ظاهرة المرافقين سطحت صورة الزعيم والمصور الخاص يتنافى مع حرية الإعلام صالح الرفاعي: صورة الهاتف آنية وعرضة للتلاعب وعرفات استفاد من الصورة لأبعد حدود

زهرة مرعي
حجم الخط
0

بيروت ـ «القدس العربي»:  «من يصنع صورة الزعيم؟» سؤال طرحه الزميل المصور صالح الرفاعي، وبحث عن إجابات ودلائل تاريخية حوله. أفضى السؤال إلى كتاب جمع بين دفتيه معلومات قيمة وموثّقة عن بدايات الصورة، وصورة الزعيم. أرّخ لصورة نابليون بونابرت باعتبارها أول بورتريه سياسي حيث ظهر مؤلفهاً بريشة الفنان جان أوغست دومينيك آنغر، قبل أن يولد اختراع الكاميرا. وتتبع اختراع الكاميرا خطوة بخطوة، وصولاً إلى عصر التصوير الرقمي «الديجتال». وأرفق كتابه بعشرات الصور من لبنان ودول العالم.

لم يُكمل صالح الرفاعي المشوار مع مهنة المتاعب. ولم يألف أن يكون الزعماء في لبنان مسيجون بالمرافقين، وصورتهم محتكرة للمصور الخاص. راح إلى التعليم الجامعي، وناداه الفن لكونه هواية البدايات. جمع بين خبرته في التصوير الكلاسيكي، والأفق الرحب المتاح عبر تقنية الفنون الرقمية «الديجيتال». فبرع وأنجز لوحات خولته الانتساب إلى جمعية الفنانين التشكيليين في لبنان كأول فنان في فن الديجيتال. كانت له معارض فردية، وشارك بالعديد من المعارض الجماعية.
صالح الرفاعي زميل أنجزت برفقته أول تحقيق مهني لمجلة «الحسناء» البيروتية في العام 1979. معه هذا الحوار:
○ بعد سنوات من امتشاق الكاميرا في أحلك الظروف وفي أجملها. لماذا الاهتمام بصورة الزعيم؟
• هما حافزان. الأول الرغبة بمد الزملاء المصورين بثقافة ومعرفة بصور السياسيين في لبنان والعالم العربي. إلى جانب معرفة ثقافية عامة بالشخصية السياسية، وتفاصيل الحالة السياسية. رغبت مشاركة الزملاء ومحبي التصوير في لبنان والعلم العربي بمعرفة امتلكتها بعد بحث ودراسة. نحتاج في عالمنا العربي إلى ثقافة الصورة. والثاني أني فعلاً عشت كمصور مرحلة جميلة جداً في رحلة عملي تمثلت بالسنوات التي سبقت الحرب الأهلية. بدأت تصوير الموضوع السياسي أواخر سنة 1973 وعرفت كبار السياسيين على طبيعتهم في ذاك الزمن. أفتخر بأني تعرّفت إلى جيل من السياسيين نفتقدهم حالياً. كان جيلاً يمتاز بالمصداقية، وبعلاقات مهنية جيدة مع الإعلام بعيداً عن المنافع. بدأت معاينة الفرق بين رجال السياسة في الماضي والآن منذ سنة 2000. خامة جديدة ومختلفة من السياسيين ظهرت مع بداية التسعينيات ومع إنتهاء الحرب الأهلية اللبنانية. وحينها صار لنا رئيس حكومة يمتلك قدرات هائلة وشبكة علاقات كبيرة. إنه الرئيس الشهيد رفيق الحريري، الذي اكتشفنا معه مهنة المصور الخاص للسياسيين، وبرزت حالة المرافقين. هؤلاء منعوا الاقتراب من الزعيم أو من الشخصية السياسية، وبينهم المصورون. ما حال دون التواصل معها بصرياً للمس جمالية الصورة من خلال بؤبؤ العين.
○ تريد القول إن الشهيد رفيق الحريري فرض أعرافاً جديدة للمهنة؟
• بل هي بدايات التحول الذي تلمسته كمصور. الراحل رفيق الحريري تعامل بمحبة كبيرة واحترام وتقدير للصورة والمصورين، أحبته الكاميرا وكان أحياناً يطلب من المرافقين تسهيل مهمة المصورين. وفي تلك المرحلة بدأ السياسيون يحيطون أنفسهم بالمرافقين الذين أنشأوا سياجاً بينهم وبين المصورين. في حين أن إنتاج الصورة المعبّرة للشخصية يحتاج للتواصل البصري معها بمهنية وحرفية. مع ظاهرة المرافقين صارت صورة الشخصية السياسية سطحية. حتى الصور البروتوكولية التي يعتمدها المسؤولون عندنا، أرفضها بالمطلق، لأن ميزتها البرودة والجمود وانعدام الابتسام. بعكس الصور التي يعتمدها الغرب والتي تبدو طبيعية ومتحركة في آن.
○ الجدار المنصوب بين السياسي والمصور حمّسك لتأريخه؟
• وهذا ما تحدث عنه الكتاب مسنوداً بمقارنات لسياسيين شغلوا حيزاً كبيراً في الحياة اللبنانية. على سبيل المثال كنت كمصور أدخل إلى صالون الزعيم كمال جنبلاط بعد أن يفتح الباب مرافقه الوحيد. رؤساء الأحزاب والسياسيون جميعهم كانوا لا يزالون طبيعيين حتى التسعينيات، مع انتهاء الحرب بات التواصل معهم صعباً.
○ من هو الزعيم أو السياسي الذي تأثرت بصورته في المرحلة التي اتفقنا على وصفها بالطبيعية؟
• الشخصية التي أحببتها وشعرتها الأقرب لعين الكاميرا الراحل ريمون إدة. كان شخصية كاريزمية، لديه طاقة كبيرة، وهو شخصية مميزة، وكان متاحاً يومياً تصويره بطريقة مختلفة. وكان يتفاعل مع المصورين ويشعر بوجودهم على الدوام. كذلك شخصية كمال جنبلاط الذي ما زال يثير إعجابي باحترامه للمصورين. أما الشخصية التي تجيد جذب المصورين واعتمد كثيراً على ماهية الصورة وتسويق مضمونها واستفاد منها الى أبعد حدود هو الزعيم الراحل ياسر عرفات.
○ أبحرت بحثاً عن صورة الزعيم التي رُسمت قبل أن تولد الكاميرا. هل مرّ في هذا العالم زعيم لم يعبد صورته؟
• تقصدين صورة الألوهية التي ظهر فيها نابليون بونابرت والتي حملت اسم صورة العرش. قبل تلك الصورة ظهر الزعماء بصور بورتيريه مرسومة بالريشة. أما نابليون فرُسم بكامل مستلزمات الالوهية. صورة موجودة في كتابي كتأريخ لبدء الصورة السياسية. وتضمن الكتاب معلومات جمّة عن المصورين العالميين، وكيف مارسوا مهنتهم على مدى التاريخ. إلى جانب صور لبعض الشخصيات وكيف تمّ التقاطها، وحيثياتها. ثمة أحداث كثيرة مرتبطة بالصورة معرفتها مهمة لكل مصور، كمثل سيرة تشرشل مع المصور العالمي السوري الأصل يوسف كارش. وسيرة المصور الكوبي ألبيرتو دياز.
○ البحث عن المصورين المؤثرين في العالم وتاريخ تطور الصورة له حيزه في الكتاب. في زمن صورة الهاتف من يهتم بهذه المعلومات؟
• في المرحلة الإعلامية الحاضرة يلعب الهاتف المحمول دوراً كبيراً، سواء على صعيد الفيديو أو الصورة، لكنه لن يكون مقياساً لتاريخ. نرى الصورة التاريخية وقد تمّ التقاطها بإضاءة وموضع محدد. فيما صورة الهاتف النقّال تُصنّف تذكارية أكثر منها تأريخية. لصورة الهاتف وهجها الآني، ولا أعتقد أنه سيؤخذ بها كتأريخ نظراً لإمكانية التلاعب بمضمونها.
○ وماذا في حكاية المصور يوسف كارش مع تشرشل؟
• عندما تمّ تكليف يوسف كارش بتصوير تشرشل أعدّ الغرفة وجهّزها بالإضاءة مسبقاً. خلال الحرب العالمية الثانية كان تشرشل يشارك في كندا بمؤتمر لدعم بريطانيا، وقرر رئيس الوزراء الكندي ماكنزي كينج إهدائه صورة لرفع معنوياته خلال قصف الألمان للعاصمة البريطانية لندن بقوة. حينها كانت الكاميرا تلتقط صورة واحدة. وتحضيراً لصورة ثانية كان لزاماً على المصور وضع نيغاتيف الصورة الأولى في علبة، واعادة تزويد الكاميرا بفيلم، وهذا يستغرق وقتاً ليس متاحاً لدى تشرشل الذي رفض الصورة بالأساس بحجة الوقت. استعدّ كارش لمواجهة سيجار تشرشل الذي لا يفارقه ووضع له صحناً. يعلم كارش أن تصويره غير ممكن مع السيجار، فدخانه سيحجب صفاء عينيه، وخاصة نقطة التركيز «الفوكس» المتمثلة بالبؤبؤ حيث التعبير الأقوى، وحيث مخزون الأفكار يبدو واضحاً. كارش الذي صوّر في الولايات المتحدة التي هاجر إليها حوالي 60 في المئة من شخصيات العالم، طال به الانتظار ليتخلى تشرشل عن سيجاره ولم يفعل. سارع وانتشله من فمه وضغط بيده على زر الكاميرا، والذي كان حينها مربوطاً بسلك ويُحمل باليد. تفاجأ تشرشل بما حصل، وإذ بالصورة تُنشر في كافة صحف العالم وسميت «زئير الأسد» وصارت من الصور الأيقونية.
○ بالصدفة أدت الصورة الغرض الذي أريد لها؟
• صحيح، كما أن تشرشل أتاح للمصور إعجاباً وتقديراً أن يلتقط له صورة ثانية. لهذا أقول لو قرأ المصورون تاريخ الصورة لعرفوا قيمة ذاتهم وصورهم.
○ وماذا عن ألبيرتو مصور غيفارا؟
• ألبيرتو دياز والمعروف بكوردا، الذي التقط الصورة الأيقونية لتشي غيفارا في العام 1960 والتي تعتبر الأشهر في التاريخ نظرا لانتشارها في كافة أنحاء العالم. في العام 2000 حصل المصور كوردا على تعويض قيمته 50.000 دولار بعد ان رفع دعوى ضد شركة تسويق بريطانية استخدمت صورة غيفارا في حملة دعائية لتسويق مشروب الفودكا. أساء ذلك إلى رمزية غيفارا، خاصة وان كوردا أعلن للمحكمة ان غيفارا لم يكن يحتسي الخمر بتانا. وتبرع كوردا بالمبلغ لشراء أدوية لأطفال كوبا.
○ بذلت جهداً كبيراً لتحقيق كتابك «من يصنع صورة الزعيم؟» هل تراها مادة أكاديمية أم تأريخية فقط باللغة العربية؟
• جذور الكتاب بدأت مع اعدادي لرسالة الماجستير. لاحقاً قررت التوسع بالبحث وصولاً إلى الكتاب، فاستغرق العمل خمس سنوات. يحتاج الكتاب توثيقاً للمعلومات ومن مصدرين، فالمصداقية هي الأساس. إضافة للحصول على إذن الزملاء المصورين كي أتمكن من نشر صورهم. الجزء الأول من الكتاب تضمن سرداً تأريخياً للصورة. والجزء الثاني تجارب المصورين العالميين. إلى دخول في علم نفس الصورة وتعامل الأديان معها. وجميعها يحتاج إلى مراجع وبحث ووقت. ومن ثم الجزء المتعلّق بالمصورين الخاصين في العالم العربي. أن يكون لكل زعيم مصوره الخاص أمر يتنافى مع حرية العمل الإعلامي، ويجعل من صورة الزعيم بروتوكولية.
○ من التصوير إلى التدريس الجامعي إلى الفن التشكيلي. لماذا تخليت عن المهنة الأولى؟
• ليس تخليا مطلقاً. جئت إلى الفوتوغراف من بدايات فنية. بدأت تصوير زملائي في الكشاف، اشتروا الصور كتشجيع لأتمكن من ابتياع أفلام وأدوية للتظهير في المنزل. حينها لم تكن الصورة وحدها هي الجاذب، بل تميزت بجمالية فنية. ظروف لبنان أخذتني إلى الصورة الصحافية، وحين سئلت من قبل مجلة لبنانية في حوار معي عن هوايتي قلت إنها الهروب من المهنة إلى الطبيعة لتصويرها. وما زلت أمارس هوايتي هذه في رحلات المشي المنظم.
○ كيف تستفيد من سنوات خبرتك في التصوير وانت ترسم؟
• يخدم التصوير الفن التشكيلي دون شك. هناك تجارب كثيرة على صعيد العالم أبرزهم سلفادور دالي وبيكاسو. مع اكتشاف الكاميرا سنة 1837 انتقل العديد من الفنانين التشكيليين إلى فن التصوير منهم مارسيل دي تشامب، ولويس داغير. تعرفين بأني لا أرسم كفنان تشكيلي، لكنني أشكل صورتي. مع مطلع الألفية الثالثة انفتحت الفنون على بعضها البعض. انضمّ فن التصوير إلى مجموعة الفنون الأخرى، وإنطلاقاً من ذلك كان الانتساب إلى نقابة الفنانين وجمعية الفنانين. الفن الذي أقدمه هو الرقمي، أعمل على الصورة بصرياً من خلال الـ«ديجيتال آرت».
○ هل تحتفظ بكافة آلات التصوير التي اشتغلت بها؟
• بالتأكيد، وأذكر الكاميرا الأولى الكبيرة الحجم التي كنت أضع رأسي فوقها لأتمكن من التصوير. كما امتلك بعض المعدات التي صارت مفقودة كآلة تعبئة الأفلام وأجهزة التحميض والطباعة.
○ ما هي آخر صورة التقطها؟
• ليس هناك من صورة أخيرة، فمع كل شروق وغروب للضوء تكمن صورة ما. وما علينا الا التمعن والانتظار لألتقاطها. المهم ان تكون الصورة ذات معنى لمصورها وقد تحكي قصة أو تعبر عن رأي ما، أو ذات مضمون جمالي يجذب مشاهدها.
○ صورة زعيم لبناني أثرت بك؟
• ما من صورة مؤثرة لكن عانيت حتى حصلت على صور لبعض السياسيين اللبنانيين. وذكرت ذلك في نهاية الكتاب. ثمة فقرة في الكتاب عن الوراثة السياسية، والفكرة تقتضي بتصوير الزعيم الحالي وصورة والده خلفه. صورت نديم الجميل ودوري شمعون. قصدت المختارة لتصوير وليد جنبلاط دون موعد تماماً كما استقبالاته في كل سبت. وعندما وصل دوري سألني عن مطلبي فأخبرته. رد بأن الناس كثر ولا وقت للصورة. طلب مني مستشاره التريث لحين تراجع عدد الضيوف. انتظرت ثلاث ساعات ورحت صوبه لأخبره بأني لن انزل إلى بيروت إلاّ مع صورته. قال يللاّ. أمسكته بيده إلى غرفة قريبة فيها صورة لكمال جنبلاط ووقف أمامها. بعد سبع ثواني قال «خلص» وكان بحوزتي سبع صور متشابهة. وليد جنبلاط من السياسيين الذين يمارسون التصوير ويعرفون قيمة المصور والكاميرا. ومن السياسيين الذين يمارسون هواية التصوير تمام سلام، وسليمان فرنجية يعتبر من أهم المصورين لكنه لا يحب أن يتَصور. وفعلاً جربت كافة السبل ولم أتمكن من الوصول إليه.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية