ماذا ستفعل المعارضة التونسية بعد انتخابات سعيد؟

نزار بولحية
حجم الخط
0

لا مفاجآت مرتقبة الليلة في تونس مثل تلك التي كانت تحصل عادة في ختام المواعيد الانتخابية التي جرت على امتداد السنوات الأخيرة. فعندما تبدأ النتائج الأولية للانتخابات التي جرت أمس السبت وسط مقاطعة واسعة من المعارضة ونسبة إقبال ضعيفة بالظهور مساء اليوم فلن يكون بوسع أحد أن ينتظر ميلان الكفة لا إلى اليمين ولا إلى اليسار ولا ان يتوقع تأثير الاقتراع الذي جرى على موازين القوى في البلاد فضلا عن أن يكون له أي انعكاس فعلي على مشهد سياسي يزداد ضبابية والتباسا وغموضا. إذ فيما يمضي الرئيس قدما في تنفيذ ما اختاره وما سطره بنفسه غير عابئ أو مكترث بما قيل أو يقال عن شخصه أو مواقفه أو آرائه يستمر معارضوه في رفع سلاح المقاطعة بوجه خططه وبرامجه لكنهم يواصلون الدوران أيضا ومنذ أكثر من عام في الحلقة المغلقة نفسها. وما فعلوه حتى الآن هو انهم أصدروا البيانات تلو الأخرى ونظموا الاعتصامات والمظاهرات ليغيبوا بعدها قبل ان يعاودوا الظهور من جديد من دون ان تظهر أي نتيجة فعلية لما قاموا به أو يتحقق أي تقدم فعلي أو ملموس في تحقيق الهدف الذي وضعوه وهو الإطاحة بسعيد أو استعادة الشرعية التي يعتقدون انه انتهكها وداسها قبل أكثر من عام. ومن الواضح جدا ان ضغطهم لا يبدو كافيا كما انه لا يسمح لهم بقلب المعادلة أو حتى بتحريكها وحشد الرأي العام وراءهم واقناعه بالوقوف معهم لأجل إسقاط من باتوا يطلقون عليه الانقلابي. لكن إلى متى سيستمر ذلك المشهد الذي تبدو فيه قنوات التواصل بين الرئيس وبين معارضيه مسدودة بالكامل فيما يتسع لهيب الأزمة الاقتصادية والاجتماعية لتحترق به كل يوم فئات جديدة من الناس يزداد اقتناعها بمرور الوقت بأن معركتها الحقيقية أبعد ما تكون عن صراع الشرعيات بين الطرفين؟
ان المتابعين للتطورات السياسية التي تحصل في تونس مند 25 تموز/يوليو 2021 تاريخ استحواذ الرئيس سعيد على جميع السلطات في البلاد قد يطرحون مثل تلك التساؤلات الجوهرية خصوصا في الجانب المتعلق بمستقبل معارضة مفككة الأوصال لم يمنع قرارها مقاطعة الانتخابات البرلمانية التي صمم الرئيس التونسي على إجرائها بقانون انتخابي وضعه بنفسه وفي موعد اختاره عن قصد موافقا لذكرى اضرام الشاب محمد البوعزيزي النار في نفسه أمام مقر محافظة سيدي بوزيد قبل اثني عشر عاما من الأن وشكل حينها الشرارة الأولى للثورة التي أطاحت فيما بعد ببن علي وتوسعت لتطال زعماء عربا آخرين خارج تونس رغم كل ما شابها من عيوب واخلالات ونقائص. ومع ان الجميع يرى ان تلك الانتخابات كانت بلاطعم ولا لون وان النسب المتدنية للإقبال عليها كانت التعبير الأوضح عن ذلك وانها ستفزر لا محالة برلمانا صوريا ستكون تمثليته مشكوكا فيها ولن يكون فيه المجال مفتوحا لأي محاسبة أو مراقبة لأعمال السلطة التنفيدية كما كان الحال في السابق بما ان مهمته الوحيدة ستقتصر على المصادقة على القوانين التي ستعرض عليه، فإن السؤال الذي يطرح نفسه الآن بقوة في تونس هو هل سيتمكن سعيد من خلال تمرير تلك الانتخابات من القطع نهائيا مع المرحلة التي سبقت ما أطلق عليه عملية تصحيح المسار التي قام بها في 25 تموز/يوليو 2021 حين أقال الحكومة وجمد البرلمان واستأثر بكل السلطات ووضع بالمقابل أسس حكمه الجديد؟ أم ان المجال يبقى مع ذلك مفتوحا أمام القوى المعارضة له حتى تنطلق بزخم أكبر وأقوى بعد الانتخابات لا لتعيد ما فعلته من قبل بل لان تنتهج أسلوبا جديدا يجعلها أكثر قدرة على الفعل والتغيير؟

صورة المعارضة مشوشة

ان المشكل هو ان سعيد لا يرى ان الأحزاب الكبرى في البلاد وهي التي تشكل النواة الصلبة للمعارضة تبحث عن شيء آخر غير إسقاط الدولة. وهو لا يتورع على ان يقول مثلما فعل في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي على هامش استقباله لمسؤولة في البيئة ان من يتحدث اليوم عن إسقاط الدولة أي المعارضة «فهو في مزبلة التاريخ ومكانه القمامة التي تركها تتراكم على مدى أسابيع وأشهر» على حد تعبيره. بل انه وبعد يوم واحد من خروج المعارضة في مظاهرة نظمتها جبهة الخلاص الوطني بالشارع الرئيسي بالعاصمة في العاشر من الشهر الجاري في ذكرى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وقبل أسبوع واحد من الانتخابات البرلمانية التي دعت لمقاطعتها، قال أمام مجموعة من المواطنين بأحد الأحياء الشعبية التي زارها ليلا: «هذه رسالة إلى العالم كي أظهر أن قضية الشعب التونسي هي قضية اقتصادية واجتماعية. ولم نأت هنا للمظاهرات أمام المسرح – في اشارة إلى المظاهرات التي تنظمها المعارضة أمام المسرح البلدي بشارع بورقيبة بالعاصمة- فالمهم هو قضية الشعب التونسي ليعيش بكرامة. وليس من يجلسون أمام المسرح ويتحدثون عن أخطبوط وعن أنهم لا يعترفون بالقوانين. لو انهم عرفوا حقيقة مطالب الشعب التونسي ولو انهم امتلكوا الحد الأدنى من ماء الوجه فانهم لن يظهروا لا أمام المسرح ولا في وسائل الإعلام». لكن هل أن التخلص من المعارضة سيكون سهلا وممكنا؟ لقد وقف احمد نجيب الشابي وهو أحد أبرز قادة جبهة الخلاص الوطني السبت قبل الماضي ليلقي كلمة أمام متظاهرين جاؤوا للتعبير عن تمسكهم برحيل سعيد قال في مستهلها: «ها نحن هنا للمرة العشرين في هذا الشارع ولم يقل عددكم ولم يخفض صوتكم … هناك من يقول اجتماعات ثم مظاهرات ثم ماذا بعد؟ أقول لهم تصوروا ان هذا المشهد العظيم كان غائبا في هذا اليوم والمشاهد العشرين والاجتماعات التي عقدناها في سوسة وتطاوين والرقاب وقبلي ومدنين وغيرها من المدن، لولا ذلك لكان الفراغ في وجه قيس سعيد: هذه هي قوة المستقبل قوة عودة الديمقراطية». ومن الواضح ان الشابي وغيره من قادة ورموز الجبهة الذين ناضلوا ضد بورقيبة وبن علي وعرفوا السجون والمنافي يملكون العزيمة والإصرار على مواصلة النضال ضد سعيد. لكن أكبر مشكل يواجه المعارضة هو ان صورتها مشوشة ومشوهة في أذهان التونسيين، فهي غالبا ما تصور على انها انتهازية لا هم لها إلا السلطة أو تتهم حتى على انها كانت السبب في وصول البلاد إلى حافة الانهيار والافلاس أو انها الذراع المحلية لقوى خارجية مثلما أشار قيس سعيد إلى ذلك الأربعاء الماضي حين قال في حديث مع هيئة تحرير صحيفة «الواشنطن بوست» انه يتهم قوى أجنبية لم يحددها «بالسعي إلى تحريك المعارضة» وأن «هناك الكثير من أعداء الديمقراطية في تونس يريدون نسف الحياة الديمقراطية في البلاد». وفضلا عن ذلك فإن المعارضة التونسية هي في الواقع معارضات مفتتة وغير متجانسة. فالانسجام يبدو مفقودا حتى الآن بين جبهة الخلاص الوطني وبين أحزاب الخماسي وهي حزب العمال والحزب الجمهوري والتيار الديمقراطي والقطب والتكتل من أجل العمل والحريات وبين الحزب الدستوري الحر، وهي كلها قوى أعلنت معارضتها لقيس سعيد. وحتى الآمال التي لاحت في العاشر من الشهر الجاري لحصول تقارب محدود بين جبهة الخلاص وبين خماسي الأحزاب من خلال التنسيق في الخروج في مظاهرة في ذلك اليوم سرعان ما تبددت بعد إعلان الخماسي عن تأجيل مظاهرته لموعد لاحق وخروج حمة الهمامي زعيم حزب العمال بتصريح لإحدى الإذاعات المحلية قال فيه انه لن يكون هناك أي تحالف أو تنسيق مع جبهة الخلاص الوطني لانها أي الجبهة هي حركة النهضة التي كانت تحكم في السنوات العشر الماضية على حد وصفه. لكن الإشكال هو ان لا أحد من بين القوى والأحزاب المعارضة يستطيع تحشيد الشارع أكثر مما يمكن ان تفعله حركة النهضة التي لا تزال عاجزة حتى الآن عن إقناع جزء مهم من معارضي سعيد بضرورة توحيد كل الجهود وراء هدف إسقاطه وترك الخصومات والمماحكات الايديولوجية لوقت آخر. كما أن هناك عوامل عديدة تجعل الهوة واسعة بين تلك التيارات وعلى اختلاف ألوانها وبين جزء كبير من الرأي العام التونسي وهو ما يحد بدرجة كبيرة في فعالية تحركاتها. ولا شك ان سعيد يستفيد جيدا من الانقسامات الموجودة بين معارضيه بل ويعمل على بقائها واستدامتها. انه يدرك جيدا أي خطر قد تمثله معارضة صلبة وقوية تتحد على هدف مشترك. لكن واحدا من وجوه المعارضة المعروفة وهو لطفي المرايحي أمين الحزب الشعبي الجمهوري يرى مثلما قال في تصريح إعلامي ان «رئيس الجمهورية قيس سعيد له معارض شرس وهو قيس يعارض سعيد، ولا فائدة من المعارضة على الساحة السياسية» حسب تقديره. وهذا ما قد يدفع بعض من يشاركه ذلك الرأي على الأقل إلى القول ان اختفاء المعارضة أو تواريها في هذا الوقت عن المشهد قد لا يكون عاملا مساعدا في بقاء قيس سعيد في السلطة بقدر ما انه قد يفتح الطريق أمام بروز معارضة أخرى هي الشارع قد تكون أكثر قدرة على تحقيق ما عجزت عنه الأولى. لكن هل ان الأمور تتجه فعلا نحو ذلك السيناريو؟ وهل ان جيوب التونسيين لا عقولهم هي من ستحسم وتقرر بالنهاية مستقبلهم؟ من نزلوا إلى شوارع بعد 17 كانون الأول/ديسمبر 2010 ليطيحوا ببن علي وحدهم من يملكون الجواب.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية