بينما التصقنا بالتلفزيون لمشاهدة المباراة النهائية بين الأرجنتين وفرنسا، علمت بإدخال لطيف دوري إلى المستشفى لمرض أصابه. أي مفاجأة سيئة. دوري ذلك الشاب الخالد، ورغم أنه بلغ 89 سنة لم أتوقع أن ينهار جسده المنيع والمستقر مبكراً هكذا. ولكن 89 سنة أمر جميل، وبخاصة بعد أن قيل عن أمثاله أنه لا يُقهر. كمواطن كان قلقاً، لكنه كإنسان مرح بلا نهاية. أحاديثي معه كانت مليئة بالضحك والبكاء، لكن ببكاء الضحك. أخشى أنه ملّ الأخبار فقرر أخذ مهلة، أو على طريقته، يرى مرة أخرى أموراً يصعب علينا رؤيتها.
ولد دوري في العراق، وهاجر إلى إسرائيل عام 1951، حين كان ابن 18. في المطار أرادوا أن يسجلوه باسم منشه، إذ هكذا كتب في الوثائق الرسمية التي جلبها معه. لكن المهاجر الجديد طالب الموظف أن يسجله باسم لطيف بما يحمله من معنى الحب ولطف المعشر. “تجادلنا نحو نصف ساعة، في النهاية لم يكن له مفر”، روى لي في الماضي.
بعد وقت قصير من وصوله إلى البلاد، انضم إلى القسم العربي من حركة “مبام”. قضى معظم حياته في صفوفها. حتى بعد أن اتحد الحزب مع آخرين لإقامة “ميرتس”. رأى نفسه يهودياً – عربياً، وحرص على الترتيب: بدايةً يهودي، بعد ذلك عربي. إذ جاء من عائلة يهودية. عندما قلت له ذات مرة إن اشتراكيته وقبول الآخر غريبان عن معظم اليهود، بخاصة في أيامنا هذه، قلب الجرة عليّ. هذه مشكلتهم، وبّخني، وإذا بتنا نتحدث، فما الذي فعلته من ناحية أخلاقية، مكتوب في توراة اليهود.
رقابة بن غوريون
استعد دوري للحملة الخاصة التي نفذها وحده شتاء ما قبل 66 سنة. وصلت إلى الحزب شائعات على لسان أعضاء في “كيبوتس حوراشيم”، في أواخر تشرين الأول 1956 بأن إطلاق نار وتفجيرات سمعت في كفر قاسم بجوار “الكيبوتس”. كان هذا هو اليوم الأول لحملة السويس، وخشيت إسرائيل من اشتعال الجبهة الشرقية، ولهذا قرروا فرض حظر تجول على القرى العربية في حدود الأردن. بإخطار قصير، تم تقديم موعد بدء حظر التجول بست ساعات. لهذا، تأخر الأمر في الوصول إلى السكان. كتيبة حرس الحدود، بقيادة شموئيل ميلنسكي، دخلت القرية وقت عودة السكان إليها من يوم عملهم ولم يعرفوا بحظر التجول على الإطلاق. رأى أفراد الشرطة في ذلك خرقاً لحظر التجول، ومنحوه تفسيراً فتاكاً على نحو خاص.
في بيته في “رمات غان” في كانون الثاني هذه السنة، روى لي دوري تاريخ تلك الأيام. بعد يوم من الجهود، نجح في تجاوز الحواجز والتسلل إلى القرية. توجه إلى المختار وديع صرصور، وطلب أن يسمع منه ما حصل. “في البداية ذعر، اعتقد أني جئت لأقتله”، روى لي. “بعد أن هدأ، جلس وأعطاني كل التفاصيل. أسماء الـ 49 قتيلاً والـ 13 جريحاً”.
في أعقاب ما سمعه، قرر التوجه إلى الجرحى لأخذ شهاداتهم. لهذا الغرض اضطر للتسلل أيضاً إلى مستشفى بيلنسون الذي كان خاضعاً لحراسة مشددة، لأن الجرحى من معركة سيناء كانوا ينقلون إليه هم أيضاً. “دخلت الغرفة التي كان يستلقي فيها الرجال، خافوا، ظنوا أني جئت لأنكّل بهم، لكن المختار أعطاني كلمة السر. قال لي، قل لهم – “العنزة لم تعد إلى البيت”. قلت لهم ذلك فاطمأنوا. طلبت من كل واحد منهم أن يروي لي ما حصل، وبعد أن فعلوا وقّعتهم على الشهادات. معظمهم وقعوا بالبصمة، اثنان فقط كانا يعرفان الكتابة والقراءة.
بعد أن انتهى من الرجال الجرحى، بعث وعثر على النساء. في البداية استنكروا وجودي، أنا اليهودي الناطق بالعربية. وبعد أن نقل إلى امرأة وابنتها التحية من الأب الجريح، شاكر عيسى، هدأت النساء وبدأن يتعاونّ. يتذكر دوري بأن الشهادات صعقته، وأن يداه كانتا ترتعدان بينما كان يسجلها. وهو لا يزال يحتفظ بالدفتر في بيته. “كانت ستصدم كل إنسان، حتى العدو”، قال. حتى اليوم صوته يرتفع بانفعال حين يتذكر ما قلنه من أَسرّتهن. “كانت سيارة تقل 20 امرأة، أنزلوهن جميعاً وحصدوهن، بمن فيهن امرأتان حاملان. كيف يمكن عمل شيء كهذا”.
عاد دوري إلى البيت مع نتائجه التي جمعها، ثم ترجمها إلى العبرية. بعد ذلك، عرضها على رئيسي الحزب مئير ميعاري ويعقوب حزان. قرر أن يبعث بالشهادات إلى النواب والصحافيين. مئات النسخ نشرها حزب “مبام” مع شهادات عن أفعال كتيبة “ميلنكي”. لكنها تزامنت مع أيام تأهب عال في جبهة سيناء. حاول دافيد بن غوريون قدر استطاعته الدفاع عن السمعة الطيبة لجهاز الأمن، وأمر الرقابة بمنع نشر المذبحة.
“كان العالم كله يعرف ما حصل في كفر قاسم، إلا في إسرائيل. هكذا لشهر”، استعاد دوري الذكرى، “لكن البلاد ضجت في الخفاء ولم يكن لبن غوريون مفر”. في 12 كانون الأول، وقف أمام الكنيست وأزال التعتيم عن المذبحة. “فعل فظيع مخيف، يمس بالأساسات الأكثر قدسية للإنسانية”، قال رئيس الوزراء. “الرقابة أزيلت”، يتذكر دوري، “وفي الغداة نشرت “عل همشمار” القصة في صفحتها الأولى تحت عنوان “حصاد دموي في كفر قاسم”. أما “هآرتس” فنشرت الشهادات بكاملها.
“مواطنة شرف”
عرفت كفر قاسم كيف ترد لدوري الجميل على أنه أطلع العالم كله بأمر المذبحة. في كل سنة في 29 تشرين الأول، يدعى إلى مهرجان الذكرى في القرية. بمرور 40 سنة على المذبحة، منح “مواطنة شرف”. تصادق مع الجرحى وأبناء عائلاتهم، وتعرف إلى أعزاء الضحايا. ومع السنين، رحل معظم الجرحى إلى العالم الآخر، وحتى في جنازاتهم كان حاضراً.
حزت القضية في روحه عميقاً لدرجة أنه اعتزل السياسة رسمياً بسببها، بعد نحو سبعة عقود مما اتخذ فيها خطواته الأولى. كان هذا في تشرين الأول 2021. “ميرتس”، حزبه، الذي كان في الحكومة، صوت ضد مبادرة قانون نواب من القائمة المشتركة ممن طلبوا تخليد ذكرى قتلى المذبحة. اتهم دوري “ميرتس” بأنه خان مبادئه. وخرج من صفوفه بقلب أليم. سقطت مبادرة القانون بأغلبية 92 ضد 12.
“لم تعترف حكومة إسرائيل حتى اليوم بمسؤوليتها الأخلاقية عن الجريمة الرهيبة”، اشتكى. ليس هكذا الجيش الإسرائيلي: فقد ندد هذا بمذبحة كفر قاسم، واستعان بدروسها كيف يعلم جنوده ما هو الأمر غير القانوني على نحو ظاهر.
روى دوري بأن الصدمة مكنت سكان كفر قاسم ودفعت كثيرين لاكتساب التعليم العالي. “هذه قرية متعلمة جداً، بخلاف ما كانت عليه في تلك السنين. هناك خريجو جامعات من الصف الأول.
بنى دوري حياة سياسية دولية في صفوف الدائرة العربية لـ”مبام”. كان من أوائل الإسرائيليين الذين التقوا ياسر عرفات. بعد عودته من تونس، كان من زوار قيادته في غزة ورام الله، وحتى وقت أخير مضى كان على علاقات مع أرملته. منذ عشرات السنين وهو صديق لأبو مازن، ونايف وحواتمة أيضاً الذي درج على أن يلتقيه على نحو دائم في منزله بعمان. كان يمقت عمليات القتل، لكنه ادعى بأن الفصائل الفلسطينية دُفعت إليها بلا مفر، لأن إسرائيل تسيطر على “المناطق” [الضفة الغربية] بقبضة من حديد وترفض منحهم دولة.
في العقد الأخير، انتقل المجتمع الإسرائيلي إلى اليمين، وهكذا بقي دوري ورفاقه في الأقلية. ولا يزال، فعالم لا يسير فيه ما يكفي من المشاغبين مثله هو عالم أقل خيراً بكثير.
بقلم: جاكي خوجي
معاريف 23/12/2022