مغامرة شعرية في معهد معدني! (سيرة ثقافية)

دخلت معهد السكك في بغداد أواخر السبعينات. وإذا شئت التحديد، في عام 1977. دخلتُ بإهاب وروح الشاعر، لا الفتى العمَلي الباحث عن مهنة أو وظيفة يواجه بها الحياة، كما يُقال ذلك عادةً، ويُعمل به. وأنّى لذلك الفتى، طائش القلب والأحلام، الذي يريد أن يمتلك العالم بالقصيدة، تلك الروح البراغماتية التي تتدبّر أمورها وتؤْثر العادي والمستقر والمنظّم، على العواصف ومآلاتها المفتوحة، وكأنّ عبارة كولن ولسون التي نقشها، آنذاك، في الصفحة الأولى من دفتر يومياته، أضحت شعاراً له، «حياتي هذه لا يمكن تنظيمها على نحو ما».
كان كل ما يحرّكني هو الشعر وهاجسه، لكن، في الوقت ذاته، كان كل ما حولي في هذا المعهد المعدني، يمتّ للمعادن ومشتقاتها، فثمة البرادة، والخراطة واللحام، والكهرباء والبناء والإنشاءات والرسم الصناعي، وما يتصل بذلك، وكنت في كل هذا الخضم لا أبحث إلا عمّا يمتّ إلى الشعر، فكنت كمن يبحث عن إبرة في أكوام من القش. أتذكّر، وفي الأيام الأولى لالتحاقي بالمعهد، أنّ طالباً كان قد صادف اسمه اسم شاعر مغمور ينشر في جريدة «العراق» البعيدة إلى حد ما عمّا هو رسمي، ولم أكن أعرفه بالوجه، وقد ظننته في البداية هو ذلك الشاعر، وكم فرحت حينها، إذ أن هناك ما يؤنَس به أو يُركن إليه، أخيراً، في المعهد، حتى لو تمثّل ذلك بشاعر متواضع، لكن هذا الوهم سرعان ما تبخّر، بعد أن عرفت أن شاكر محمود، أو محمود شاكر، وأغلب الظن كان هذا هو اسمه، لا علاقة له من قريب أو بعيد بذلك الكائن الشعري المتخيَّل.

أثَرٌ للشعر في المعهد..

لكن هل كان معهد السكك يخلو تماماً من أي نفحة شعرية، في الواقع؟ لا.. لم يكن الأمر كذلك كما قد يتبادر، غير أنها نفحة أو نفحات منتزَعة انتزاعاً من صُلب مشاغل السكك والحديد. تعرّفت في الأشهر الأولى على صديق ستتوطد به العلاقة وتمتد لسنوات. كان هو الآخر عرضةً لرياح الشعر وعواصفه ولا أظنه قد أكمل الدراسة في المعهد، وكان يسبقني بسنة دراسية. كان ذلك هو الصديق نزار الطالقاني. كان مسكوناً بالشعر، متطلعاً لأن يحقق شيئاً في مضماره هذا، غير أن انهماكه في العمل وإدارة أملاك والده، والعائلة في ما بعد، كلّ ذلك، أخذه بعيداً. أتذكر مرةً، وكان يكتب للأطفال، أيضاً، أعطاني قصيدة لنشرها في ملحق مخصص للأطفال في جريدة «الجمهورية» هو ملحق تموز الأسبوعي، كان ذلك أواخر السبعينيات، ربما عام 1979، وكنت قد نشرت في الملحق، الذي كان يشرف عليه الشاعر الصديق سلام كاظم. زرت سلام في الجريدة لهذا الغرض، ونُشرت القصيدة بالفعل، بعد فترة وجيزة جداً، وكانت قصيدة جيدة كما أتذكر. غير أن المفاجأة أن سلام نشرها بالاسم الأول فقط «نزار» بحذف اللقب الطالقاني، وكانت مبادرة نبيلة منه، خوفاً على الشاعر، وحمايةً له، إذ كانت الفترة، فترة تهجير ارتكبه النظام بحق ما يُسمى، ظلما، التبعية الإيرانية، الذين هم مواطنون عراقيون.
ومثلما تعرّفت على نزار واهتماماته الثقافية والشعرية، الذي كان بدوره يبحث عما هو ثقافي وأدبي في المعهد، وفي هذا الصدد، أخبرني بوجود طالبة معهم في القسم، اسمها «إيمان» أو «آمال» هي بنت الناقد ياسين النصير وقد أحضرت له كتابين مما صدر لوالدها، وقتها، أتذكر منهما بوضوح، كتاباً عن المسرح بغلاف أحمر، كان معه، هو «وجهاً لوجه» والكتاب معروف في وقته. تعرفتُ أيضاً، على خطاط ورسام، وإنسان نبيل في المعهد ويتمتّع بخفّة الروح، هو الطالب سعود الراوي، وكان خطاط المعهد بلا منازع.
إذن ثمة متسع للفن والشعر والأدب، وإن على الهامش. لقد استغللت وجودي في المعهد الذي كان يوفر لنا السكن في قسم داخلي قريب من المعهد، في السنتين الأولى والثانية، وقد خدمني الحظ في أن تكون لي غرفة خاصة، في القسم، في السنة الثانية، نظراً لصغر حجمها، حوّلتها إلى مكتب ومكتبة، عكفت فيها على القراءة والكتابة، أغلب الوقت، مع توفر إمكانية شراء الكتب، بما في ذلك أحدث الإصدارات، عراقياً وعربياً. إذ كنت في سعة مالية، نوعاً ما، نظراً للمخصصات التي يمنحها المعهد لطلبته، والتي تُعدّ كبيرة وقتها وهي 40 ديناراً شهرياً، عدا عمّا يزودني به الوالد، حتى إن الغرفة ضاقت بالكتب فكنتُ أشحنها في حقائب كبيرة، أنوء بثقلها حين أصحبها عائداً بها إلى البيت في الإجازات أو العطلات.
أيضاً أُتيح لي، في تلك الفترة، حضور ومتابعة النشاطات والفعاليات الثقافية المهمة في بغداد، كأسبوع الفيلم الجزائري في سينما بابل، والملتقى الشعري الأول للشعرء الشباب ـ 1978، وملتقى القصة، وسوى ذلك من أمسيات أدبية ومعارض رسم وعروض مسرحية أو سينمائية للأفلام الجديدة، وكانت بغداد، أشبه بخلية نحل ثقافية، دأباً وغزارة وتنوّعاً.

قصيدة لميلاد الحزب الشيوعي في 7 إبريل!

وبما أن مسألة الاهتمامات الثقافية والأدبية لا يمكن حجبها، أو كتم أمرها، إذ لابد من ذيوعها ومعرفة الآخرين بها، فقد جاءني أحد الطلبة، ذات يوم، طالباً مني ـ باعتباري مهتماً بالشعر وأكتبه ـ تزويده بقصيدة لإلقائها في حفل سيُقام بمناسبة 7 نيسان/إبريل، ميلاد حزب البعث! موقف كهذا هو نوع من ورطة وتوريط، فالرفض الصريح لطلب كهذا، يعني إنك ضد الحزب وضد المناسبة، وما يعنيه ذلك وما سيجرّ، وإن كان التملّص ممكناً بشكل وآخر، باختلاق أيّ عذر، غير إني أنا الذي أردت استغلال المناسبة، وتحويل مسألة تدبر قصيدة عنها إلى نوع من انتقام ساخر.
وبما أننا في معهد السكك، وكما نقول بالعراقي (منو يقرا منو يكتب) كناية عن الفوضى والغفلة، حين يتعلق الأمر بالشعر، لذا فإنّ ما أضمرته وسأنفذه لاحقاً، لم أفكّر للحظة أنه سيُكشَف أو يُكتشف، وكنت مخطئاً كثيراً في تصوّري، كما تبدّى لاحقاً. فقد عمدتُ إلى مجموعة «قصايد للوطن والناس» التي ضمت عدداً غير قليل من قصائد الشعر الشعبي، لمجموعة مختلفة من الشعراء، كانت هذه الأنطولوجيا المبكّرة، قد صدرت أواسط السبعينيات، في ذكرى ميلاد الحزب الشيوعي العراقي، اخترت منها قصيدة «مناسِبة» للمناسَبة! هي قصيدة الشاعر أبو سرحان (ذياب كزار) الشاعر الذي أُحب. القصيدة بسيطة وجميلة، والأهم أنها تتغنى بحزب، أضحى مستبعَداً ومطارَداً.
وفي إشهار القصيدة ـ هكذا خططت ـ في حفل علني لتمجيد حزب البعث، هو نوع من نكاية بهذا الأخير وانتصار للحزب الشيوعي، (الضحية) وتصورتني جالساً في الحفل أستمع إلى هذه القصيدة وأستمتع بـ«سخريتي» من الحفل برمته، الذي لا بد من أنه سيتحوّل إلى مسخرة، حتى لو كنت أنا الوحيد الذي يعرف بذلك، حين يتمّ التغني بحزب غريم، له:
بيت الحزب بساتين
وجه الحزب نياسين
بيت الحزب هلاهل
وجه الحزب سنابل
بيه كُمَر وبيه شمِس
بيه مدرسة وفلاحين
للفقره والمحرومين
بيت الحزب بساتين
وجه الحزب رياحين

غير أني أفقت على موقف آخر. إذ لم يدر بخلدي أو كنت أعرف، أو قل إني تغافلت عن، أنّ القصائد وما شاكلَ من مساهمات يجب أن تُعرض أولاً على ما يُعرف بالاتحاد الوطني للطلبة، الذي يوجد فرع منه في المعهد، كما في كل مؤسسات التعليم في العراق. وقد جاءني رئيس الاتحاد، وكان اسمه عبد المنعم ـ للأسف لا أتذكر الاسم الثاني له ـ وقال لي، دون مقدمات: ما هذه القصيدة؟ اصطنعت وقتها السذاجة والغَشامة، فقلت: ما بها؟ قال هذه قصيدة عن الحزب الشيوعي! فأجبته ـ وقد حلّ في داخلي شيء من وجوم، لوقع المفاجأة: لم أكن أعرف! وكانت حجتي التي عرضتها عليه ـ وهي مضحِكة ـ أليس بها نياسين (جمع نيسان)! أحسست أن الرجل لم يقتنع بكلامي، لكنه كان من النبل بحيث تجاوز الموقف ولم يعقّده أو يطوّره.
ولا بد من أنه كان على دراية بالشعر الشعبي ومطلعاً عليه والأهم من ذلك، وهو ما عرفته في الموقف ذاته، أو لاحقاً، أنه أيضاً كان شاعراً يكتب الشعر الشعبي، أي أنه ليس بالغشيم، ولهذا فإنه اكتشف القصيدة، ما قد يفسّر موقفه الأخلاقي من الموضوع وغلقه. ويبدو أني تماديت كثيراً في التعويل على جهل المحيطين بي في معهد السكك، بالشعر، عربياً كان أم عامّياً، وهو ما كدت أدفع ثمنه، لولا أن المسألة رست على شاعر، أثبت شعريته الإنسانية، حقاً، في تعامله مع الموقف المذكور.

كاتب عراقي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية