الحروب ظاهرة اجتماعية عرفتها البشرية منذ بدء الخليقة، وهي تنشأ نتيجة تعارض المصالح بين الجماعات والدول، وقد تطورت أساليب ووسائل الحرب منذ القدم، وارتبط تطورها وتقدمها بتطور العصر الذي أفرزها، حيث يمكن اعتبار الصراع وسماته وتطوره ترجمة لتقدم العصر الذي أفرزه، بل إن التقدم العلمي والتقني لم يعد يخدم الصراع والحرب فقط، بل أصبحت الحاجة لتطور وسائل الصراع وأدواته تكاد تكون هي الموجه الرئيسي نحو الوصول إلى كل ما هو جديد ومستحدث لتلبية متطلباته وخدمة أهدافه، وينعكس على باقي نواحي الحياة الأخرى، هذا ما يقوله كمال أحمد عامر في كلمته التي قدم بها كتاب «حروب الجيل الرابع.. وتداعياتها السياسية على الأمن القومي المصري والعربي» لمؤلفه عمر محمد علي محمد، الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب. ما يود التأكيد عليه هنا عامر، أن حروب الجيل الرابع جاءت لتركز على السرعة في المعرفة، واستغلال قاعدة التسارع لاستمرار الضغط على الخصم، مع تطويع كل منجزات العلم وتطوير القدرات لصالح الصراع الذي يُدار في مسرح الحرب، الذي أصبح متسعا يشمل كل الأبعاد، إضافة إلى البعد الفضائي. في حين يقول المؤلف، برز اهتمام عدد كبير من المحللين العسكريين والاستراتيجيين لفهم ورصد واستشراف التحولات التي طرأت على أشكال الحروب، وهو ما انعكس في تطوير عدد من المفاهيم والمصطلحات التي سعت لفهم التحولات الحادثة في الحروب واستشراف مستقبلها، ومن أهم هذه المفاهيم حروب الجيل الخامس، الحروب الهجينة، المناطق الرمادية، الحروب غير المقيدة، حروب القرن الواحد والعشرين، والحروب الجديدة وغيرها.
هنا أيضا يقول الكاتب، إن المنطقة العربية تشهد حروبا وصراعات متعددة أدت إلى انهيار الدولة وتفكك مؤسساتها، إضافة إلى تفشي ظاهرة الجماعات المتطرفة، التي تهدف إلى تقويض الأنظمة السياسية في الدول، وخلق حالة من الانهيار الداخلي فيها، وصولا إلى تقسيم الدولة، ذاكرا أن هذا ما تشهده منطقة الشرق الأوسط التي أضحت مسرحا لهذه الحروب، وبصفة خاصة المنطقة العربية التي شهدت أول بوادر الانقسام منذ الثورة العربية الكبرى.
أجيال الحروب
المؤلف الذي يرى، أنه خلال المراحل التاريخية التي مرّت بها الشعوب في صراعاتها تطورت أجيال الحروب المتعاقبة لتلبي الاحتياجات المتزايدة لإدارة تلك الصراعات في شتى أنحاء العالم، يرى كذلك أن أجيال الحروب قد انتقلت عبر السنين من مرحلة إلى أخرى في تطور طبيعي حمل أفكارا ورؤى أدت إلى تحديث النظريات والخطط العسكرية المتبعة فيها.
الكاتب الذي يقسم أجيال الحروب هنا إلى أربعة أجيال، يؤكد أن أجيال الحروب غير محددة بزمن وعدد سنين، بل هي رهن لطبيعة الحرب ذاتها وتطورها الذي عادة ما يصاحب التطور الفكري والتقني للأمم والشعوب، يعرّف حروب الجيل الرابع بأنها الحرب على المنظمات الإرهابية التي يكون طرفا الحرب فيها جيشا نظاميا لدولة ما مقابل لا دولة أو لعدو أو خلايا خفية منتشرة في أنحاء العالم، وهي تعد ظاهرة جديدة نسبيّا، كما أنها عرفت تمددا لافتا في الآونة الأخيرة، خاصة في المنطقة العربية. أما ما يميز هذه الحروب، حسب قول المؤلف، فإن أهم وأخطر سماتها هو التماهي أو زوال خطوط الفصل بين ما هو مدني وما هو عسكري، وبين ممارسة العمل السياسي وخوض صراع عسكري، مشيرا إلى أن هذه الحروب يمكن فيها توظيف أدوات العمل السياسي بدلا من خوض صراعات عسكرية، وقد تلعب فيه السياسة الأدوار ذاتها التي كانت تتم من قبل عبر الحروب والمعارك، وقد يقوم فيه المدني بالتالي بدور العسكري.
هنا ينقل الكاتب عن شادي عبد الوهاب منصور قوله، إن ما يمكن استخلاصه هنا من حروب الجيل الرابع، أن أهداف الأطراف الخارجية والموقدة لهذه الحروب تكون غير مترابطة ومتدنية مقارنةً بالخسائر المادية والمخاطر الأمنية التي تنطوي عليها إرادتهم للصراع، ذاكرا أن حروب الجيل تنحصر في مجموعة من الميليشيات غير النظامية المنتشرة في أماكن عديدة تواجه دولة نظامية تحركها دوافع أيديولوجية أو دينية، تنشط لصالح أطراف خارجية بهدف زعزعة وإفشال الدولة. مضيفا أن لهذه الحروب أهدافا اقتصادية وسياسية واجتماعية وثقافية وإنسانية، وهي تعمل على إحداث أوضاع غريبة وقاسية، وهي تعبر عن عقلية مجرمة دبرت وخططت لهذه الحروب.
الجيش المصري
المؤلف الذي يرى، أن حروب الجيل الرابع حروب غير تقليدية، ليس لها بدايات واضحة، يشير إلى أنها لا تستهدف تحطيم القدرات العسكرية حسب، بل تعمل على نشر الفتن والقلاقل وإثارة الاقتتال الداخلي وزعزعة الاستقرار، ومن خصائصها، يقول المؤلف، نكران الأطراف غير المباشرة تدخلها ومشاركتها في الصراع، كما تعتمد على أسلوب حرب العصابات، كما تعتمد هذه الحروب، على حروب المعلومات التي تعتمد على التقدم التكنولوجي، كذلك يذكر المؤلف هنا أدوات الجيل الرابع معددا منها الأدوات الاستخباراتية، وسائل الاتصال، التمويلات المالية، الأنظمة الحاكمة، استراتيجية اللاعنف. كذلك يكتب المؤلف عن المقومات السياسية لحروب الجيل الرابع، وعن العوامل المسببة لها، مشيرا إلى أن الجيش المصري يمثل الهوية الوطنية المصرية، ويعد أكبر وأنجح المؤسسات المصرية في الآونة الأخيرة، وهو المؤسسة التي لم تتأثر سلبا بالتطورات السياسية في الدولة خلال السنوات الأخيرة، ولم تنحز إلا لمصلحة الشعب، ولم ولن تتحزب، فبقاؤها وحفاظها على تلك المبادئ هما صمام الأمان للدولة المصرية سياسيّا وشعبيّا، فلن تتمكن أي دولة من تحقيق تقدم اقتصادي واستقرار اجتماعي في ظل تهديدات تتربص بها خارجيّا وداخليّا، ووجود جيش قوي هو السبيل لتحقيق بيئة أمنية مناسبة للاستقرار والتقدم.
هنا أيضا يكتب عمر محمد علي عن مجالات حروب الجيل الرابع وتأثيرها في الأمن القومي المصري والعربي، عن أبرز أشكال هذه الحروب، عن الحروب بالوكالة، عن الحروب المعلوماتية، عن حروب الموارد، عن الحروب البيولوجية، وعن حروب المخدرات وعن الحروب الفكرية التي يراها من أسوأ أنواع الحروب الحديثة، التي تعمل على تدمير المعتقدات الفكرية والأيديولوجية للخصوم، ويعمل العدو على تحسين صورته لدى الخصم من خلال بث الأفكار التي تتعلق بالسلام والحريات والديمقراطية وأهمية تطبيقها، وتصاحب هذه الأفكار والمعتقدات مجموعة من الأهداف الخفية المسمومة.
الجيل الخامس
في السياق نفسه يتحدث المؤلف عن آليات مواجهة مخاطر حروب الجيل الرابع وطرق الوقاية منها في مصر والوطن العربي، ذاكرا أن هناك العديد من الآليات والوسائل السياسية لمواجهة مخاطر هذه الحروب ترتكز على التحسين المادي لجوانب الضعف في النظام الاجتماعي، إضافة إلى توفير فرص عمل للأجيال الشابة في المجتمعات المستهدفة، كما يرى أن أفضل الآليات لمواجهة مثل هذه الحروب يتم من خلال تحصين المجتمع، والتركيز على كسب ولاء المواطنين، كما يدعو إلى توظيف القوى الناعمة في مواجهة هذه الحروب، وتوعية الأفراد، واستخدام التحليل العلمي، والبعد عن الصراعات الإقليمية.
أخيرا ينهي المؤلف كتابه هذا بفصل يتحدث فيه عن الرؤية المستقبلية لتطور حروب الجيل الرابع وآفاقها في القرن العشرين، مؤكدا أن حروب الجيل الخامس تختلف عما سبق في كونها تجاوزت مجالات الصراع التقليدية لتكون بمنزلة نوع من الحروب غير المقيدة، التي تجمع بين عدة أنواع من الحروب في الوقت ذاته، كما يقول إن حروب الجيل الخامس تختلف عن حروب الجيل الرابع من حيث استخدام التحالفات، أي تطويع الحلفاء من الدول التي تشترك في المصالح، أو لديها قواسم مشتركة.
كاتب مصري