لا شغل لوسائل الإعلام ومختلف المواقع الإخبارية ومواقع التواصل الاجتماعي سوى تصنيفات العناصر التراثية لكل بلد من البلدان التي قدمت ملفاتها التراثية في مارس/آذار الماضي لتعلن النتائج في نهاية نوفمبر/تشرين الثاني وبداية ديسمبر/كانون الأول من كل سنة. وهذه المرة احتضنت الرباط المغربية الدورة 17 للجنة الحكومية الدولية لصون التراث الثقافي غير المادي لليونيسكو. بلغ عدد الملفات العربية المقدمة تسعة، وكان نصيب البلدان المغاربية عنصرين اثنين: الهريسة التونسية (المعارف والمهارات والممارسات المطبخية والاجتماعية) والراي الجزائري (غناء شعبي جزائري)… هل يمكن القول بأن الهريسة مفيدة للصحة وللياقة البدنية، والراي محسن للمزاج المعكر؟
بالنسبة للهريسة التونسية، وبعد تصنيفها، تناولتْ العديد من المواقع الإعلامية ما صرحت به اختصاصية في التغذية عن «فوائد الهريسة بعد تسجيلها في لائحة اليونيسكو». وعلى موقع «جوهرة أف أم» نقرأ ما قالته «الجلاصي» بشأن الهريسة «…وذكرت الجلاصي في تصريح لوكالة تونس افريقيا للأنباء، الجمعة الماضي، غداة يوم واحد من إعلان اللجنة الدولية الحكومية لصون التراث اللامادي في اليونيسكو تسجيل الهريسة ضمن القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي… إن إدراجها ضمن هذه القائمة الأممية يعد أمرا إيجابيا إذ يعكس مدى الاهتمام بعادة تونسية، وإن الهريسة تمثل واحدة من أهم العادات الغذائية التي اقترنت بحضور تونس وتمثيلها دوليا، موضحة أن دراسات علمية أجريت في البرازيل خلصت إلى أن تناول «لاكابسيسيلين» التي تمثل العنصر الفعال في مادة الفلفل والهريسة ينتج عنه زيادة نشاط الجسم». ويضيف «موقع جوهرة أف أم»، وغيره من مواقع التواصل الاجتماعي التي نقلت الخبر عن نتائج الدراسة البرازيلية عن الفلفل الحار، بأن «تناول الرياضيين لهذه المادة قبل خوض تدريباتهم يعزز أداءهم ويخفف لديهم الشعور بالإرهاق العضلي»، مما جعل خبيرة التغذية الجلاصي تضيف أن «الهريسة تتجاوز استعمالاتها في الطهو مجرد بهار لإذكاء الأطعمة والأكلات إلى تمكين الفرد من منافع جسمانية وفيزيولوجية»…وكذلك، وحسب الخبيرة ذاتها، فإن «الهريسة مادة مضادة للالتهابات وتصل فوائدها إلى الجهاز العصبي إذ يؤدي تناولها إلى تحسن وظيفة الإدراك والتفكير لدى مرضى الزهايمر، وأن تناولها يساهم في زيادة معدل حرق الدهون ضمن نظام غذائي يكون هدفه تحقيق حمية سليمة»… ويا سلام لو كانت بزيت الزيتون، لأن هذه المادة الأخيرة «تساهم في امتصاص خاصية اللون الأحمر الخاص بالهريسة… وخاصة الهريسة المعدة منزليا التي تتسم بالأفضلية بالمقارنة بالمصنعة»… وبتصنيفها ظهرت كل حسنات الهريسة والسبب يعود لدراسة برازيلية… مع كل الحماس الرسمي وغير الرسمي لمثل هذه التصنيفات «اليونيسكاوية»… تنقل لنا مواقع التواصل الاجتماعي بعض التعليقات والمنشورات عن الموضوع فنقرأ على صفحة عبد الله ساسي «… الهريسة نستنا في خيبة الفريق القومي… الفلفل نتاعنا والحار نتاعنا … نهديلهم قرن قرن بقلوطي»… ثم يتوجه الى لحكومة «ردوا بالكم ازيدوا فالحكة تاع الهريسة … يعيشكم». وآخر «تصنيف الهريسة التونسية ضمن لائحة اليونيسكو للتراث اللامادي تحت عنوان: فمك يتبنن ودبرك يخلّص».
الراي… أخيرا على القائمة التمثيلية
بعد خلل تقني وقصور المعطيات الخاصة بملء استمارة اليونيسكو لتصنيف العناصر التراثية على القائمة التمثيلية… وحرب ثقافية إعلامية ودبلوماسية وحتى سياسية بين الجزائر والمغرب حول ملكية هذا اللون الغنائي… وبعد عناء دام سنوات (منذ 2016 إيداع الملف أول مرة في عهد الوزير السابق عز الدين ميهوبي، وسحبه في 2020 في عهد الوزيرة السابقة بن دودة) أعيدت صياغة الملف وتقديمه في مارس/آذار 2021 من طرف وزارة الثقافة ممثلة بالمركز الوطني للبحوث في عصور ما قبل التاريخ وعلم الإنسان والتاريخ في عهد المدير «خربوش فريد»… بعد حرب «البسوس» الثقافية تم تصنيف «الراي» في 1 ديسمبر/كانون الأول 2022 في العاصمة المغربية الرباط… ومن ضمن من ألفوا حول موضوع الراي، إضافة إلى الراحل حاج ملياني الذي لم يشارك في الملف في حياته، هناك دراسة صدرت لصاحبها يسين بوغازي الذي نشر على صفحته مايلي: «بمناسبة تصنيف الراي الجزائري تراثا غير مادي للإنسانية من طرف اليونيسكو إليكم كتابي الذي تناولت فيه أغنية الراي الجزائري وتاريخها وشيخاتها وشبابها وموسيقاها التي استلهمت من الأغنية البدوية في شقها الحضري (بدوي/حضري) وكيف تنطبق (ربما يقصد صاحب المنشور انطلق) شباب الراي يبحثون عن سموات جديدة لموسيقاهم فواكبوا تكنولوجيات الموسيقى العصرية العالمية واستدخلوا نغمات ونوتات الآلات الموسيقية الغربية على طبوع أغنية بدوية فانتشر الراي كهشيم النار في أجيال أواخر الستينيات والسبعينيات والثمانينيات من القرن المنصرم … والراي يسكن سقف العالم بريتمية بسيطة من نوتات الدربوكة والسانتي في ذلك الزمن الذي ظهر فيه». ويضيف في منشوره: «ثم كيف أن الراي ظاهرة تداخلت ما بين الغنائي والسياسي والاجتماعي وقدرته على الصمود والاستمرار رغم ما كان يعرفه من عداوات سياسية رسمية ونخبوية إذ ضيّقت الفضاءات على الأغنية فلم تكن مسموحة للعقود الأربعة، ليكتشف لاحقا أن هذه الموسيقى هي روح الجزائر فهي من صنع شبابها ونخبتها الموسيقية الذين كانت نهاياتهم عبارة عن مأساة، إذ كان الراي عندهم بمثابة عقيدة ولم يكن من أجل جلب للمال والشهرة… ربما الوحيد الذي استفاد من تضحيات شيخات وشيوخ وشباب الراي منذ أواخر السبعينيات واستفاد من شعرائه وتراثهم القديم بسهولة ويسر هو الشاب خالد» (عنوان كتاب يسين بوغازي «الراي الأغنية الجريحة… شجن الهامش»).
وعن العناصر المصنفة تراثيا في البلدان المغاربية يكتب عن الموضوع صاحب زاوية «نقطة نظام» الإعلامي سعد بوعقبة في موقع «المدار الالكتروني». ونقلا عن صفحة السعيد بن لخضر الميلي على الفيسبوك: «الكسكسي والراي أكثر وطنية من الحكام»…». آخر شيء تافه يتصارع حوله حكام السوء في شمال افريقيا، وفي منظمة اليونيسكو، هو الحرب المعلنة حول من يمتلك أكلة «الكسكسي» ، و»بهارة الهريسة» ومن له أحقية ملكية لباس «القفطان النسوي» أو «البرنوس» أو من يملك سروال «اللوبيا»؟عوض استغلال منظمة اليونيسكو في تطوير برامج ثقافية تعليمية ترفع من مستوى الفرد المغاربي راحوا يتصارعون داخل المنظمة حول هل فن «الراي» جزائري أم مغربي؟ والظريف في الموضوع هو أن أحد نجوم الإعلام البائس في الجزائر جعل من هذه القضية قضية وطنية تعادل حرب الرمال»… وأضاف بوعقبة «…أعرف أن والدته المغربية تزوجت من جزائري ورقصت في عرسها على أنغام «الراي» ولم تسأل زوجها هل «الراي» جزائري أم مغربي، كما يسأل ابنها هذا السؤال الغبي… ما أتعس أن نرى في شمال افريقيا «الراي» و»الكسكسي» و»القفطان» و«البرنوس» و«الهريسة» أكلات وملابس تتحلى بالوطنية أكثر من الحكام الذين يريدون جعل «الكسكسي» مثلا، الذي يوحد شمال افريقيا من بنغازي إلى طنجة، يريدون تحويله إلى أكلة محلية لحاكم محلي يحكم إحدى هذه الدول المغاربية». هذا التعنت في امتلاك التراث وعدم إشراكه مع الجيران والتقاتل في إيصاله للعالمية متناقض جدا ولا يخدم مصلحة الشعوب المجاورة ولا الثقافة المحلية والإقليمية والعالمية… ثم إن العناصر التراثية التي تسعى الدول لتصنيفها ليست عناصر وطنية جامعة بالضرورة، بل عناصر تتقاسمها جماعات بعينها لذلك تم التركيز في اتفاقية صون التراث غير المادي على الجماعات وليس على المجتمع الوطني الكبير الكلي.
عودة «بومارطو» وتمثال عين الفوارة
عودة الجدل حول التمثال الأنثوي العاري الذي لم يشكل نقاشا قبل ظهور صاحب المطرقة 2، على مواقع التواصل الاجتماعي، بين مندد بالحادثة وبين مناد لتحديد الأسباب بعيدا عن عنف «المارطو» من هؤلاء الأخيرين بن عياش طاهر الذي كتب على صفحته على فيسبوك: «ما فعله بومارطو 2 من منظوري عادي جدا لكون الخطاب الديني والسياسي أصبح لمن هب ودب… زد على ذلك صفحات التيك توك والفضاء الأزرق وما يغذيه من تطرف ايديولوجي خطير… هذا الشخص ومن قبله ليس شعب ولاية سطيف هذا أكيد، وما فعله ليس ردة فعل كل السطايفيين من تمثال عين الفوارة وتكرار مشاهدة التمثال يصبح مباحا وعاديا… ولكن لنكن واقعيين: لماذا تمثال لفتاة عارية وسط سطيف؟ من صنعه له أهدافه وهو حر فيها. ولكن كان ولابد على الدولة دراسة الأثر النفسي للتمثال على عامة الناس، كان ولابد من فتح نقاش ديني حول نصبه من عدمه. لماذا يبقى الجميع يتأمل وينتظر بل يرى الأمور كأنها لا تعنيه؟ لماذا نتفرج ونندد بفعل، ولو منعزل، دون البحث عن الأسباب؟ أنا لست متعصبا ولكن تواجده خدش مشاعر المسلم حتى وإن كان صخرة. نعم خدش وإن أردتم معاينة ذلك عليكم برؤية الأطفال وتعجبهم بل دهشتهم للمنظر. لماذا لا نضع تمثال بوزيد سعال أو أي مجاهد آخر؟ ولماذا لا يكون تمثال الراحل المغدور بوضياف؟ ويختم صاحب المنشور كلامه: «غير أن ما فعله البومارطو خطير وعقابه لابد منه لأنه ليس من حقه كسر التمثال، بل كان عليه أن يدافع عن ميوله بالنضال السلمي، وإذا كان كل شخص لا يعجبه شيئا يكسره فسنصبح بلا ثوابت ولا تاريخ، وفي غابة الذئاب الجائعة»… يأتي أحد أقارب (ابن عمه) صاحب المطرقة ليصرح لـ «قناة النهار» بأن يطلب من السلطات الصفح وتخفيف العقوبات…» على الجاني نظرا «للضغوط النفسية والعائلية، فوالدته مريضة، ولديه أخ في السجن. كان ثملا (مخمورا)… مضغوط… الله غالب»، وقام بتخريب التمثال بحجر فقط والشرطة بسرعة كانت له بالمرصاد. لا نعلم الأضرار التي ألحقها بالتمثال لكن ليست كالأولى… لماذا لا يتفاعل المجتمع بنخبه الذكورية عندما يتعلق الأمر بقتل وذبح النساء ولا ينقل أخبارهن إلا قليلا؟ التمثال بيّن، من خلال المنشورات والتعليقات التي لا تخرج في كثير من الأحيان عن الرؤية الجنسية الضيقة، ما تضمره هوامات الرجال، مهما كانت مكانتهم، إزاء أجساد النساء.
٭ كاتبة من الجزائر