السيسي يستعين بالسلفيين لمواجهة الإخوان والتكفيريين

قررت الحكومة المصرية قبل أيام منح تصاريح بالخطابة إلى قيادات «الدعوة السلفية»، بعد أن كانت وضعت شروطا محددة لاختيار من يعتلون المنابر، ومن بينها أن يكونوا حاصلين على شهادات من الأزهر. وليس سرا أن بعض «نجوم» الدعوة السلفية لم يتلقوا أي تعليم ديني متخصص، ومنهم الطبيب مثل نائب رئيسها ياسر برهامي، أو من هو حاصل على تعليم متواضع، ولا داعي لذكر اسمائهم، في الوقت الذي تمنع فيه الحكومة تصاريح الخطابة عن علماء تنويريين من ابناء الأزهر مثل الشيخين أحمد كريمة ومحمد عبدالله نصر وغيرهما.
وجاء هذا التحول في إطار سياسة جديدة يفترض أنها تهدف إلى استخدام السلفيين لمواجهة انتشار الفكر التكفيري، وكذلك اتساع أعمال العنف التي يرتكبها أعضاء او متعاطفون مع جماعة الإخوان، وتزامن مع تصريحات لقيادات سلفية حول بدء اجراء مراجعات فكرية للمتعاطفين مع الإخوان.
الواقع أن الاستعانة بالسلفيين ضد الإخوان والتكفيريين تشبه «من يستعين بالنار على الرمضاء»، وتكرر أخطاء تاريخية في التعامل مع تيار الاسلام السياسي، وتكشف قصورا سياسيا خطيرا في تشخيص النظام لتعقيدات الأزمة الناتجة وعلاجها.
اولا- اما بالنسبة لملف «الاخوان»، فإن الدعوة السلفية فقدت مصداقيتها عند بعض أنصار «الجماعة» منذ تأييدها لعزل الرئيس السابق محمد مرسي، خاصة انها تملك تاريخا طويلا من التواطؤ مع الانظمة المتعاقبة التي عرفتها مصر منذ الثمانينات. وربما لا يستطيع احد غيرهم أن يقول انه كان داعما لانظمة مبارك والمجلس العسكري والاخوان والسيسي في آن (..). وقد ذهب بعض من «الاخوان» إلى تخوينهم بل وتكفيرهم، في إشارة واضحة إلى ما يعانيه الاسلام السياسي من تمزق، بل واقتتال اهلي. وحتى اذا فتح السلفيون نافذة لاستيعاب بعض اعضاء «الاخوان» الذين قرروا التمرد على الجماعة لأسباب سياسية أو فكرية، فإنه من العبث القول إن السلفيين بفكرهم المتشدد الذي أنتج الاساس الايديولوجي للاعمال الارهابية منذ الجماعة الاسلامية في التسعينيات إلى «داعش» اليوم، يمكن أن يساعدوا في اقناع اعضاء أو المتعاطفين مع «الاخوان» بالتراجع عن العنف.
ثانيا- إن الاستعانة بالسلفيين بدلا من الازهر لمواجهة التكفيريين، يمثل إقرارا من الدولة بعجزها عن تنقية المؤسسة الدينية الاهم في العالم الاسلامي من جذور الفكر التكفيري المتمثل في كتب ومناهج تبيح عمليا كافة ما ترتكبه داعش من جرائم ضد الانسانية. وكان مثيرا للسخرية أن يعلن وكيل الازهر مؤخرا حذف باب في احد كتب الفقه يجيز «أكل لحم الاسير»، الا انه يبقي مئات الابواب التي تبيح جرائم داعشية اخرى. وحسب الدكتور العالم أحمد كريمة فإن أحد كتب السلفيين الذي يطبع ويوزع في مصر من ربع قرن، يبيح ما يجري اليوم من هجمات ارهابية ضد جنود الجيش، اذ اعتبر احد شيوخهم أن اداء الجندي التحية العسكرية للضابط يعد «شركا بالله». وليس هذا غريبا على من يحرمون الوقوف لسماع السلام الوطني وتهنئة المسيحيين في اعيادهم.
ثالثا- في الانتخابات التشريعية الاخيرة، قام السلفيون على مضض بترشيح عدة نساء للبرلمان، لكنهم لم ينشروا صورهن في الدعاية الانتخابية، وابدوا استعدادهم اخيرا لترشيح اقباط تفاديا لاعتبارهم «حزبا دينيا»، رغم انهم يعتبرون غير المسلمين مواطنين من الدرجة الثانية، لا يحق لهم تولي اي منصب سياسي في دليل جديد على البراغماتية التي تلامس حدود النفاق في رأي كثيرين. وللانصاف فقد رفض السلفيون تولي مناصب حكومية في عهد الاخوان، وهو ما يثير اسئلة حول ما يريدونه حقا. الواقع أن اعتلاء المنابر والقدرة على نشر افكارهم المتشددة، خاصة بين الشباب في المناطق الاكثر فقرا يتصدر اولوياتهم. وهذا بالضبط ما قدمه نظام الرئيس السيسي لهم بمنحهم تراخيص الخطابة، في تراجع مذهل عن تعهده بـ«ثورة دينية ضد الافكار المتطرفة التي تجعلنا في عداء مع العالم». الواقع أن الاستمرار في استغلال الدين لتحقيق اهداف سياسية يمثل خيانة لروح الدستور ومظاهرات الثلاثين من يونيو، وانتكاسة خطيرة في السعي نحو اقامة دولة مدنية حقيقية.

٭ كاتب مصري من أسرة «القدس العربي»

خالد الشامي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية