“هكذا نعيش. يومياً، نأخذ الأولاد إلى الحديقة ليلعبوا قليلاً، لتنفس الهواء، ليسعدوا بالوسائل القليلة المتوفرة. سجلت ابنتي في مدرسة خاصة لأن الحكومة لا تعطي ما يحتاجه الطفل. حتى نحن الكبار، إلى أين نذهب؟ لا توجد مقاهي هنا مع أجواء. أفضل شرب قهوتي في البيت”.
هذا الوصف يأتي إلينا من مصطفى زواتي، صحافي ومحلل يعيش في الأردن في السنوات الست الأخيرة، ويروي كيف تبدو حياته اليومية إلى هذا الحد أو ذاك كرجل متزوج مع عائلة يتعين عليه أن يعيلها. مثله، كثيرون آخرون في الأردن يواجهون مشاكل مشابهة ويجثمون تحت عبء غلاء المعيشة.
ضائقة اقتصادية
“الأسعار ارتفعت” نشعر به في البضائع والمنتجات الاستهلاكية مثل الأرز والسكر. هناك منتجات ارتفعت أسعارها جداً بنحو 20 في المئة فأكثر. كيلو الدجاج مثلاً قبل سنة ونصف – سنتين كان 1.75 دينار، أما اليوم فقد ارتفع إلى 2.15. في الماضي حاولت الحكومة سحب يدها من دعم منتجات أساسية كالخبز. الناس يخافون وهذا صعب، وبالتوازي لا تزداد المداخيل”، هكذا يروي زواتي لـ “إسرائيل اليوم”، الذي يسكن في شمال المملكة.
بلغت الضائقة الاقتصادية الذروة مع غلاء الوقود. قرر سائقو الشاحنات في المحافظات الأردنية الجنوبية الخروج عن صمتهم، وقبل ثلاثة أسابيع انطلقوا إلى إضراب. انضم إليهم قسم من سائقي المواصلات العامة، سائقي السيارات العمومية وشاحنات النقل. لم تصل البضائع إلى الموانئ وكاد التصدير يشل. المواد الخام لم تنقل إلى المصانع، مما أدى إلى تعطيل الإنتاج، وهكذا تضررت أيضاً قطاعات أخرى من مقدمي الخدمات والحاصلين عليها.
بعد فترة هدوء صناعي في الأردن دون مظاهرات احتجاج علنية، شعر سكان محافظة معان في جنوب الدولة بأنهم وصلوا إلى الحد الأقصى وخرجوا إلى الشوارع. وما أضاف الزيت إلى الشعلة تجاهل مسؤولي الحكومة الأردنية مطالب المتظاهرين. أضرب أصحاب المحلات والمتاجر في مدينة الكرك ومحافظات أخرى تضامناً مع السائقين المضربين. وطالبوا بتخفيض أسعار الديزل، وضريبة الوقود ومنتجات النفط.
ولّدت الإضرابات مواجهات واسعة بين الشبان وقوات الشرطة مع رشق حجارة، وحرق إطارات سيارات وإغلاق محاور، بما في ذلك دعوات لإسقاط الحكومة. وهذا لم يدفع قمة القيادة في الأردن للخروج عن لامبالاتها.
حينئذ، وقع حدث واحد مهم غيّر الصورة: ضابط كبير برتبة عقيد، نائب قائد شرطة مدينة معان، عبد الرزاق الدلابيح، قتل بالنار في أثناء تفريق إحدى المظاهرات. كان هذا نداء صحوة للقيادة في عمان بأن شيئاً ما غير جيد يحصل في ساحة المملكة الخلفية وحان الوقت للعمل. دخلت أجهزة الأمن الأردنية في عمل نشط فاعتقلت عشرات المشبوهين. وفي اجتياح نفذته لقتل الهدف الذي كان مسؤولاً بزعمهم عن قتل الدلابيح، أسفرت العملية عن حياة ثلاثة من أفراد الشرطة الأردنية.
مجتمع في أزمة
الأزمة الاقتصادية – الاجتماعية في المملكة اشتدت في السنوات الأخيرة عقب الحرب الروسية الأوكرانية وأزمة كورونا. الارتفاع في أسعار الوقود والاحتجاجات التي نشبت كانت مجرد أعراض لضائقة أوسع يشهدها المجتمع الأردني. إحدى المصاعب البارزة التي تقلق السكان ولا سيما الشباب منهم، هي غياب عرض واسع للوظائف في سوق العمل والرواتب المتدنية.
“شاب ينهي الجامعة يمكنه أن يكسب 200 – 300 دينار في الشهر إذا كان يعمل ساعات إضافية. هذا لا يكفي للنفقات وللمعيشة”، يقول زواتي. “مع غياب وظائف شاغرة، وتدني الرواتب، باتت الهجرة مقصد الشباب، لأنهم لا يرون مستقبلاً”.
معدلات البطالة الرسمية تتراوح بين 17 و25 في المئة، لكن حسب تقديرات أخرى، فإن عدد العاطلين عن العمل أعلى من ذلك. “حتى من يعملون يصعب عليهم الصمود في أماكن العمل على مدى الزمن، ولا استقرار لهم. أرباب العمل يستغلون تعلق الناس بالعمل كمصدر رزق، ويسمحون لأنفسهم بمعاملة العمال بشكل غير إنساني أحياناً”، يشرح زواتي. يشار إلى أن مقربين من النظام يدعون بأن معدل البطالة أدنى من المعطيات الرسمية.
جواد عناني، نائب رئيس الوزراء الأردني سابقاً ورئيس مكتب القصر الملكي، قال لـ “إسرائيل اليوم” إن وسطاء تدخلوا في المسألة وحاولوا إقناع الحكومة باتخاذ خطوات تدفع سائقي الشاحنات بالعودة إلى عملهم. وشرح بأن الوضع الاقتصادي ومشكلة البطالة في المملكة ترتبط ضمن أمور أخرى بالإدارة غير السليمة للقطاعين الخاص والعام على مدى السنين.
ليس بهذا تنتهي مشاكل الأردن. فالتحدي الأكبر أمام الملك عبد الله هو الحفاظ على الاستقرار الداخلي والتوازن بين الجهات المختلفة في الدولة – الفلسطينيين، البدو، القبائل، وكذا: فتح العين على خصوم من الداخل يحاولون ضعضعة الوضع القائم، بخاصة بعد الاشتباه بمحاولة الانقلاب التي، حسب الادعاءات، شارك فيها الأمير حمزة، أخ عبد الله، السنة الماضية.
تخوف من فقدان الاستمرار
“الأردن لا تنقصه تحديات داخلية، تكفيه الأزمة الاقتصادية وما يحصل في الحدود مع سوريا والعراق، فهو لا يتحمل مزيداً من المشاكل من الخارج”، قال العناني، متطرقاً إلى صعود حكومة اليمين في إسرائيل والتوتر في الأقصى والضفة، إلى جانب غياب أفق سياسي مع الفلسطينيين.
وحذر قائلاً إن “نتنياهو وحكومته اليمينية يجب أن يفهموا بأنه لا يمكن ممارسة الضغوط على الأردن. إذا ما شدوا الحبل حتى الحد الأقصى، فسيعرف الأردن كيف يدافع عن نفسه ويتخذ موقفاً حازماً”.
بقلم: دانا بن شمعون
إسرائيل اليوم 22/12/2022