جاء في أخبار فلسطين يوم الجمعة الماضي «أن مستوطنين إسرائيليين قاموا قبل أيام بسرقة نحو 30 خلية نحل ومعدات لقطف الزيتون» من أرض تعود ملكيتها للمواطن الفلسطيني عزيز عنتر في منطقة دير شرف غرب مدينة نابلس. هذا الخبر نشرته وكالة الأنباء الفلسطينة «وفا» نقلا عن مسؤول ملف الاستيطان في شمال الضفة الغربية غسان دغلس، وقد يبدو للبعض خبرا عاديا وبسيطا لكنه نموذج مصغر عن الخطة الكبرى التي يستمر بتنفيذها المستوطنون وجيش الاحتلال الإسرائيلي لتعطيل أي مظهر من مظاهر الحياة للفلسطينيين سواء ما تعلق بمصادرة أراضيهم أو ضمها وبناء المستوطنات وتعزيز قبضة الاحتلال العسكري والحصار الاقتصادي .
فلسطين … الشهد المسروق
وإذا كانت خلايا النحل المسروقة تلك تنتج عسلا، فإن فلسطين كلها بالنسبة للجماهير العربية هي «شهد العسل» المسروق منذ عشرات السنين تحت مرأى ومسمع القوى الكبرى. وهو واقع يلخصة عدنان منصور وزير خارجية لبنان السابق في حديثه لـ«القدس العربي» بالقول: «عندما يتضامن العالم العربي مع فلسطين إنما يتضامن مع نفسه، إذ أنه لا معنى للقضايا العربية بدون القضية الفلسطينية والقدس». وعندما تسأله عن الخطوات الفاعلة التي تعكس تلك القناعة وتترجمها على أرض الواقع يجيبك بالحديث عن مشهدين: «الأول هو مشهد فلسطيني داخلي يجهد للقفز فوق خلافاته لكنه يزداد عزما وإصرارا على تمسكه بأرضه وحقه مهما بلغت التضحيات في مواجهة آلة الحرب والتدمير الإسرائيلية. والثاني هو واقع عربي مأزوم ومثخن بالمشاكل حيث تعصف فيه رياح عدم الاستقرار والحروب والأزمات المتنقلة في أكثر من بلد عربي وهو واقع رافقته موجة ضغط من الإدارة الأمريكية أدت إلى فتح أبواب بعض الدول العربية أمام إسرائيل من زاوية اتفاقيات إبراهام التي رعاها الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، فيما لم تفلح تلك الضغوط في فتح أبواب دول عربية أخرى بقيت موصدة أمام إسرائيل». ويضيف المسؤول العربي الخبير بخبايا الدبلوماسية العربية: «أن المشهد الفلسطيني الداخلي يؤثر كثيرا بالمشهد العربي الخارجي، إذ أنه وبمقدار ما يتحقق الانسجام بين القوى الفلسطينية الفاعلة فإنه يعطي للتضامن العربي زخما وقوة وخاصة على المستوى الشعبي إذا تعذَر الأمر على المستوى السياسي لأسباب معروفة». ويضيف أنه على سبيل المثال لا الحصر فقد نجحت الجزائر وبجهود مباشرة من رئيسها عبد المجيد تبون في استضافة جولات مصالحة بين الفصائل الفلسطينية تكللت بتوقيعها بتاريخ 13 تشرين الأول/اكتوبر الماضي، على وثيقة إعلان الجزائر للمصالحة وإنهاء الانقسام الفلسطيني، وهي وثيقة يقول عنها الرئيس الجزائري بأنها «حظيت بمباركة الأمين العام للأمم المتحدة والأمين العام لجامعة الدول العربية والعديد من الدول». ويوضح المسؤول العربي السابق أنه وفي الشق الثاني المتعلق بالجماهير العربية فإن أحدث مثال على تضامنها مع القضية الفلسطينية هو ما جسدته من مواقف عفوية معبرة خلال حضورها مباريات كأس العالم في قطر حيث يجمع الكل على أن فلسطين هي أشد الحاضرين رغم أنها لا تمتلك منتخبا كرويا مشاركا في المونديال، وكانت أعلامها مرفوعة بأيدي الجماهير العربية من المحيط إلى الخليج، هذا إضافة إلى «المقاطعة العفوية والذاتية التي حصلت تجاه ممثلي وسائل الإعلام الإسرائيلية الذين أكدوا بأنفسهم رفض كل من حاولوا استصراحه، الاستجابة لهم الإ بكلمة واحدة وهي أن الأرض والدولة التي يعترفون بها هي دولة وأرض فلسطين، وأن ما تم توقيعه من اتفاقيات مع إسرائيل لا يمثلهم».
ويضيف محدثي قائلا: «إن الوعي يتعمق يوما بعد آخر في الوجدان العربي والعالمي تجاه القضية الفلسطينية ويساهم في ذلك أمران: الأول هو حجم التضحيات التي يقدمها الشعب الفسطيني، حتى صارت تخرج منه أيقونة تلو الأخرى كما هو الحال عند استشهاد الإعلامية شيرين أبو عاقلة، وقبلها بسنوات استشهاد الفتى محمد الدرة بين يدي والده برصاص الجيش الإسرائيلي أمام عدسات وسائل إلاعلام العالمية، وما بين الشهادتين تبرز عذابات الأسرى في سجون الاحتلال الإسرائيلي ومعاناة ذويهم وصبرهم وتحملهم، وكلها وقائع تهز كل ضمير حي يشاهد ما يحدث من خلال وسائل الإعلام وبقية وسائيل التواصل الاجتماعي».
أما الأمر الثاني فهو «المتعلق بمدينة القدس والمقدسات الإسلامية والمسيحية والخطر الذي يتهددها بفعل سياسة الاحتلال الإسرائيلي والسياسة الأمريكية الداعمة له وخاصة في اعتبارها القدس عاصمة لإسرائيل وهو ما يشكل تحديا واستفزازا للعالم الإسلامي والمسيحي على السواء». ويختم قائلا: «صحيح أن للمنظمات الدولية دورها في العمل على إحقاق حقوق الشعب الفلسطيني غير القابلة للتصرف، لكن يبدو أنها غير قادرة أو ممنوعة من ذلك، فمنذ العام 1947 اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار181 لتقسيم فلسطين إلى دولتين، فقامت دولة إسرائيل عام 1948 ولم تقم الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية حتى الآن، كما أن الجمعية العامة للأمم المتحدة تحتفل منذ العام 1977 باليوم الدولي للتضامن مع الشعب الفلسطيني بتاريخ 29 من شهر تشرين الثاني/نوفمبر من كل عام بموجب القرار 32/40 ب، لكن هذا التضامن لم يؤد إلى تمكين الشعب الفلسطيني من نيل حقوقه رغم أهمية كونه مناسبة مهمة للتذكير بتلك الحقوق».
أصداء رفض التطبيع تتردد في الأقصى
وبالتوازي مع ما سبق فقد كانت الأصداء إيجابية في فلسطين لمواقف الجماهير العربية التضامنية، وحفلت المواقف السياسية ومواقع التواصل الاجتماعي وخطب المساجد على السواء بتقديم الشكر والامتنان، ومنها ما قاله خطيب المسجد الأقصى الشيخ عكرمة صبري، أن «الشعوب العربية والإسلامية أظهرت محبة لفلسطين والقدس والمسجد الأقصى خلال متابعة مباريات كأس العالم في قطر». وفي خطبة صلاة الجمعة بالمسجد الأقصى قال صبري: «نوجه تحية احترام وإكبار ومحبة للشعوب في العالم العربي والإسلامي بل الأمة الإسلامية جمعاء، لأن المسلمين أعلنوا بوضوح للعالم أجمع موقفهم الإيماني الاستراتيجي ومحبتهم لفلسطين وللقدس وللأقصى». وأضاف: «لقد قالوا كلمتهم الإيمانية الموحدة وذلك في قطر التي تضم ممثلي العالم في إطار مباريات كأس العالم». واعتبر الشيخ صبري أنه بذلك، «تبخر التطبيع وظهر فشله وأعلن المسلمون موقفهم الصحيح». وأردف: «لماذا تهوى قلوب العرب والمسلمين إلى فلسطين؟ لأن المسجد الأقصى المبارك في قلب فلسطين وفي قلب كل مسلم ولولا الأقصى لما وجدت قضية فلسطين اسمها أصلا». وأضاف: «ستبقى فلسطين حاضرة ما دام المسجد الأقصى في قلوب المسلمين».
ملك الأردن : القدس مركز وحدتنا
ووجه ملك الأردن عبد الله بن الحسين رسالة إلى رئيس اللجنة المعنية بممارسة الشعب الفلسطيني لحقوقه غير القابلة للتصرف وهذه اللجنة الأممية أُنشئت في 1975 لإسداء المشورة للجمعية العامة للأمم المتحدة. وقال الملك عبد الله في رسالته إن «القضية الفلسطينية هي مفتاح السلام والاستقرار في الشرق الأوسط». وبأن «الأردن سيواصل لفت أنظار العالم إلى ما يعانيه الشعب الفلسطيني من أوضاع صعبة تتنافى مع قيم العدالة والكرامة وحقوق الإنسان». مذكرا من يعنيهم الأمر بأن «القضية الفلسطينية كانت وما زالت وستبقى القضية المركزية في المنطقة» و«لن تنعم المنطقة بالسلام ما لم ينته الاحتلال ويحصل الشعب الفلسطيني على كل حقوقه». مضيفا بأن «القدس هي مركز وحدتنا، ولا مكان للكراهية والانقسام في المدينة المقدسة» وأن «تقويض الوضع التاريخي والقانوني القائم فيها سيؤدي إلى مزيد من التأزيم والعنف».
فتح : الحل بزوال الاحتلال الإسرائيلي
وأخيرا يبقى السؤال المركزي ما هو الحل لهذة القضية، فيأتي الجواب في بيان لحركة التحرير الوطني الفلسطيني «فتح» بأن الحل يكمن في «إنهاء الاحتلال الإسرائيلي» وتؤكد حركة «فتح» في بيانها على أبرز معالم ذلك الحل بالقول: «إن شعبنا لن يتنازل عن أرض وطنه التاريخي وعن حقوقه الوطنية المشروعة المعترف بها دوليا، وفي مقدمتها حق العودة وتقرير المصير وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية على حدود 1967». وذهبت الحركة إلى القول بأن «إسرائيل باعتبارها قوة الاحتلال أنشأت خلال عقود نظام فصل عنصري وتقوم وبشكل منهجي بتنفيذ سياسة التطهير العرقي عبر هدم آلاف المنازل الفلسطينية وخصوصا في مدينة القدس المحتلة، فكيف يمكن أن يقبل المجتمع الدولي الحصار الذي تفرضه دولة الاحتلال على ما يقارب مليوني فلسطيني في قطاع غزة منذ 15 عاما وتعرضهم للعدوان المتواصل، ما أدى إلى استشهاد وجرح عشرات الآلاف بينهم مئات الأطفال، وتدمير البنى التحتية والأحياء السكنية، وحرمانهم من متطلبات الحياة؟». وخلصت إلى تحميل «المسؤولية للدول المتحكمة بالقرار الدولي، التي تنتهج سياسة الكيل بمكيالين».