الناصرة- “القدس العربي”: اعتبر ناشطون ومعلقون فلسطينيون على طرفي الخط الأخضر أن استمرار حملة أوساط غربية وإسرائيلية على قطر وعلى المونديال، بعد انتهاء أعماله بنجاح بارز، ينمّ عن جهل وعن غيرة واستعلائية.
وكانت بعض الصحف البريطانية قد اعتبرت خلع أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني عباءة “البشت” على نجم المونديال العالمي ليو ميسي نوعاً من الفرض والذكورية التي تميز العرب، خاصة في دول الخليج، كما جاء في صحيفة الاندبندنت. فيما اعتبرت جهات إعلامية غربية أخرى أن خلع العباءة هذا نوع من استغلال سياسي مرفوض من قبل قطر للمونديال بهدف العلاقات العامة.
ويأتي كل ذلك وسط تجاهل مريع لدلالة خلع العباءة أو إهدائها، فهي في ثقافة العرب والشرق رمز للكرم وحسن الاستقبال والاحترام والتقدير على منجزات وفعل كل من يهدي مثل هذه العباءة.
وبلغت هذه الحملة ذروتها العنصرية الظلامية في قيام صحافيين اثنين من الدانمارك برفع صورة قردة، وهما يشبهّان بينها وبين لاعبي المغرب وأمهاتهم يرقصون فرحاً في ملاعب الدوحة بعد كل انتصار حققوه.
في تصريح لـ “القدس العربي” يوضح سعيد حسنين، محرر الشؤون الرياضية في راديو “الناس”، الذي يبث من مدينة الناصرة داخل أراضي 48، أن «هذه الهجمة الغربية الإسرائيلية على عباءة البشت تعكس تحاملاً دفيناً على العرب والمسلمين كافتهم، وليس على قطر فحسب، علاوة عن كونها تعبيراً عن غيرة من هذا النجاح الباهر في التنظيم والترتيب والاستقبال وحفظ الأمن والأمان».
وتابع حسنين: «كان خلع العباءة من قبل أمير قطر على ميسي واحدة من أجمل لحظات المونديال، وهو ينّم عن فكرة ذكية للتأثير على وعي العالم ومكافحة الأفكار المسبقة المنتشرة، وكأن العرب والمسلمين هم رمز لـ “التخّلف” و”الإرهاب”، وكأنه ليس لديهم سوى عنزة وجمل الخ، حتى جاءت صورة العباءة لتذكّر بأن العرب قادرون على بناء مثل هذا المشروع العالمي، وإتقان إخراجه على أحسن وجه من كل النواحي».
ويشدّد حسنين على أن العباءة في تقاليد العرب عادة جميلة إنسانية وسامية ترمز لكرم الأخلاق، وهي تذكّرنا ببردة الرسول الكريم التي خلعها على الشاعر كعب بن زهير، بعدما عفا عنه عند انضمامه للإسلام، رغم ما كتبه من قدح وتهجّم على النبي وعلى الإسلام والمسلمين، فصارت رمزاً للتسامح والمحبة.
ويستذكر مجد دهامشة، الناشط في منتديات التواصل الاجتماعي، أن الحملة على قطر وعلى المونديال انطلقت مع انطلاق أعمال المونديال في الدوحة، وتباكت بعض الأوساط الغربية والإسرائيلية على موت المئات من العمال خلال بناء البنى التحتية والفوقية لمنشآت المونديال، مما دفع رئيس “الفيفا” للرد في كلمته بشكل حاسم بقوله إن الأوروبيين يحتاجون ثلاثة آلاف سنة للاعتذار عما فعلوه ببقية الشعوب، في إشارة له لحقبة الاستعمار.
ويشير الصحافي الرياضي عبد القادر عبد الحليم من بلدة كفرمندا، المتواجد في قطر، لاعتماد بعض المشاركين في الانتقادات لـ “الذكورية” كحجة في حملاتهم، فيقول: «لو منحت العباءة لزوجة ميسي لتنازلوا عن تهمة الذكورية، وبحثوا عن ذريعة جديدة لعملية الذمّ والقدح».
وعن ازدواجية المعايير أيضاً قال بكر أفندي، الناشط الأهلي والسياسي من بلدة كفركنا داخل أراضي 48، إن هذه الحملة، التي تواصلها بعض الجهات الغربية، تنم عن حقد دفين وتاريخي على العرب والمسلمين. وفي هذا المضمار، يشير إلى أن فرنسا اليوم في 2022 تحتل المرتبة الخامسة عالمياً من ناحية احتياط الذهب، وأراضيها تخلو من ذرة ذهب، وذلك نتيجة تشغيلها بالسخرة آلاف العمال بالتنقيب عن المعادن الثمينة في دول أفريقية مقابل دولار واحد لليوم. ويتساءل؛ كيف يمكن لمن يستغل بمثل هذه البشاعة أن يتحدث عن الأخلاق وعن حقوق البشر؟
وتابع: «قطر ليست منزّهة من الانتقادات، وينبغي توجيه الانتقاد لها في مجالات حقوق العمال وغيره، لكن ينبغي أن يتم ذلك بشكل نزيه، وبعيداً عن الاجتزاء وإخراج الكلام من سياقه والتأطير المشوّه لتغطيات المونديال».
واستذكر أفندي عملية إلباس اللاعب الأسطوري التاريخي بيليه قبعة مكسيكية تراثية بعد فوز البرازيل في مونديال 1970 في المكسيك. وتساءل: في المكسيك كانت القبعة تعددية ثقافية جميلة، وفي قطر تصبح العباءة فرضاً واضطهاداً واستغلالاً!
بالتزامن، تواصل جهات إسرائيلية، منها موقع “والا” وصحيفة “يسرائيل هيوم”، الهجوم على قطر وأميرها، بسبب خلع العباءة على ميسي، واعتبر موقع “والا” أن «فيفا ألبست ميسي عباءة، بما يذكر بصورة علاء الدين الأسطورية في لحظة تاريخية كبيرة تم هدمها للأبد. يا للعار».
أما “يسرائيل هيوم” فاعتبرت العباءة فرضاً واضطهاداً كان يتوجب على ميسي رفضه، وذكّرت مجدداً بقضية العمال الذين قضوا خلال أعمال البناء.
وتعليقاً على ذلك يقول بكر أفندي: «إسرائيل آخر دولة تستطيع توجيه الانتقادات لقطر بسبب حقوق العمال، ففيها يموت العشرات من العمال الفلسطينيين والأجانب سنوياً، بسبب بشاعة استغلال الشركات الإسرائيلية التي تشغلّهم بدون تدابير الأمان والسلامة، ودون رقابة الدولة وجهاتها المعنية كوزارة العمل». وبشأن التنظيم والترتيب، أكد أفندي أن إسرائيل قد تورطت، قبل نحو عشرين عاماً، بمنافسة رياضية تعرف بـ “المكابياه”، شارك فيها رياضيون يهود من العالم وقتل وأصيب خلالها العشرات بسبب انهيار جسر فوق نهر العوجا شمال يافا، علماً أن الحدث الرياضي وقتها أصغر بمائة مرة من المونديال.
وتابع: «لا زلنا نذكر فشل السلطات الإسرائيلية في ترتيب زيارة دينية للمتدينين اليهود الأورثوذوكس في جبل الجرمق، قريباً من قرية ميرون المهجّرة المدمرّة منذ نكبة 1948، فقتل جراء التدافع 45 إسرائيلياً، وأصيب 150 آخرون، ولنتخيل لو حدث ما هو أقل من ذلك في قطر خلال أعمال المونديال، كيف كانت ستعمل ماكنة التحريض والدعاية. في إسرائيل اليوم يتقنون عمليات هدم البيوت وصناعة أسلحة القتل في أرجاء العالم وصناعة العنصرية ضد كل ما هو مختلف عن الإسرائيلي الغربي اليهودي الأبيض. هذه الحملة تنم عن جهل وعن حقد دفين، وهي كما يقول مثلنا: مش حكاية رمانة، بل هي قلوب مليان».
من جهته أكد الناشط الأهلي نبيل دوحا، من حيفا، في منشور على صفحته بعنوان: «العباءة العربية وعصر النهضة في أوروبا» على الرمزية التاريخية الطيبة للعباءة ولبقية الأزياء العربية تاريخياً. وقال إن القيمة الرمزية التاريخية والحضارية للعباءة العربية التي زيّنت ميسي، في تتويجه لبطولة المونديال، أكبر وأهم من كأس الخمسة كيلوغرام ذهب، الذي يمثل بطولة العالم في كرة القدم. منوهاً أن طالبي العلم من الأوروبيين في الجامعات العربية الإسلامية في الأندلس، حملوا اللباس الأندلسي بالعباءة العربية وكسوة الرأس إلى مواطنهم في أوروبا المتلمسة لأنوار النهضة في نهاية عصر الظلمات، الذي طغى على الحضارات الأوروبية لقرون طويلة، حملوا اللباس العربي والعلوم وأنوار الحضارة العربية الإسلامية ليضيئوا عتمة حضاراتهم.
وتابع دوحا في منشوره: «أصبحت العباءة العربية شعاراً للمتميز، ورمز فخر لصاحبها بأنه قد تخرج من جامعات العرب والمسلمين بالأندلس. ومع بداية عصر النهضة في إيطاليا، وبالتحديد في فلورنسا، ومع افتتاح الجامعات الأولى في أوروبا أصبح اللباس العربي زياً للطلبة والمدرسين، وتحول إلى رمز للنهضة العلمية والثقافية التي بدأت تطرق أبواب أوروبا آتية من جامعات الأندلس. شعار التميز الأكاديمي سيتحول فيما بعد إلى الزي الرسمي لجامعات أوروبا بعد أن تم فرضه على المدرّسين والطلبة في جامعات إنكلترا».
كما استذكر دوحا ما قاله جاك غودي في كتابه “الإسلام في أوروبا” عن أن رسامي عصر النهضة، وعلى رأسهم الأربعة الكبار: ليوناردو دا فينشي، مايكل أنجلو، ساندرو بوتيتشيلي، ورفائيل، رسموا اللوحات لشخصياتهم المهمة باللباس العربي والعباءة العربية.. من يزور قصر مديتشي في فلورنسا سيلاحظ رسومات لكبار العلماء والمثقفين تزين جدران المتحف باللباس العربي. وخلص للقول: «الموضوع كبير، مهم جداً وشيق، ويستحق دراسات موسعة.. أكتفي بهذه اللمحة القصيرة لعل الوقت يحالفني مستقبلاً للتوسع في الموضوع، وأرفق بعض الصور لتوضيح تأثير اللباس العربي والعباءة العربية على عصر النهضة الأوروبي، وبالتحديد من مهد الرينسانس مدينة فلورنسا الإيطالية، كلباس أندلسي، لوحة العذراء مريم، ولوحة البشارة لدا فينيتشي الخ».
يشار إلى أن أستاذ الفلسفة في جامعة بير زيت البروفيسور سعيد زيداني، من مدينة طمرة في الجليل، كان قد عقّب على فعاليات المونديال، وتفاعل الشعوب معه، بالقول في صفحته: «يفخر العربي، ويفرح بما أدته وتؤديه دولة قطر. يفخر العربي ويفرح بما أداه ويؤديه المنتخب المغربي (والتونسي والسعودي من قبل)».
وتابع زيداني: «رغم الانقسامات السياسية والأيديولوجية الطافية على السطح، ورغم تنافر وقهر الحكام، هناك في العمق وحدة مشاعر وتحيزات نابعة من وحدة الهوية الثقافية العربية/ الإسلامية. تلك الهوية الثقافية المتجذرة هي أيضاً الصخرة الصلبة التي تنكسر عليها سهام الأعداء والطامعين والاستعلائيين من الإقليم ومن خارج الإقليم».
وخلص للقول متسائلا: «ربما هذا أيضا جزء مما يعنيه من يدعي من الفلسطينيين بأن الثقافة مقاومة!».
وطيلة فعاليات المونديال، واصل الشاعر الفلسطيني جريس دبيلات التعليق على فعالياته بقصائد قصيرة، منها قصيدة عن خسارة المغرب أمام فرنسا، وإشراك الأخيرة لاعبين أفارقة في منتخبها، معتبراً ذلك تذكيراً بماضيها الاستعماري ولا يعكس واقعها الحاضر الجميل بعكس من اعتبر تعددية الألوان وكثرة اللاعبين الأفارقة في منتخب فرنسا دليلاً على تغيرات عميقة طيبة في البلاد الفرنسية، حيث ما زالت الجماهير المغربية والأفريقية تعيش في ظروف أبعد ما يكون عن بريق كأس العالم الذهبي فقال دبيات: «غَلَبَتْنا بِغَيْرِ حَقٍّ فَرَنْسا، وهو ظُلْمٌ على المَدى ليسَ يُنسى/ وأنا اليومَ سوف أدعو لـ”ميسي”/ علَّهُ يُحرزُ البطولَةَ كأْسا / أعْشَقُ السُّمْرَ يَلْعَبونَ ولكنْ/ للشُّعوبِ السَّمْراءِ لا لِفَرنْسا». إلى آخر القصيدة.