوة”. بمساعدة فداء شحادة، التي كانت إلى ما قبل فترة قصيرة عضواً في مجلس المدينة وهي الآن ناشطة اجتماعية، بدأت المجموعة تنتظر تحت رعاية حركة تعمل في المدينة باسم “تأثير”. منذ نصف سنة تقريباً وهم ينظمون نشاطات مختلفة في المدينة: برامج تعليمية في مدارس أساسية بالتعاون مع الأهالي، وجولات في المدينة للنساء مرة كل شهر، وأمسيات تثقيف للسكان في مواضيع مثل السكن والتشغيل. ولكنهم أوضحوا بأنها ليست سوى خطوات أولية.

أعضاء المجموعة في معظمهم طلاب في الثانوية وشباب في العشرينيات، ينتمون إلى طبقة سكانية نادرة في العالم، طبقة ليس فقط يائسة من مستقبل أفضل، بل تنجح في تحريك نفسها من أجل خلقه. أحياناً يكون الحل لدى هؤلاء الشباب هو المغادرة والحصول على منحة دراسية والانتقال إلى مدينة أخرى أو إلى الخارج. يتبين أنها خطة الكثيرين ممن يجلسون في الدائرة. “في اللقاء الأول، سألتهم أين يرون أنفسهم بعد خمس سنوات”، تذكرت شحادة، “قالوا جميعاً: خارج اللد. الآن الهدف هو تحويلهم إلى مجتمع متماسك”. قلائل فقط غيروا جوابهم بـ 180 درجة، لكن مع ذلك يتبين أن شيئاً ما بدأ يتغير منذ ذلك الحين. “نحن الوجه الجديد للقيادة”، قالت رياشات بتفاخر. أديان الهندي (19 سنة) قالت بخصوص مستقبلها: “أدركت أن أمامي خيارين، إما ترك الحي أو تغييره”.

هناك احتمالية لقتلي، حتى هذه احتمالية كبيرة 

الجريمة والعنف في المجتمع العربي، لا سيما في اللد، تحولت إلى مواضيع لمحادثات شعبية في إسرائيل كلها. خصصت ميزانيات لصالح نشاطات الشرطة وإجراء أبحاث وتحسين البنى التحتية، وكل ذلك في الحقيقة حيوي من أجل إجراء التغيير، لكنها ما زالت غير ظاهرة للعيان. إلى جانب ذلك، يبدأ الحل من السكان أنفسهم، كما يرى شباب حركة “تأثير”.

“لسنا رئيس البلدية، لكننا الشعب”، قالت سهام أبو عرقوب، “نحن الذين نعيش ذلك، نحن الذين نعاني، ونحن الذين نعرف كيف نحل ذلك”. حسب رأيي، المشكلة تظهر في “الحرية التي يشتم فيها طفل طفلاً آخر”، والمشكلة تستمر في ظل غياب الأفق. “الجريمة ولدت من داخل أطفال رموهم من المدرسة وبدأوا التجول في الشوارع”، شرحت، “الاحتمالية الوحيدة أمامهم هي الانضمام لمجرم كبير يعرفونه من الحي والبدء بكسب الرزق”.

فارس مسراطي يعرف هذا المسار. كثير من الناس الذين عرفهم ساروا فيه. “ابتعدت طوال حياتي عن هؤلاء الأشخاص. ولكنهم في نهاية المطاف أمام ناظريك، وتعرف ماذا يفعلون”، قال. مسراطي وغيره من الشباب، يحملون على ظهورهم اسم عائلة معروفة في عالم الجريمة، رغم أنه لم يتورط يوماً ما، لكنه أدرك من صغره الربط الفوري الذي يقوم به الناس بينه وبين الجريمة. حسب قوله، هذه تجربة يشارك فيها جميع الشباب العرب، المصنفين في مجتمعهم كعنيفين. وهذه الوصمة تجسد نفسها في نهاية المطاف.

مهمة حياته أن يخلق فرصة أخرى للشباب، غير لامعة ولكنها فرصة ربما تثمر حياة كريمة. “إذا أردنا علاج المشكلة فعلينا علاجها بعمق، يجب إعطاء الشباب فرصة إمكانية خلق مستقبل آخر، وأن لهم قوة أخرى خارج العنف”، قال. “أعيش مع هؤلاء الأشخاص. لم أعرف ماذا سأفعل في حياتي بعد المدرسة. أدركت بأنه لا يجب التعلم في الجامعة، ولا يجب الذهاب إلى الجريمة والمخدرات. يمكن فتح محل لتصليح إطارات السيارات”.

لكل واحد من الشباب سبب مختلف، الذي بسببه انضم لهذه النشاطات. نشوى الرفاعية (24 سنة) عملت في متحف الفسيفساء في المدينة، وتريد تحسين الصورة الثقافية للد. عزت الطبري، طالب عمره 17 سنة، شاهد عمته وهي تحصل على التعليم العالي في جيل كبير فقرر بأنه مستقبل قد يحققه أي شيء في اللد. مريم صالح، ابنة صفّه، أصيبت بالصدمة من آراء أستاذ التربية الإسلامية في المدرسة، ومنذ ذلك الحين وهي تريد تحسين مكانة النساء في المدينة. هنادي الشقلدي، الأكبر في المجموعة وهي أم لأربعة أولاد، تأمل من نشاطها أن يبقي أولادها في اللد. أديان الهندي، التي كانت العربية الأولى في مجلس الطلاب في مدرسة البلدية، تحلم بأن تكون رئيسة بلدية في المستقبل.

قبل ذلك كله، يعترف الجميع بأنهم يريدون البقاء على قيد الحياة. “لكن هذا قد يحدث لنا أيضاً. أنس كان مثلنا بالضبط”، قالت الهندي، “هناك احتمالية لأن أسير في الشارع وأحصل على رصاصة أو أن تطلق النار عليّ بسبب نزاع لا صلة لي به. بالنسبة لي، هذه احتمالية عالية. قتل منذ ولادتي 13 شخصاً في الشارع الذي أعيش فيه”. وافقت الشقلدي وقالت: “أرسلت أولادي إلى مدرسة خاصة بعيدة عن الحي. شعرت أنني بذلك أبعدهم عن الجريمة، لكن هذا غير صحيح؛ ثمة رصاص في كل يوم، والأشخاص يقتلون أمام منازلهم”.

ياسمين رياشات تعرف الثكل من مكان قريب أكثر. فقبل سنتين قتل شقيقها في محل لذبح الدجاج حيث كان يعمل، بعد أن ضربه شاب بسكين. توفي على الفور. إلى جانب الحداد كان صراع آخر لعدم الاستسلام للضغط الاجتماعي من أجل الثأر. “جاء الناس إلى بيتنا وقالوا لوالدي بأن عليه الانتقام، وبه فقط سيدافع عن شرف العائلة”، قالت. “لكنه رفض. هو عرف أن هذا لن يعيده، بل سيؤدي إلى موت آخرين”.

بقلم: ران شمعوني

هآرتس 23/11/2022

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية