الرباط ـ «القدس العربي»: لم يدر في خلد الصحافية المغربية آمال كنين، أنها ستكون عُرضة للتّهديدات الرقمية بالاعتداء الجسدي حين قرَّرت أن تسلُك مسار صحافة التحقيقات، وتخوض غِمار جملة من المواضيع الشائكة في المجتمع المغربي. ما إن نشرت الصحافية المغربية الحائزة على الجائزة المغربية الكبرى للصحافة تحقيقًا تحت عنوان «من يستفيد من زراعة الكيف في المغرب؟» (الكيف هو الحشيش أو القنب الهندي)، متطرقة خلاله لموضوع شديد الحساسية، حتى انهالت عليها تعليقات تُهدِّدها بالانتقام والاعتداء عليها وتعريض حياتها للخطر، قبل أن يتم سحب هذه التعليقات لاحقاً. تقول الصحافية المغربية: «حين كنت أشتغل على تحقيق آخر تحت اسم (أحفاد العبيد) يعيشون بالمغرب.. عنصرية ودونية وحرمان من الزواج؛ المنشور في جريدة «هسبريس» الإلكترونية، تمكَّنت من الهرب والنَّجاة بنفسي بعد تهديدات على أرض الميدان، وتعقُّب شخصين لسيارتي، أحدُهما كان يحمل بُندقية، كانت تجربة مريرة وصعبة، وكان المُهدِّدون أشخاصاً ماثلين أمامي، إلا أن ما يُخيف أكثر في التهديدات الرقمية أنني لم أكن أعرف هُويّة من يتوعّدُني ويَكيلُ لي التَّهديدات ولا ملامِحه.
استمرَّت الصحافية المغربية الشابة لأسابيع وهي تحت أثر الصَّدمة والخوف من أن تكون ضحيَّة اعتداءات عند خروجها من مقرِّ عملها، أو أن يتم تعقُّبُها إلى باب بيتها، وحكت آمال كيف أنها كانت حذِرة جدّاً، تراقبُ مَن حَولها في الشارع بعين الرِّيبة، وتحاول تضليل أي سيارة تشُك أَّنها ترصدها وتتبع سيارتها، وهو وضع استمر لمُدة من الوقت قبل أن يتَلاشى. الصحافية مريم (اسم مستعار)، ذات الـ38 عاماً، لم تكُن أحسنَ حالاً من زميلتها آمال، فما جرَّه عليها تحقيق منشور في إحدى الجرائد الورقية اليومية، كان مريراً، وفق توصيفها، تعدَّى السبَّ والشَّتم والتَّهديد بالاغتصاب عبر رسائل خاصة على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»، إلى زعزعة استقرارها الأسري، وكاد يوقفها عن ممارسة عملها الصحافي. تحكي الصحافية: «بدأ كل شيء حين نشرت ريبورتاجاً يحكي عن «عالم الملاهي الليلية» بإحدى كبريات المدن بالمغرب، قبل أن تصلني رسائل خاصة مُسيئة على حسابي الخاص بموقع «فيسبوك»، فيها كلام نابٍ وصُور أعضاء جنسية ذكورية مع تهديدات بالاغتصاب.
تقول الصحافية، وهي أم لطفلة: «أخبرت شخصين بما وقع، رئيس التحرير وزوجي، هذا الأخير الذي انتفَض في وجهي ولامَني على اختيار الموضوع وطلب أن أستقيل من عملي وأَن أُخصِّص كامل وقتي لتربية طفلتنا». رفضت الصحافية المغربية، غير الراغبة في الإفصاح عن هويتها خوفاً من ردة فعل زوجها، مغادرة عملها رغم المشاكل الأسرية الكبيرة التي واجهتها، وفضَّلت قضاء عطلة قسرية بالبيت لأربعة أسابيع قبل أن تستأنف عملها، وتعِد زوجها بالابتعاد عن هذا النوع من المواضيع.
ما خفي أعظم
الصحافيتان آمال ومريم، من بين كثيرات اخترن العمل الصحافي ورغبن في ممارسته بجدية وشغف قبل أن تصطدم أحلامُهنَّ بواقع رقمي جديد لم يعُد يُجْدِي معه التقليل من شأن الإساءة عبر الإنترنت والاستخفاف بها والتنقيص من شدتها. أظهرت دراسة استقصائية عالمية حول «العنف ضد الصحافيات عبر الإنترنت» الصادرة عن «منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم الثقافة/ اليونسكو» و»المركز الدولي للصحافيين»، أن 73 في المئة من المستجوبات (أجابت 625 من أصل 714) تعرَّضن للعنف على الإنترنت، فيما صرَّحت 20 في المئة من المجيبات (596 من أصل 714) أنهن تعرَّضن للاعتداء أو الإساءة خارج الإنترنت، المرتبطين بالعنف الذي تعرضن له عبر الإنترنت. وكشفت معطيات التقرير المنجز عام 2020، الذي شهد مشاركة أزيد من 900 مشارك من 125 بلداً، أن 13 في المئة من المشاركات في الدراسة عزَّزن تدابير حماية أمْنهِنَّ الجسدي بسبب تعرُّضهن للعنف على الإنترنت، وأفادت 4 في المئة منهن بأنهن تغيَّبنَ عن العمل خشية التعرض للاعتداء خارج الإنترنت. فيما لم تقم سوى 25 في المئة من المُجيبات بإبلاغ أرباب عملهن بحوادث العنف التي تعرضن لها على الإنترنت. وعلى مستوى المملكة المغربية، فمن بين 10 صحافيات مغربيات قُمنا باستِجوابِهنَّ، أكَّدت 90 في المئة منهن تعرُّضهن للتهديدات على الإنترنت، 60 في المئة منهن كشفنَ عن تعرضهن لتهديدات بالعنف الجسدي، و30 في المئة منهن وصلتهن تهديدات جنسية، و10في المئة منهن تم تهديدهن بنشر معطياتهن الخاصة.
التحرش
وقالت جميع الصحافيات إنهن تعرّضهن للتحرش بنسبة 100في المئة، جُلُّه على مواقع التواصل الاجتماعي بنسبة بلغت 80 في المئة وحول الأسباب الكامِنة وراء هذه التهديدات والمضايقات الرقمية، أكدت 70 في المئة من الصحافيات المستجوَبات أنها كانت بسبب آرائهن ومواقفهن، في حين أجابت 50 في المئة منهن أن التهديدات بسبب عملِهنَّ الصحافي. وحين سألنا الصحافيات إن كُنَّ وصلهن محتوى يحمل تمييزاً بسبب النوع الاجتماعي أو خطاب عنصري أو ينطوي على الكراهية، أجبن جميعهن بالإيجاب، وأكدت 40 في المئة منهن تعرُّضهن لحملة تشويه سمعة رقمية. أجوبة العيِّنة أكدت تعرُّض حسابات وأجهزة 30 في المئة من الصحافيات للاختراق، في وقت كشفت جُلهن أنهن لم يخضعن لأي تدريب في الأمان السيبراني بواقع 80 في المئة، وأشارت الصحافيات المغربيات إلى أنهن يُواجهن العنف الذي يتعرضن له على الإنترنت، عبر التجاهل واللامبالاة وتمرير التهديد لمرة واثنتين قبل اتخاذ رد فعل ملموس، والتواصل مع خبير أمني أو تقني متخصص لإعادة الحسابات المخترقة.
ولأن خطوات بسيطة تُمكِّن الصحافيات من توفير الحماية اللازمة لصدِّ هجوم رقمي، وتساهم في كشف الهجمات والاختراقات مبكراً، أكد المدرب والمستشار في الأمن الرقمي، عبد الصمد لطفي، أن الحماية على الإنترنت تَتأتّى من جملة من السلوكيات وعبر الاستعانة بعدد من التقنيات.
ومن أولى الخطوات التي تُعتبَر مفتاح الأمان الرقمي بالنسبة للصحافيين والصحافيات، من أجل حماية الأجهزة، سواء كانت حواسيب أو هواتف ذكية أو لوحات إلكترونية، بالإضافة إلى البريد الإلكتروني وباقي الحسابات على مواقع التواصل الاجتماعي وتحصين الملفات المهنية الهامة، هي اختيار كلمة سر جيدة ومُعقَّدة وغير متوقعة، حسب لطفي.
تحقيق هذا الأمر يتمثَّلُ في تطبيق خطوات بسيطة من شأنها تعزيز كلمة السر، وفق مستشار الأمن الرقمي، من بينها أن تكون طويلة (ما بين 10 و16 خانة)، وأن يتم استخدام العبارات بدلاً من كلمة واحدة وتُستخدم فيها الحروف والأرقام والرموز، مع تجنُّب استخدام نفس كلمة السر لفتح جميع الحسابات والتأكد من أن كلمة السر لم يتم نشرها عبر تسريبات، وأن يتم تغييرها بانتظام، مع تجنب العبارات الأكثر شيوعاً أو التي تحمل مــــعلومات عن صاحبها كالأســــماء وتواريخ أعياد الميـــــلاد.
وأوصى المستشار الرقمي المغربي، بتجنب الربط على شبكات الإنترنت (واي فاي) المــــجانية بالأماكن العامة، وتفادي إدخال كلمة السر أمام أحدهم، وألا يجلس صاحب الهاتف أو الجهاز وخلفه مرايا أو زجاج عاكس، أو أن يكون في مرمى كاميرات المراقبة، وأن يتم التأكد من الروابط ومصادرها قبل أن يتم الولوج إليها. لطفي لفت إلى ضرورة تعزيز أمان الهاتف المحمول عبر التحقق من إعدادات الأمان في المحمول، ومنع أي تطبيق من الوصول إلى المعلومات الخاصة عبر اختيار الخصوصية، ومنعِها من تحديد الموقع، وعدم استخدام البصمة أو صورة الوجه لفتح الهاتف. المدرب في الأمان الرقمي، أوصى أن يكون في محيط الصحافيين والصحافيات وفي دائرة أصدقائهم أو معارفهم تقني متخصص، حتى يقوموا بالاستعانة به سريعاً في حال تعرضوا لأي اخـتراق أو أي نوع من أنواع التهديدات الرقمية.
سواء تعلق الأمر بآمال ومريم، أو بباقي الصحافيات المغربيات ممن لم يسلمن من الاختراق والتهديدات والمضايقات الرقمية والتمييز بسبب النوع والآراء وطبيعة المهنة وغيرها، فإن ما تعرَّضنَ له مُجرَّمٌ بقوة القانون ويوقِع مرتكبه تحت طائلة العقوبات الحبسية والغرامات المالية.
إذ يُجرِّم القانون المغربي التهديدات والمضايقات المذكورة، وحِرصاً على مزيد من الحماية ووضع حد لانتهاكات الخصوصية عبر نشر صور ومقاطع فيديو بدون إذن أصحابها أو بغرض الإساءة والتشهير، أُدخِلت التعديلات 1-447 و 2-447 و3-447 بقانون محاربة العنف ضد النساء رقم 103.13، على الفصل 447 من القانون الجنائي المتعلق بالاعتداء على الشرف أو الاعتبار الشخصي وإفشاء الأسرار.
ترى مسؤولة مشاريع بالمركز الدولي للصحافيين ICFJ، فدوى كمال، أنه من الضروري توفر بيئة آمنة للصحافيين والصحافيات للقيام بمهامهم وضمان حريتهم واستقلالهم، حتى يُؤدّوا دورهم الحاسم كمصدر للمعلومات الموضوعية وغير المُتــحيِّزة.