يؤمن مؤلف هذا الكتاب أن ما لا يُوثّق كأنه لم يوجد، لذا قرر أن يسجل أفكاره وحواراته مع الشباب والأصدقاء، عسى أن ينتفع بها غيره، أو أن تكون شمعة تضيء طريقا.
والسمة الرئيسية لهذا الكتاب، كما يقول مؤلفه، هي محاولة تنوير العقل، والأخذ بما يمليه مع احترام قيمة القلب والوجدان، وفيه نجد الكثير من مناجاة الله، أمام العديد من مناقشة تحديات العقل للثوابت والتفسيرات الدينية التي قد يعتبرها البعض خروجا عن المألوف.
الكتاب الذي سمّاه مؤلفه حسام بدراوي «دعوة للتفكير» وصدر حديثا عن الدار المصرية اللبنانية في القاهرة، يبدأ بست مقالات عن التنوير، وعن تاريخه وإمكانية خلق تيار للتنوير في مجتمعنا، لا يُعادي تراثنا وتاريخنا، بل يبني ويجدد ويعتبر من العِبر وهي كثيرة. ولأن جينات الكاتب، مثلما يصفها، تميل إلى البهجة والسعادة، ويرى في الناس أفضل ما فيهم، فقد أضاف إلى كتابه هذا مقالا عن قرار السعادة وثقافة التفاؤل، ذاكرا أن هذا الكتاب قد يحب القارئ قراءته على مراحل، وقد يرغب في العودة إلى بعض موضوعاته، وقد يود مناقشة الكاتب في عديد من الأفكار.
حسام بدراوي الذي يؤكد أن في داخل كل منا فنانا قد لا يعلم هو نفسه بوجوده، يقول إنه تعلم فن الرسم وهو في الستين من عمره، ويضم الكتاب بعض اللوحات التي رسمها ويريد أن يُطلع القراء عليها من خلال صفحات كتابه هذا، إلى جانب لوحات أخرى لفنانين آخرين صاحبت مقالات هذا الكتاب.
دعوة للتنوير
أما إسماعيل سراج الدين فيقول في مقدمته لكتاب بدراوي، إن هذا الكتاب هو في الحقيقة دعوة للتنوير والتفكير، وهو يعبر عن محتواه بوضوح، خاصة أن مؤلفه صوت قوي لقيم التنوير، ويؤمن بالعلم والمنهج العلمي، مضيفا أن صورة المؤلف التي تبرز في هذا الكتاب هي لشخص يتمتع بمعرفة واسعة ويلتزم بمبادئ أخلاقية واضحة وفكر مستنير يؤمن بالعقلانية والتمسك بالمنهج العلمي والمنطق، مؤكدا أننا إزاء كتاب ثري للغاية بكل ما يعالج من موضوعات، ويدعو القارئ إلى الحوار والإضافة.
في رأي بدراوي أنه يوجد تنويريون، لكن لا يوجد للتنوير تيار في العالم العربي، ويقع على مثقفي مصر والعالم المتحدث بالعربية واجب الريادة في إيجاد وخلق تيار تنويري يقود المجتمع، معرّفا التنوير بأنه مصطلح يعبر عن حركة فكرية وثقافية وفلسفية وعلمية وتاريخية ظهرت في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر في أوروبا وقبلها في الأندلس، تدافع عن العقلانية والمنطق وتنادي بإحكام قوة العقل كوسيلة لتأسيس نظام للأخلاق والمعرفة. كذلك يقول المؤلف هنا إن مساحة المعرفة تغيرت عبر العصور وتعمقت العلوم وتوسعت، فأصبح الطفل الصغير يعرف أكثر مما كان يعرف الرجل الناضج منذ مئات السنين، لقد أصبحت الدنيا غير الدنيا، داعيا الجميع للوصول إلى قاعدة تمكننا من معايشة العقل والتفكير والإيمان معا دون تناقض، وهو ما يجب أن نسعى إليه، سمّينا ذلك تنويرا، أو إصلاحا أو منهجا علميّا أو تطويرا، لا يهم، إنما المهم في رأي المؤلف، هو المعنى الذي نتفق عليه.
أما ما يصل إليه الكاتب هنا فهو أن ما يعوق التنوير والتطور هو راحة الإنسان لبقاء الأمر كما هو عليه، لأن التغيير يستلزم جهدا وتنازلات مشتركة، وانتقالا من زمن إلى زمن جديد، تتغير فيه المسؤوليات وتتعدد فيه التوجهات، وطبيعة البشر أنهم أعداء ما جهلوا، مؤكدا أن الدين الإسلامي لا يرفض العلم ولا يحارب العقل، غير أن فيه رجالا وشيوخا كانوا وما زالوا يتمسكون بالماضي، ويرفضون الحداثة التي تضع التراث في حجمه وتخضع لإعادة الفحص والتقييم قبل إعادة استخدامه، تثمّن ما به من معالجات مضيئة للقضايا البشرية أنارت للإنسانية طريقها، وعُدّت في وقتها ثورة على القيم الأقدم، وتفكيك معالجات أخرى لم تعد تصلح لهذا العصر وبيان عوارها.
مصدر إلهام
في «دعوة للتفكير» يكتب حسام بدراوي قائلا، إن الدين الإسلامي لا يعرف الكهانة، ولا يتوسط فيه السدنة والأحبار بين المخلوق والخالق، ولا يفرض على الإنسان قربانا يسعى به إلى المحراب بشفاعة، من ولي متسلط أو صاحب قداسة، فلا ترجمان في الإسلام بين الله وعباده يملك التحليل والتحريم، ويقضي بالنجاة أو الحرمان. الكاتب الذي يعلن صراحة أنه لا يؤمن بالمعجزات كما يعرّفها السابقون، يؤكد أن هناك شيئا واحدا تركه الله لمخلوق واحد هو الإنسان، ليتحكم فيه وهو قدرته على الاختيار واتخاذ قراره، وهذا ما فرّقه عن كل المخلوقات، ذاكرا أن المعجزة التي علينا أن ننتظرها، هي أننا في بداية مرحلة جديدة للبشرية في فهْم أنفسنا، والكون حولنا، وخالقنا، ما سيزيد من تواضعنا واندماجنا كطاقة إيجابية معا لفعل الخير لنا ولباقي البشرية.
حسام بدراوي الذي يرى هنا أن الموت هو الحب ذاته، وهو وحدة ما هو إلهي مع ما هو إنساني، يقول إن الموت لا يقلقه، لأنه لا يعتبره نهاية، بل إن ما يقلقه هو أن يموت دون أن يترك خلفه أي أثر، متسائلا ما هي القيود التي تعيق انتقالنا للعلم والعقل والمنطق والتنوير.
هنا أيضا يقول الكاتب إن الفن خيال ورؤية أوسع وأشمل من لقطة تُصوّر اللحظة، وعلى الفن أن يقوم بالاثنين، يسجل الواقع ويرسم المستقبل بخيره وشره واحتمالاته، مؤكدا أن الفن ليس آلة تصوير، لكنه عليه أن يرى الحياة كلها بظلالها المختلفة.
في «دعوة للتفكير» الذي يهديه مؤلفه إلى من كانوا مصدر إلهامه ولهم الفضل في نسج وجدانه، يكتب يحدثنا فيه عن الوعي والتصوف وفيزياء الكم، عن فسيولوجيا الوطن، عن السياسة وأغاني الراب المهرجانية، عن الوعي بعظمة مصر، وعن الحكمة والتوازن في العلاقات الإنسانية، إلى جانب موضوعات أخرى تحفز القارئ على التفكير والبحث والاطلاع.
كاتب مصري