إذا كان الروائي والقاص والباحث حسن كريم عاتي، قد استلهم التاريخ العربي الإسلامي، وهو يكتب روايته «اليوسفيون»، فتراه يمر على حوادث السنة الحادية والستين من الهجرة المباركة، وما جرى في تلك الواقعة الأليمة التي أحدثت شرخاً عميقاً في التاريخ الإسلامي، قد لا يندمل أبد الدهر، ثم تراه يقف عند أبي حيان التوحيدي وكتابه «الإمتاع والمؤانسة»، وهو يقص علينا روايته، عائداً إلى ذلك الذي دخل الكوفة ملثماً، كي لا يعرفه الناس، حتى إذا دس العسس والوشاة، واستمكن وتمكن أعلن نفسه، إنه ابن ذاك الذي اختلفوا في نسبته، الذي لم ينسب لأب، وما اقترف من جرائم.
تسعف روائينا حسن كريم عاتي لغة تراثية تناسب قصة الروائي ذاك، حتى كأنك تقرأ للجاحظ أو للتوحيدي أو لعلي جواد الطاهر، أو لمهدي شاكر العبيدي، أو لعبد المجيد الشاوي، فإنه في روايته الأخرى «الوقوف على ساق واحدة» التي أصدرت المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت طبعتها الأولى سنة 2021، ينفض عنه لغته التراثية تلك، ليترسم لغة أخرى توافق عوالم روايته هذه، فتحدث نفسك، هذه هي المواهب وهذا هو الفن، الذي يسبغه الله على بعض خاصته، لغة توافق الحال، فلكل مقام مقال. أما لماذا هذه اللغة التي توافق الحال؟ فلأن حسن كريم عاتي، يقص علينا في روايته هذه «الوقوف على ساق واحدة» شيئاً من حياة الريف في الجنوب العراقي، وتحديداً في أهوار لواء العمارة، ولأنه يخشى أن تكون ثمة مطابقة غير مقصودة، أو اقتراب في قصه الروائي هذا، قد تومئ إلى شخوص بعينهم أو عشائر بذاتها، فإنه يؤكد للقراء أن شخصيات روايته هذه افتراضية، وإن أسماء الأشخاص والأسلاف والأماكن والأنهر متخيلة، وإذا حصل بعض تشابه، فليس ذلك إلا محض مصادفة، حتى أنه لتلافي وجع الرأس يغير أسماء بعض العشائر، ممن كانت لهم السطوة والحظوة، وظلت الناس تتحدث عن انتفاضتهم ضد شراسة الإقطاع وقسوته، وتصدي الشرطة لوأد انتفاضتهم.
رواية تستلهم الحياة العراقية
الرواية هذه «الوقوف على ساق واحدة» تقربنا من بداية عقد الخمسين من القرن العشرين، إذ ترد أكثر من إشارة الى الوصي على العرش العراقي، حيث انتهت وصايته منتصف سنة 1953، واضعين في الحسبان أن الروائي غير ملزم بالاقتراب من الواقع الحياتي إلى درجة التطابق والتماهي، فما هو بمؤرخ، كما ترد إشارات عدة إلى انتفاضة تلك العشيرة، وسطوة الإقطاعي الذي لا يحدده، بل يسميه بما تعارف الناس على مخاطبته بـ(المْحَفوظ) والقسوة التي كان يعامل الناس بها والغطرسة، مطلقاً العبيد والحوشية للنيل من الفلاحين الذين يعملون في أرضه، حتى أنه وقد رأى تمادي (خْشَيّن) العبد الأسود في إذلال الفلح، يوبخ خشين لأن عديد الفلاحين شكوه إليه، قائلاً له:
ـ وِلَك خشين، أكو بالفلح الخير والكِلِيط والجبير إخوته، مو كِلهم تسوكهم بالخيزرانة.
ليأتي جواب خشين أقبح من قسوته، مزهواً بطاعته العمياء لسيده المحفوظ.
ـ محفوظ، شلون أعرف، كلهم لابسين شطافي!
أي كلهم يعتمون بالايشامغ فكيف أستطيع التمييز بينهم؟!
إذ تظهر أمامنا معضلة الحوار، واللغة التي ينبغي على الروائي تدوين حوار شخوص روايته بها، وهنا يخطر على البال جواب الروائي العراقي غائب طعمة فرمان، عن أسئلة وجهها إليه الناقد والباحث العراقي نجم عبد الله كاظم، عن سبب استخدامه العامية في حوار شخوص روايته الأولى «النخلة والجيران»، «أنا بهذه المشكلة لم أصل الى قناعة تامة مثل ما وصل إليه فؤاد التكرلي، أو عبد الملك نوري، أنا ما أزال أحس بهذا الانشطار في اللغة وأتعذب منه، ولكني أحس بأن الحوار إذا ما جرى بلغة أقرب إلى الواقع المعاش، فسيكون حواراً صادقاً أكثر منه، إذا ما جرى بلغة أخرى، تصور ما تكون عليه «النخلة والجيران» مثلاً لو أنها جردت من حوارها العامي؟ أعتقد أنها ستفقد أشياء كثيرة، إن التعابير والمصطلحات صورة صادقة، أو من ضمن الأشياء التي تجعل العمل الفني صادقاً» (الرواية في العراق 1965-1980 وتأثير الرواية الأمريكية فيها) وهو في الأصل بحث كتبه الناقد نجم لنيل الدكتوراه من جامعة إكستر في المملكة المتحدة 1987. لذا فإن مطابقة واقعة الحال، أو إن شئت الاقتراب من هذا الواقع يوجب على روائينا حسن كريم عاتي، استخدام الحوار العامي بلهجة الجنوب العراقي، وتحديداً فلاحي الأهوار، وقد أحسن الروائي صنعاً، لأني أرى في هذا الحوار توثيقاً لهذه اللهجة التي تكاد تندرس، بعد انفتاح الحياة العراقية.
قسوة مُلاك الأرض
الرواية هذه توثق – كذلك- للأجيال المقبلة، التي ما عرفت تلك الأجواء القاسية، كي يكونوا على بينة مما دفعه الآباء والأجداد، من ضرائب مادية ونفسية باهظة، كي يصلوا هم إلى ما هم عليه من عيشة راضية، توثق سنوات الضيم والجوع والظلم، التي كان ينزلها بعض ملاكي الأرض بفلاحيهم، حتى يضطر بعض الأسلاف والحمايل إلى الهجرة الجماعية في ذلك الليل البهيم نحو مضارب عشائر أخرى، تجد في أكنافها الأمن والأمان، الأمر الذي يؤدي إلى إحراق سلف المغادرين الناجين من ظلم (المحفوظ) وعسفه بجلودهم وما خف من متاعهم.
(المحفوظ) وقد هاله الحادث، يأمر بإحراق صرائفهم تنفيساً عن حقده ولؤمه.
كما ترد إشارات إلى الدور التثقيفي الذي أداه المعلمون في المدارس الريفية تلك، ولاسيما في الأهوار، المعلمون الذين تأثروا بالأفكار السياسية، وقرأوا الكتب والجرائد، التي فتحت الأذهان نحو العدل الاجتماعي وكرامة الإنسان، المعلمون أولاء كانوا وراء انتشار الأفكار السياسية المناوئة لغطرسة الشيوخ وقسوتهم، الأمر الذي يدعو المحفوظ الى التبجح متفاخراً أن لن يسمح لهؤلاء أن يفسدوا عليه فلاحيه، لأنه لن يسمح بتأسيس مدرسة ابتدائية في إقطاعيته، مؤكداً أن المضيف، مضيفه هو المدرسة! وإن لا وجود لمدارس أو معلمين فيها، ولا يسمح لهم أو للحكومة التسلل إلى عقول الناس البسطاء من الفلاحين لتخريبها، يكفي المضيف مدرسة للجميع..
اللافت في هذه الرواية «الوقوف على ساق واحدة» هو هذا الاقتراب الذكي من الواقع الحياتي المعاش والمعيش، فلا تجد فيها إقحاماً، افتعالاً لحدث أو واقعة، بل تمضي منسابة رخاء، وحتى النهاية التي تأتي سريعة صاعقة، فهذا (المحفوظ) الذي يراود زوجة (خشين) عن نفسها، على الرغم من زوجاته وعديد وصيفاته، وإذ تتمنع (غرنوكة) فإنه يباغتها في ليلة من الليالي المطيرة، بعد أن يبعد زوجها مرسلاً إياه إلى الهور لجلب الحشيش، ويقضي منها وَطَرَه، وإذ يطول بـ(المحفوظ) الأمد في صريفة خشين، فإن ولده (خزعل) يتلصص من شق في الصريفة، ليرى، ويا لهول ما رأى فيضمرها في نفسه، كي يثأر لشرف أمه الطعين، برصاصات من بندقية أبيه، بعد أن سم كلب الشيخ، وهذه إشارة الى أن ستدور الدوائر على الشيخ، هو عرف المعنى الخفي لهذا الحادث، إذ قال بوجه متجهم وغضب واضح:
ـ أنت تعرف معنى أن يقتل كلب رجل. يعني أنا المقتول. والسم ينراد يكون بزادي، فصل الجلب دم.
بعد أن عرف خزعل ابن العبد خشين، إن أمره افتضح وعرفه أحد الحوشية الذي كلفه المحفوظ بالتحري عنه (خلف ابن شكاصي) وفي الاسم ما فيه من رمزية القسوة، الذي جال على العطارين في الأسلاف كلها، كي يعرف من اشترى السم الذي أودى بكلب الشيخ ونَفَق، وإذ رأى خزعل عدداً من المسلحين، مسلحي المحفوظ يتوجهون نحو صريفتهم، ليمتشق بندقية أبيه، وسط صراخ أمه وعويلها صارخاً:
ـ يوم ثارج يمة
«سمع صراخ والدته، وهي تشاهد النار الساقطة عليها مع سائل النفط المحترق داخل الصريفة، توقف صراخها وانقطع الرمي من داخلها مع أزيز الرصاص عليها من خارجها، فكانت الشمس تغيب من جانب المضيف، وتنير الصريفة المحترقة المكانَ الشرقي من السلف».
كاتب عراقي